الفصل 148: بيت الموتى (الجزء الثاني)
في أكاديمية "الغريفون الأبيض"، كان البروفيسور مارت يواجه تعقيداً غير متوقع. فبعد إعلان حالة الطوارئ الوطنية، طُلب من جميع أفراد الطاقم الأكاديمي الذين يملكون ولو قدراً ضئيلاً من المعرفة بالطب أن يحزموا أمتعتهم ويتوجهوا إلى كاندريا بأسرع ما يمكن.
سُمح للأساتذة أن يصطحبوا معهم أي شخص يرونه قادراً على المساعدة، حتى ولو كانوا طلاباً. فقد كانت هذه جزءاً من القصة التي ابتكرها الملك ليجعل وجود "ليث" في كاندريا يبدو أمراً غير مهم. سيكون مجرد واحد من بين العديد من الشباب الذين يرافقون أساتذتهم، على أمل أن يلفتوا انتباه التاج أو على الأقل يكتسبوا خبرة عملية. فوجود طالب واحد فقط من أكاديمية الغريفون الأبيض بين جميع الخبراء سيُثير الكثير من الأسئلة.
أكثر قسمين تأثروا بهذا القرار كانا قسم سحر الضوء وقسم الكيمياء . ورغم أنهما اعتادا التعاون في أصعب الحالات، إلا أن هذه المرة كان النهج مختلفاً تماماً.
فبالنسبة للكيميائيين، كانت هذه فرصة العمر: العمل دون أي حدود للميزانية، باستخدام أحدث المعدات، بل وحتى الحصول على أدوات مصممة خصيصاً لهم. كان عرضاً لا يمكن رفضه. لذا، لم يتردد أساتذة الكيمياء في اصطحاب طلابهم، إذ لن يكون هناك أي احتكاك مباشر يذكر مع المصابين، وسيقتصر عملهم على دراسة عينات الأنسجة داخل مختبراتهم.
أما بالنسبة للمعالجين، فالأمر كان كابوساً حقيقياً: اتصال يومي بالضحايا، خطر كبير بالتعرض للوباء، ونسبة وفيات أقرب إلى ساحات الحرب. كان من الصعب شرح خطورة الوضع للمتطوعين دون أن يبدو قاسياً أو يتسبب بإثارة نوبات هلع.
وبعد رفضه للعديد من الهواة ذوي النوايا الحسنة، وجد مارت نفسه في مأزق.
قالت كويلا من مدينة سيريا، وهي ترفض قبول الرفض: "أرجوك يا بروفيسور، لماذا لا أستطيع مرافقتك؟"
صرخ مارت وقد نفد صبره بعد استنزاف كل أعذاره: "لأنه أمر خطير للغاية! فلنكن صريحين، أنتِ فتاة في الثانية عشرة من عمرك، في عامك الأول بالأكاديمية. أي مساهمة حقيقية يمكنكِ أن تقدميها؟ أمامكِ حياة كاملة، لا يمكنني المجازفة بمستقبلكِ لمجرد نزوة. أنتِ من أبرز المواهب في صفك، لكنكِ ما زلتِ صغيرة وعاطفية. صدقيني، لستُ ذاهباً في رحلة ميدانية أو عطلة، إنه أمر خطير للغاية."
أجابت كويلا بصرامة: "إذن لماذا أُرسل ليث إلى هناك؟"
جعلتها لهجتها الحادة أقرب إلى التصريح منها إلى السؤال، مما أدهش مارت. "ماذا قلتِ؟"
قالت: "لا تحاول الإنكار. أولاً، استُدعي إلى مكتب مدير الأكاديمية، ثم لم يعد لتناول العشاء أو الفطور. وفي اليوم التالي عُلقت الدروس. لا يمكن أن يكون الأمر صدفة."
أدرك مارت من منطقها البارد أنها على حق، لكنه شعر أيضاً بالقلق الكامن في نبرتها، فكل شيء اتضح له. إعجاب مراهق ، وهو ما كان يكرهه بشدة. فمهما بدا الأمر سخيفاً، لا مجال لإقناع صاحبه بالعقل. ومع ذلك، كان عليه المحاولة.
قال لها: "حالته مختلفة عن حالتك."
فقالت بازدراء، وهي تضرب الأرض بقدمها: "وكيف ذلك؟"
– "لأنه ليس بشرياً! يا للآلهة، كم أتمنى لو كان بإمكاني قول ذلك بصوت عالٍ، لكن الملكة ستقتلني." – فكّر مارت.
لكنه أجابها قائلاً: "مع غياب مانوهار، فهو أفضل من يشخص الأمراض لدينا. كما أنه قدّم عدة مساهمات في المجال النظري بفضل فهمه الفريد لجسم الإنسان. لولا ذلك لما سمحت له بالذهاب. والآن، عذريني فأنا في عجلة."
خرجت كويلا من الغرفة بوجه كئيب، وأغلقت الباب خلفها بقوة. في الخارج، كان يوريال و فريا بانتظارها، وملامح وجهها أوضحت لهما كل شيء.
