الفصل 147: بيت الأموات

تلك الكلمات أصابت وترًا عميقًا في قلب ليث ، وأيقظت شيئًا كان يعتقد أنه مات منذ زمن بعيد. أولاً، ارتسمت ابتسامة ساخرة على طرفي فمه، ثم لم يستطع منع نفسه من الضحك الخافت الذي سرعان ما تحوّل إلى قهقهة هستيرية.

الجندي الخائن ارتبك لوهلة، فهذا لم يكن رد الفعل الذي توقعه.

وفقًا لمعلوماتهم، كان لدى ليث علاقة قوية بأسرته، إذ كان ينفق معظم دخله على مر السنين لتحسين حياتهم ومكانتهم، بدلاً من شراء طريقه إلى النبلاء.

كان معروفًا على الملأ أن العلاقة بينه وبين أخيه المنبوذ أوربال قد انقطعت، لكن أخاه الآخر، تريون ، ظل جزءًا من العائلة، حتى قرر طوعًا الانضمام إلى الجيش. لقد عاش حياته مرتديًا أفضل الملابس ومتمتعًا بالغذاء.

وبحسب أهل القرية، ورغم اختلاف أهدافهما واهتماماتهما، إلا أن الأخوين كانا يبدوان على وفاق. لكن الحقيقة أنها لم تكن سوى خدعة، اتفقا عليها فقط من أجل والديهما.

فبينما لم يكن ليث يشعر تجاه أوربال سوى بالاحتقار، لم يكن حال تريون أفضل بكثير، إذ لم ينل سوى اللامبالاة التامة. لم تُصلح علاقتهما قط، لأن أياً منهما لم يحاول حل خلافاته مع الآخر.

بالنسبة لـ ليث ، لم يكن الأمر يهمه. ففي نظرته الملتوية للعالم، رسم منذ زمن دائرة ضمّت الأشخاص المهمين لديه، ورمى البقية في خانة "النفايات عديمة القيمة" حيث ينتمي تريون .

أما تريون ، ففي البداية كان يخجل جدًا من الاقتراب من ليث بعد كل ما قاله وفعلَه هو و أوربال معه عبر السنين. وبما أنه اعتاد دائمًا أن يتبع خطوات أخيه الأكبر، لم يطوّر أبدًا إحساسًا بالأخوّة تجاه ليث .

لقد بقوا غرباء عن بعضهم لوقت طويل، حتى أن كل اعتذار خطر ببال تريون بدا زائفًا ومصطنعًا حتى في نظره هو. فظل ينتظر اللحظة المناسبة ليصلح ذلك الخراب... لكنها لم تأتِ أبدًا.

كان ليث مشغولاً دائمًا، مرة كصياد وممرضٍ لـ تيستا ، ومرة كمعالج وصائد جوائز. لم يكن يقضي وقتًا طويلًا في المنزل، وحتى حين يفعل، كان يكرّس نفسه فقط لمن يهمونه.

لم يمضِ عام حتى بدأت مشاعر تريون تتعفن من جديد، وتحول مزاجه إلى حقد. وكأي طفل، كان يحلم يومًا ما أن يكتشف أنه يملك موهبة مذهلة، أن يكون مميزًا.

لكن مع مرور الأيام، لم يتغير شيء سوى للأسوأ. وبينما ظلّ عالقًا في روتين الأحلام والأعمال اليومية، كان ليث يزداد قوة يومًا بعد يوم، وموهبته أصبحت مصدر إلهام لوالديهما أولاً، ثم لـ نانا ، وأخيرًا للكونت لارك .

وسرعان ما طغى الحسد على الشعور بالذنب، ولم يبقَ شيء لإصلاحه.

لكن الجندي لم يكن يعرف شيئًا من هذا كله، لذلك بدا له سلوك ليث كسلوك رجل مجنون. كانت قهقهته مليئة بالازدراء، كما لو كان أمام أغبى شخص قابله في حياته.

قال ليث ساخرًا وهو يتراجع خطوة للخلف: ـ "هل حقًا تملكون أخي؟ إذن لدي طلب. عندما تقتلونه، أخبروه أنني لم أعطِ له بالًا قط. أحب أن أرد الدين بمثله."

كان أمامه الكثير من الطرق لقتله، سواء بهجوم جسدي أو بسحر الروح، لكن أياً منهما لم يكن آمنًا بما يكفي.

التحرك بسرعة كبيرة لم يكن مناسبًا مع القناع ذو شكل الغراب الذي يرتديه، وفوق ذلك، كونه في مشرحة مليئة بجثث ضحايا الوباء، لم يرد أن يخاطر حتى بجرح بسيط من السيف.

أما سحر الروح، فالرجل كان قريبًا جدًا. لم يكن أمامه إلا خياران: إما أن يكسر عنقه، فيفقد فرصة استجوابه، أو أن يحاول تقييده ويأمل ألا تكون لدى خصمه أسلحة مخفية أو فرصة لاستخدامها قبل اكتمال التقييد.

قال الجندي بصرامة، رغم أن الخوف بدأ يلتف حول أمعائه: ـ "هذا ليس مزاحًا. إن لم نخرج من هنا خلال دقيقة، سيعتبر رفاقي المهمة فاشلة، وسينفذون حكم الإعدام على أخيك."

