الفصل 154: العقبة الأخيرة

خلافًا لتوقعات ليث، لم يعترض العقيد فارغريف على اقتراحه، بل سمح له ببدء دراسة الطفيليات المانعة للمانا. المشكلة الوحيدة كانت أنّ الأمر تطلّب الكثير من التحضيرات، كما أنّ إجراءات السلامة كانت أكثر صرامة من أي وقت مضى.

معظم الضحايا أصبحوا شديدي العنف، لذا كان لا بد من تقييد أيديهم وأرجلهم على النقالات لمنع محاولات الهروب.

وبما أن كل ما يتعلق بالمجتمع السحري يحتاج إلى إذن من رابطة السحرة، فقد تم تكليف الكابتن كيليان بمرافقته ومساعدته كلما تعامل مع أحد المرضى.

كان وراء موقف فارغريف المتساهل سببين. الأول، أنه بعد حديثه مع البروفيسور مارث، استطاع أن يضع كبرياءه المجروح جانبًا ويعترف في داخله بخطئه في الشك بولاء ليث للمملكة.

أما الثاني والأهم، فهو أنّه كان يتعامل مع تحقيق داخلي انفجر بين يديه فجأة. فبعد أن قتل ليث الملازم الخائن فيكاس ومعاونيه الاثنين، بدأت تروس القدر بالدوران.

وبفضل الانضباط الصارم في المعسكر، لم يكن اختفاء ثلاثة ضباط متوسطين ليمر مرور الكرام. مع نهاية اليوم الأول، كان الجنود في حالة استنفار، يبحثون عن ثلاثة فارين محتملين.

أسوأ الاحتمالات كان أنّ أحدهم، أو جميعهم، قد أُصيبوا بالعدوى، وقرروا الهرب من منطقة الحجر لمقابلة عائلاتهم للمرة الأخيرة قبل موتهم.

لم يكن بإمكان فارغريف أن يجازف، فلو انتشرت الطاعون في باقي المملكة، لأصبح العالم كله في خطر. لذلك خضعت مساكنهم للتفتيش الدقيق بحثًا عن أي دليل على نواياهم أو وجهتهم.

وفي اليوم التالي، ازداد الوضع سوءًا. إذ أظهرت السجلات العسكرية وجداول العمل أنّ الثلاثة كانوا في دورية بالقطاع الذي يقع فيه خيمة ليث لحظة اختفائهم.

عادةً لاعتبر الأمر صدفة، لكن بعد ما حدث لأخيه المقسم فيلاجروس، لم يستطع تجاهل احتمال أنهم خونة أُرسلوا لإكمال المهمة.

طلب فارغريف مساعدة كيليان، وكلاهما كلفا أكثر رجالهما ولاءً بالبحث في كل مكان شوهد فيه الضباط الثلاثة، بحثًا عن أي دليل.

الخبر الجيد أنّه بفضل

العالم الصغير

، كان الهروب شبه مستحيل، وجميع نقاط التفتيش التي تعدّ المنافذ الوحيدة خارج منطقة الحجر، كانت تحت حراسة قدامى المحاربين المعروفين بالولاء.

حتى لو كان أحدهم خائنًا، فمن المستحيل أن يساعد رفاقه دون أن يكتشفه الآخرون. ووفقًا لتقارير الحراس، فقد شوهد الثلاثة يدخلون المنطقة، لكن لم يُرَ أحد منهم يخرج.

وبما أنّ ليث كان بخير، فلم يكن هدفًا لهم. وقد أدى التفتيش الدقيق للمعسكر إلى العثور على مخبأ سري يحوي معظم الأدوات السحرية التي كانت تخصّ الضباط الثلاثة.

كان المخبأ يحتوي أيضًا على أدلة تدين ثلاث عائلات نبيلة قوية، إضافة إلى اثنين من الجنود المفقودين، باعتبارهم خونة محتملين ضد التاج.

ووفقًا لرسالة وُجدت داخل المخبأ، فقد اقترب والد فيكاس بالتبني، الدوق سيليمار، منه وطلب منه خيانة المملكة مقابل وعد بجعله وريثه.

شرح فيكاس كيف تظاهر بقبول العرض بينما كان في الواقع يجمع الأدلة لإسقاط فصيل النبلاء. وذكر في رسالته أنّه لم يتمكن سوى من تحديد اثنين آخرين، وختم بالقول إنه إذا حدث له مكروه، فمن المرجح أنه قد اكتُشف وقُتل.

تأثر فارغريف بتضحية فيكاس الشجاعة، ولعن نفسه لأنه لم يكن قائدًا قادرًا على إلهام الثقة. لو أن فيكاس طلب مساعدته، ربما لكان الأمر انتهى بشكل مختلف.

لكن الضربة القاضية لآمال فارغريف كانت أنّ جميع الأدوات السحرية المسترجعة فقدت بصمتها السحرية.

وهذا قد يعني أنّ أصحابها ماتوا.

بعد اكتشاف مدى تغلغل نفوذ فصيل النبلاء داخل الجيش، سلّم فارغريف كل الأدلة التي جمعها إلى كيليان، ليترك لبلاط الملكة استكمال التحقيق.

دون أن يعلم ليث، كانت خطته قد نجحت تقريبًا بشكل مثالي. هو من أجبر فيكاس على كتابة الرسالة في دفتره، وهو من جمع الأدوات السحرية ووضعها في المكان المناسب ليُعثر عليها.

وأخيرًا، جمع كل ما وجده من مخابئ الضباط في مخبأ واحد لتنجح القصة التي اخترعها. العيب الوحيد أنّه لم يكن يملك تفسيرًا لاختفاء الجثث الثلاث.

