سماء صافية، وشمس مشرقة، ونسيم دافئ.
جو متناقض مع أجواء الجنازة.
داخل المقبرة وقف شاب ورجل وحيدين يحدقان في التراب وهو يغطي الكفن الأبيض بتعبير فارغ.
وقبل أن يدرك كلاهما كان كل شيء قد انتهى والشمس قد غربت، فاستيقظ الرجل أولاً ونظر حوله قبل أن يتنهد.
متردداً نطق بهدوء وهو ينظر إلى ابنه الأكبر مصارحاً إياه:
"حالة والدتك تسوء".
استيقظ الشاب من غفلته عندما سمع ذلك ونظر إلى والده الذي عاد للنظر إلى القبر بينما يتابع الكلام:
"قال الأطباء إن الصدمة سببت لها مضاعفات خطيرة وجب لها أن تنتقل لمشفى أفضل من أجل العلاج.. "
توقف الرجل وعادت نظرته إلى الابن ولم يكمل، فقد كان الطرف الآخر يعرف الباقي.
"لذا.. أخطط للسفر".
بدون رد من ابنه، تابع الأب حديثه:
"سوف أبحث عن مستشفى أفضل لتتعالج فيه".
"هل.." أراد الشاب السؤال لكن لم يتمكن من ذلك.
فنزلت يد لتربت على رأسه: "أنا آسف لكن لا أريد أن أخسرها أيضاً".
"لا أريد ذلك أيضاً" توقف الشاب وسأل: "هل هناك ما أستطيع فعله؟"
"عش... هذا كل ما أريده منك".
شهقة.
فتح راي عينيه.
ارتفع صدره وانقبض، وهو يحاول أن يستوعب الوضع.
تحركت يده بلا وعي وذهبت إلى أماكن الجروح.
الدماء... قد صبغت جسده العاري.
لكن لا جروح.
ارتخت اليد على الجسد وتحركت العيون مع أنفاسه المضطربة لفحص المكان.
غرف... زنزانات ترابية بقضبان حديدية.
نفس المشهد لم يتغير.
"مازلت... على قيد الحياة".
"كيف؟" سأل.
"لماذا؟" أعاد السؤال.
تردد صدى أنفاس مضطربة لوقت طويل داخل هذا الصمت القامع، ثم كسر الصمت صوت زفير، وتحول الزفير إلى قهقهة.
"أههه"
"هاهاها... هاهاهاهاهاهااا"
"هاهاهاهاهاههاهاهاهاههاهاهاهاهاه"
ضحك.. وتعالى صوت الضحك في الأرجاء.
بينما حدقت عيون راي باضطراب باحثة عن المصدر.
عيونه الذهبية أشرقت بخوف محاولة إمساك آخر ذرة من عقلانية داخله.
ثم وجده.
حرك يده ولمس فمه مرتبكاً.
كان يضحك.
جسده بالكامل يرتجف لكن... يضحك.
أنفاسه تكاد تنقطع لكن كان لا يزال يضحي بكل ذرة من هواء داخله فقط ليضحك.
فنزل صوت من السماء كأمر لا جدال فيه:
{[اخرس]}
«انفجار»
تبع الصوت صخرة خضراء، لزجة ويملؤها اللعاب، وتوقفت أمام عيون راي.
"ههههه.. هههه"
"هاهاها.. هاهاهاها"
واستمر الضحك حتى لحظة انفجارها.
ليعد الصمت الذي يناسب هذا المكان.
في هذه الأثناء، الطابق الأول.
مع ارتفاع الفأس لم ينزل.
توقف جميع المتعفنين مكانهم ورفعوا عيونهم نحو السقف.
عدد الأنفاق السوداء التي ظهرت فجأة كانت تغطي السقف من كل مكان.
ثم صوت قادم.
مشوش في البداية لكنه سرعان ما أصبح واضحاً:
«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»«نيمو»
سيل مثل الشلال من كرات الفرو السوداء تتدفق من كل نفق.
تعبيرهم كان واضحاً أنه شيء من الحماسة والإثارة والاستمتاع بالسقوط.
ثم وقعوا الواحد تلو الآخر على الأرض.
وتنططوا على الأرض مبتسمين قبل أن تضرب رائحة العفن الثقيلة حواسهم فيتغير تعبيرهم على الفور إلى النفور والاشمئزاز.
نظروا حولهم وأرادوا الخروج من هذا المكان فوراً، لكن كانوا محاصرين من كل مكان.
ولحظة إدراك أنهم محاصرون غيرت كل شيء.
تحول النفور إلى غضب.
وتحول فروهم الأسود إلى أحمر.
وهاجموا في نفس الوقت كل من أمامهم.
قفز الأول نحو رأس أقرب متعفن، فتفاعل المتعفن بسرعة وجمده في الجو وبدأ فأسه بالتحرك للهجوم، لكن قفزت كرة فرو أخرى، فتحت فمها وأخذت رأسه بالكامل في قضمة واحدة.
في نفس اللحظة قفز مزيد ومزيد من كرات الفرو والتهموا قطعة من جسده.