ورغم برودة المشرحة، بدأ يتصبب عرقًا، يتشوش بصره من تحت القناع، وقف شعر جسده كله واقشعر.

لكن ليث واصل التراجع نحو الأرفف المعدنية، وصوته مليء بالسخرية: ـ "ولماذا علي أن أهتم؟ اقتلوه، تزوجوه، افعلوا ما شئتم. ثم إن خطتكم بها عيوب قاتلة. أولاً، سرقة بيضة تنين أسهل من أخذي حيًا. ثانيًا، لا أصدق أن تعويذة الاتصال خاصتك تعمل.

وثالثًا، والأهم، أن تنفيذ هجوم داخل مشرحة، حيث معظم أنواع السحر مختومة، ضربٌ من الانتحار."

وقبل أن يُكمل كلامه، أمسكت أيدٍ عديدة بالجندي من كتفه الأيسر وذراعه وساقه. حاول أن يقفز بعيدًا، لكن قبضاتهم كانت كالملازم الحديدي، فراح يضرب معاصمهم بسيفه ليحرر نفسه.

وكحال معظم الجنود، كان سيفه مسحورًا قادرًا على قطع اللحم والعظم بسهولة... لكن كل ضربة ارتطمت كالصخر، وجعلت سيفه يهتز بقوة.

عندها فقط تذكّر أين هو. وعندما رأى عشرات العيون الحمراء المضيئة تحدق فيه من بين الأرفف، خارت قواه تحت وطأة الذعر.

ضحك ليث قائلًا: ـ "هل كنت تظن فعلًا أنني سأضيع وقتي بالكلام؟"

وفي كل ثانية كان يعيد إحياء المزيد من الجثث، يغمرها بالمانا وإرادته.

لقد تعلم في يومه الأول بالمخيم أن العنصرين الوحيدين المسموح له باستخدامهما هما الضوء والظلام: الضوء لمساعدة المعالجين في البحث عن علاج، والظلام لتعقيم الناس والملابس عند التنقل بين الأحياء والمستشفى. وقد استغل حماقة خصمه ليكسب الوقت اللازم لاستدعاء حراسه.

تكدّست الزومبي فوق الجندي المسكين، وأحكموا تقييده على الأرض.

قال ليث ببرود: ـ "لنرَ إن كنت صادقًا بشأن رفاقك."

فعلّل رؤية الحياة ، ولاحظ وجود شخصين يتسللان قرب مدخل المشرحة. وبمجرد فكرة، أرسل مجموعة من الموتى الأحياء لاستقبالهم.

دخل الرعب في قلب الجندي المقيّد، فراح يصرخ ويقاوم بجنون. كانت أجساد الزومبي العارية مثيرة للاشمئزاز عند النظر، وأكثر قرفًا عند اللمس. وبرغم قوتهم، إلا أن لحمهم كان باردًا مترهلًا، وجروحهم مفتوحة، بعضها بسبب الطفيليات وأخرى من التشريح، وسوائلهم تغمره خلال ثوانٍ.

قال له ليث ببرود: ـ "كف عن الصراخ. كما قلت أنت سابقًا، الخيمة عازلة للصوت."

ثم أمر أحد الموتى الأحياء بانتزاع قناعه، وحشر يده في فمه. تقيأ الرجل بضع ثوانٍ، قبل أن يُغمى عليه من شدة الرعب.

عندما دخل الاثنان الآخران إلى المشرحة، هاجمتهم جموع الزومبي. قاتلوا بشجاعة، لكن عددهم وتكتيكهم غلبهم. جعلهم ليث يتلقون الضربات عمدًا، بينما يستهدفون أقنعة الجنود فقط.

وعندما أدرك الخصمان أنهما يواجهان زومبي أوبئة أذكياء، أصيبا بالجنون، وفقدا إرادة القتال، وحاولا الفرار... لكن ستارة الخيمة، مثل باب مغلق في فيلم رعب، رفضت أن تُفتح.

صرخت امرأة: ـ "كيف بحق الجحيم يمكن لقطعة قماش أن تُغلق؟!"

ضحك ليث : ـ "سؤال وجيه." بينما استخدم موجة بعد أخرى من سحر الروح لإبقاء الباب مغلقًا، مستمتعًا برعبهم.

وسرعان ما أصبح الخونة الثلاثة إما فاقدي الوعي أو غارقين في بولهم. كانوا يعرفون أنه من دون الأقنعة، حتى إن تمكنوا من الهرب بمعجزة، فلن يغير ذلك مصيرهم المحتوم.

تجمدت عقولهم، عاجزة عن تقرير ما إذا كانوا سيتوسلون من أجل حياتهم أم من أجل موت سريع.

تلألأت عينا ليث بضوء أحمر بارد تحت القناع.

ـ "أيها السادة... لدينا ما نتحدث بشأنه."

............................

....................

...........

في النهاية اتمنى تكونوا استمتعتوا بالفصل

واتمنى لو في خطا في الترجمة توضحولي في التعليقات واتمنى تشجعوني وتدعموني عشان اكمل القصه

⚡ANORAK

2025/09/03 · 27 مشاهدة · 1056 كلمة
ANORAK
نادي الروايات - 2026