سألت كويلا: "لماذا هذا الوجه الحزين؟"
أجابت فريا وهي أكثر توتراً منها: "أمي اتصلت بي للتو. كل ما قالته إن أحدهم ارتكب خطأً فادحاً، ويجب أن أجهز حقائبي لأغادر المملكة في أي لحظة."
قال ليث وهو يتفحص الأسرى الثلاثة: "أولاً، أريد أن أعرف من أرسلكم، ولماذا."
كان فضوله كبيراً بشأن محاولتهم أسره. فالفرقة السابقة لم تبخل في محاولة قتله، لذا إما أن المتعاقد معهم غيّر رأيه، أو أن الأمر مختلف تماماً.
أول من أجاب كان الجندي الذي حاول ابتزازه بتهديد حياة شقيقه تريون . وبحسب شارة اسمه، كان يُدعى فيكاس بانووت ، رجل عادي المظهر بعينين وشعر كستنائي.
كانت وجنتاه لا تزالان محمرتين بعد أن صفعه ليث مراراً لإعادته إلى وعيه. وكان القيء ما زال يلطخ فمه وزيه العسكري، مما زاده بؤساً.
سأل بصوت مرتعش وهو يحاول التجرؤ على النظر في عيني ليث المتوهجتين بالحمرة: "هل ستتركني إذا أخبرتك؟"
ضحك ليث قائلاً: "بالطبع لا. لا فائدة، أنتم جميعاً مصابون بالفعل."
كان يكذب. فرؤية الحياة خاصته أظهرت أن الثلاثة ما زالوا أصحاء، رغم نزع أقنعتهم وحتى بعد خدوش وعضات الموتى الأحياء.
– "إما أن الطفيليات لا تحتمل برودة المشرحة، أو أنها تموت مباشرة بعد موت العائل. للأسف، ليس لدي وقت لأصيبهم بالعدوى وأدرس تطور الوباء. عليّ المغادرة بسرعة قبل أن يأتي أحد." –
قال فيكاس وقد استعادت روحه شيئاً من الجرأة أمام حتمية الموت: "إذن لماذا أخبرك؟ إن كان عليّ أن أموت، فسآخذ أسراري معي إلى القبر!"
صفق ليث بيديه وقال بابتسامة باردة: "سؤال ممتاز! التهموه حياً، بدءاً من قدميه."
كانت أوامره موجّهة للأسرى أكثر من كونها للزومبي، حتى يدركوا مصيرهم.
بدأ الموتى الأحياء ينفذون الأوامر، يمسكون قدميه ويعضونه، فيما غطى أحدهم فمه بكف متعفن ليكتم صراخه، وتحولت محاولاته للركل إلى يأس بائس.
أُجبر الأسيران الآخران على مشاهدة المشهد، فقد أبقاهم الزومبي مثبتين برؤوسهم وعيونهم مفتوحة.
قال ليث بنبرة أستاذ يشرح درساً لطفل غبي: "كما ترون، هم يتجنبون الشرايين الرئيسية. أنا معالج في النهاية، لا يمكن أن تتوقعوا أن أقتلكم عن طريق الخطأ. ستموتون فقط حين أقرر أنا، وبالطريقة التي أختارها. أول من يتكلم سينال موتاً سريعاً، والباقون سينضمون إلى صفوف أتباعي."
مع اختفاء قدمي فيكاس وظهور العظام، بدأ جسده يرتجف، ثم أشار بيديه بجنون. عندها أوقف ليث الموتى الأحياء مؤقتاً، واستخدم سحر الضوء لتخفيف ألمه قليلاً.
سأله ببرود: "نعم؟"
لهث فيكاس قائلاً: "الدوق سليمـار رتّب كل شيء، بمساعدة الجنرال ليزهارك والساحر فيرناط."
صُدم رفيقاه من خيانته، فتوقفا عن التقيؤ.
قال ليث بلا اكتراث: "لم أسمع بهم من قبل."
تابع فيكاس: "لكنهم يعرفونك. يعرفون أنك بالأمس قلت شيئاً لفاريغريف أجبر الملك على إعلان حالة الطوارئ. إنها أول خطوة تقدم منذ أكثر من شهر."
سأله ليث: "ولكن لماذا خطفوني؟"
أجاب: "لأنهم خائفون من الطاعون. أحد شركائهم، لا أعرف من، هو المسؤول عنه. لكنه فعل ذلك من وراء ظهورهم، لم يكونوا يعرفون بوجوده أصلاً. وحين اكتشفوا الحقيقة، لم يعودوا يثقون به. إنهم لا يريدون القضاء على الطاعون، لأنه سلاح لا يُقهر. لكن من دون علاج، سيُجبرون إما على الفرار أو الخضوع."
.................................
....................
........
في النهاية اتمنى تكونوا استمتعتوا بالفصل
واتمنى لو في خطا في الترجمة توضحولي في التعليقات واتمنى تشجعوني وتدعموني عشان اكمل القصه
⚡ANORAK