تكرر نفس المشهد.
بعض المتعفنين تمكنوا من إصابة كرات الفرو لكن لا يزال العدد طاغياً بينما يتدفق المزيد من الأنفاق السوداء.
وفي قلب هذه الفوضى، اشتعل جسد الذئب الصغير وظل يركض ويتفادى ويتجنب الهجمات حتى وصل إلى الحافة.
توقف هناك واستدار لينكشف أمامه المشهد.
هجمات المتعفنين أصبحت أقوى وأكثر حدة واستخدموا نوعاً من الطاقة الذي قطع ومزق كل شيء في طريقهم.
كانت تحركات البعض لا تتناسب مع أجسادهم، لكن في دقائق قليلة تحولت الفوضى إلى صمت.
فقط كرات الفرو هي التي ظلت تقفز في المكان.
لكن لا تزال غاضبة.
والذئب هو المخلوق الوحيد المتبقي والذي لا ينتمي لعرقهم.
لكن لا أحد نظر له.
حركة... جذبت انتباه كرات الفرو.
صخرة انفجرت دون أي سبب.
وارتفع الغبار ليشكل جسداً بشرياً.
جسد ملفوف من كل مكان بما يشبه الضمادات.
واشتعلت العيون بضوء أبيض سرعان ما تحول إلى الأحمر.
وتكرر الأمر حول كرات الفرو.
كيانات جديدة من الفراغ ظهرت ثم مدت يدها وسحبت فأساً من الفراغ ودون تردد هاجمت.
تفاعلت كرات الفرو لكن هجوماً واحداً شق الحشد مثل البحر إلى نصفين ودوت سلسلة انفجارات في المكان.
ومن الانفجارات ظهر المزيد من كرات الفرو لتستمر بالهجوم.
خوفاً ورعباً تراجع الذئب الصغير أكثر، لكن قدمه لم تلمس الجدار خلفه.
نظر الذئب الصغير خلفه فوجد نفقاً أسود قد ظهر دون سابق إنذار.
ودون تردد استدار وركض بداخله بينما استمر القتال خلفه.
وانطفأ اللهب حول جسده لتظهر علامات التعب على الفرو.
لكن سرعان ما ظهر الضوء من جانب آخر فتسارعت خطاه حتى خرج إلى كهف جديد.
نفق من الأحجار المضيئة بلون سماوي.
تباطأت خطى الذئب وحدق في المكان مسحوراً.
ثم توقف.
فمن بين الصخور قفزت مخلوقات.
مخلوق يشبه القطة بعيون كبيرة وآذان أكبر.
أمالت رأسها تحدق في الذئب ثم قفز أحدهما محلقاً بأجنحته لينزل قربه ويبدأ بالدوران حوله كما لو أنه يحاول فحصه.
توقف الذئب مكانه ورفع أحد ذراعيه متردداً في التقدم أو التراجع، فتوقف المخلوق عن الدوران حوله وغير انتباهه نحو مكان آخر ليرفع أنفه الصغير ويحاول أن يلتقط الرائحة.
ثم دون اهتمام بالذئب قفز فظهرت ستة أجنحة خلف ظهره وحلق نحو مصدر تلك الرائحة.
في هذه الأثناء.
من ظلام إلى ضوء.
فتح راي عينيه وسط الضباب.
لم يتحرك لساعات منذ أن استيقظ.
ولم تكن هناك أي فكرة تدور في عقله.
كان الصمت كافياً داخلياً وحوله.
حتى بدأ شيء ما يوقظه.
'لا.... أشعر بشيء'
زفر راي وهو يجلس:
"وأيضاً.. هذه الذكريات"
لماذا الآن؟
حدق راي بيده المرتجفة وضاقت عينه.
'وماذا الآن؟'
أشعر أن جسدي يكاد ينفجر غضباً.
لكن لا أشعر بالغضب.
أتذكر كل شيء... ولسبب ما أنا هادئ.
"كيف أكون هادئاً بعد كل هذا؟"
هل أنا غاضب لهذا السبب؟
لسبب ما... لم أعد أهتم.
"سحقاً"
استلقى راي وتمتم:
"فلينتهِ هذا الجحيم فقط".
«سكويت»
حرك راي رأسه جانباً بهدوء دون انفعال فوجد فأراً برأسين يحدق به.
تنهد متسائلاً: "ماذا الآن؟"
فأر رمادي؟
تفاعل الفأر مع الصوت فخاف وهرب بعيداً.
تابعت عيون راي الذهبية جسد الفأر وهو يركض حتى اختفى بالضباب، ثم حول عينه بلا مبالاة يحدق في السماء..
لا شيء مميز عدا الضباب.
فسأل نفسه: "تلك الذكريات".
صمت ولم يكمل.
ثم جلس واستند على كفه وحدق في الضباب بعيون فارغة: "من المضحك المبكي كيف يعاملني هذا المكان".
"ماذا فعلت لأستحق هذا؟"
_________
نهاية الفصل
_________
[على ماذا تحصل اذا قرأت اسم هذا كائن بعكس؟]