فلو أن الخونة تغلبوا على "البطل" فيكاس وقتلوه، فالتخلص من الجثة أمر طبيعي، لكن إن كانوا هم أيضًا قد ماتوا، فمن الذي نظف الساحة؟

الأدلة في المخبأ لم تكن كافية لاتهام إحدى العائلات الكبرى بالخيانة، لكنها كانت كافية لتشويه سمعتها وربطها بعدة جرائم غير محلولة.

وهذا سيسمح للتاج بقمع أنشطتها وإضعاف نفوذها حتى نهاية التحقيق. وكان منع اندلاع حرب أهلية أولوية قصوى، لذا لم يستطع فارغريف سوى تجاهل هذه المعضلة مؤقتًا.

اللعنة، لو كنت مكان الملك، لقتلت أحمقًا غير كفؤ مثلي دون تفكير.

تمتم لنفسه.

كنت منشغلاً بالشك في ولاء ليث لدرجة أني تجاهلت الخونة الحقيقيين تحت أنفي. أستطيع بالفعل سماع الملكة وهي تعيره بفساد الجيش ولن تتركه وشأنه أبدًا.

بعد أن اعتبر مسألة الطفيليات الثلاثة الأخرى محلولة، بدأ ليث بفحص عدة مصابين بالطفيلي المانع للمانا بحثًا عن العينة المثالية. كان عازمًا على إيجاد أسوأ حالة ممكنة ليستخدمها في عمله.

فبخلافه، لم يكن المزيفون قادرين على تغيير تدفق المانا في تعاويذهم إلا إذا صُمّمت خصيصًا لذلك. والأسوأ، أن ليث لم يكن لديه أي فكرة عن كيفية عمل تعاويذ المستوى الخامس، لذا كان عليه أن يضمن لهم علاجًا خاليًا من الأخطاء.

خطته كانت دراسة حالة متقدمة، وجمع كل البيانات اللازمة لإنشاء "خيوط" يستطيع فريق مارث اتباعها. وإلا فسيضطرون لتعديل التعاويذ في كل مرة تظهر ظروف غير مألوفة عند صياغتها.

كانت الخيمة المخصصة لأبحاث ليث كبيرة، قطرها يقارب عشرة أمتار، وتحتوي فقط على مقعدين ومكتب صغير. معظم العينات جُلبت وهي مقيدة بسترات مجنونة وسلاسل عند الكاحلين، إن لم تكن مثبتة بالكامل مثل السجق.

وعلى عكس الآخرين، كانت أجساد المصابين من النوع الرابع قوية وصحيّة. وُضعت القيود كإجراء أمني لمنع الهرب والحد من خطر العدوى إذا حاولوا العض أثناء نوبة غضب.

قال أحدهم بصوت غاضب: "ألا تعرف من أنا أيها الكلب العسكري الحقير؟!"

لم يكن معظمهم يعاملون الجنود والمعالجين باحترام، بل كانوا يصرخون باستمرار، ويستعرضون مناصبهم السابقة وكأنهم يخاطبون خدمًا بلهاء.

أول مريض لليث كان رجلاً وسيماً، طويل القامة، ذا شعر أشقر وعينين زرقاوين، حدّق في ليث وكأنه مجرد قذارة على فطوره.

"أنا غاريث سينتي، أصغر سيد نقابة في تاريخ نقابة كاندريا. أطالب بأن يتم إطلاق سراحي ومعاملتي بكل التكريم الذي أستحقه! وبمجرد أن أخرج من هنا، سأضمن أن يموت كل واحد منكم ميتة الكلاب!"

أجابه ليث بهدوء: "اصمت من فضلك. أنت تزعج تركيزي وتجعل عملي أصعب."

حتى استخدام

الإنعاش

كان تحديًا. فقد امتلأت أجساد العينات بسموم مختلفة عما درسها ليث سابقًا. لم تكن تسبب ضررًا مباشرًا، لكنها كانت قادرة على تشويش المانا الداخلية والخارجية، مما يحول أي تعويذة إلى مضيعة للطاقة.

تجاوز تأثير التشويش تطلب من ليث إرادة صلبة وتركيزًا هائلًا، وكان يستنزف احتياطاته من المانا كما لو كان يعالج قرية كاملة في وقت واحد.

سخر غاريث قائلًا: "عملك؟ ها! لست سوى أحمق غير كفؤ، وإلا لما كنت أتعفن في خيمة بائسة كهذه كالمشردين منذ أكثر من شهر!"

ثم بصق بدقة غريبة على بلورة عين ليث اليمنى، قبل أن ينفجر ضاحكًا.

لم يكن ليث يومًا ما ممرضة "فلورنس نايتنغيل". فهدوؤه وسلوكه المحترم المعتاد كانا نابعين من وعيه بأن هؤلاء الأسرى بعد معاناتهم الطويلة يستحقون بعض الاحترام الإنساني لضمان تعاونهم.

لكن هذه المرة قال وهو ينظف بلورته بمنديل، ثم يستخدمه لمسح أوساخ حذائه:

"تعلم يا سيد سينتي؟ يقولون إنك تصطاد الذباب بالعسل أكثر مما تفعل بالخل. لكن الحقيقة أن الذباب ينجذب إلى القذارة أسرع."

ثم حشر المنديل في فم غاريث.

.................................

....................

........

في النهاية اتمنى تكونوا استمتعتوا بالفصل

واتمنى لو في خطا في الترجمة توضحولي في التعليقات واتمنى تشجعوني وتدعموني عشان اكمل القصه

⚡ANORAK

2025/09/05 · 29 مشاهدة · 1126 كلمة
ANORAK
نادي الروايات - 2026