غلف ضوء أزرق الهرم المقلوب، ثم بدأ يدور ببطء حول نفسه وفوق الغطاء.

​دورة واحدة.

​ثم أخرى.

​وفجأة اندفعت منه كرتان صغيرتان من الضوء الأزرق قبل أن يخفت بريقه ويسقط فوق الغطاء من جديد.

​طافت الكرتان في الهواء لثوانٍ، ثم تشكلتا تدريجياً إلى قارورتين زجاجيتين استقرتا بجانب راي.

​ألقى راي عليهما نظرة متفحصة قبل أن يمد يده بصعوبة ويلتقط القارورة الأولى.

​كانت تحتوي على سائل أخضر شفاف.

​أجبر نفسه على الجلوس ثم نزع السدادة وشربها دفعة واحدة.

​وما إن انزلقت الجرعة إلى حلقه حتى انتشر داخله شعور دافئ، أشبه بنسمة ربيع هادئة تسري عبر أطرافه المتعبة.

​تنفس بارتياح وأعاد القارورة الفارغة إلى جانبه، ثم التقط الثانية.

​رفعها أمام عينيه وتأمل السائل الأسود بداخلها.

​"أسود؟"

​عندما أفكر بالأمر... منذ متى بدأت أشرب أي شيء تعطيني إياه دون تردد؟

​"يبدو كسم أقرب منه إلى الدواء."

​[تلك جرعة تعزيز. سوف تعيد بعض القوة إلى عضلاتك حتى تتمكن من ممارسة حياتك اليومية بصورة طبيعية.]

​توقفت أرثيل قليلاً قبل أن تتابع:

​[أما اللون الأسود فيعود إلى عشبة نادرة، أشك أنك ستتعرف عليها حتى لو أخبرتك باسمها.]

​ابتسم راي ابتسامة باهتة. ​"كنتِ ستوفرين وقتاً أكثر لو أخبرتني بالاسم فقط."

​ فتح راي القارورة وشرب محتواها.

​وفور أن لامس السائل لسانه تجعد وجهه.

​على عكس الجرعة الأولى ذات المذاق الخفيف والحلو، كان طعم هذه أقرب إلى دواء مرّ تم غليه أكثر مما ينبغي.

​"أنا حقاً لا أحبها." ​علق بهدوء وهو ينهي آخر قطرة.

​في البداية لم يشعر بأي شيء.

​انتظر.

​ثم عبس فجأة.

​شعور غريب بدأ يتصاعد من عموده الفقري، كحرارة خافتة تتحرك ببطء داخل النخاع الشوكي نفسه.

​اتسعت عيناه قليلاً وهو يتابع الإحساس ينتشر.

​من ظهره.

​إلى كتفيه.

​إلى ذراعيه وساقيه.

​حتى أحاط بجسده بالكامل.

​ثم صعقة من ألم جعلت جسد راي ينفض من مكانه.

​عبس متحملاً دون إصدار صوت وهو يراقب ذلك الشعور الذي يجد صعوبة في السير داخل عروقه، فأغلق عينيه وتنفس، وظل يتنفس حتى بدا أن السائل قد غلف جسده.

​ثم سعل بقوة مطلقاً زفيراً مكتوماً وبدأ تنفسه يستقر بينما يشعر أن جسده قد أصبح أثقل مما كان عليه.

ف​تنهد قبل أن يحاول دفع جسده الهزيل للجلوس، فاندفع جسده بسهولة وجلس، وبقيت عينا راي مفتوحتين قبل أن ينظر لظهر كفه الذي توقف عن الارتجاف.

​"هذا... سخيف."

​[تأثيرها جيد، لكن قدرة جسدك على هضمها بهذه السرعة مذهلة حتى بالمعايير التي وضعها سيدي للبشر.]

​"هل هذا مديح؟" ابتسم راي ثم توقف وسأل: "أليس السبب هو نقاء جسدي من السموم والفضلات بعد الانفجار الذي تعرضت له في الطابق الثاني؟"

​[ذلك له علاقة بسرعة انتشار الجرعة في جسدك، أما هضمها فهذا يعود غالباً لبنيتك الجسدية، فيمكنك أن تقول إنها موهبة. بالنسبة لشخص من عائلة ملكية فهذا شيء عادي، لكن من الغريب أنك ضعيف لهذه الدرجة.]

​"على أي حال، يمكنني الحركة الآن بسهولة."

​[لا تسعد كثيراً، فطالما ترفض فصل الرابط بينك وبين الطفل سوف تظل قريباً من الموت.]

​أومأ راي ثم عبس ولمس صدره من جديد: "هذا الشعور من جديد، دعنا نتفقد ما يكون أولاً."

​لم يكن هناك رد، لكن الصمت كان إجابة أيضاً.

​فدفع راي نفسه وجلس على حافة السرير، ثم حاول الوقوف ولم يجد مشكلة كبيرة في ذلك.

​ابتسم وشد قبضته عدة مرات قبل أن ينظر ناحية خزانة الملابس فقام من مكانه متوجهاً إليها، لكن ما إن فتح الخزانة حتى أغلقها متنهداً.

​لقد كانت فارغة.

​من أجل تجنب أن تتضرر ببرودة الشتاء الأسود قام الخدم بإزالتها قبل العام الجديد ولم يتم إعادتها حتى الآن.

​تنهد راي وعدل ملابسه قبل أن يتوجه إلى الخروج، وما إن دفع الباب حتى انتفض الحراس متفاجئين قبل أن يلقوا التحية بسرعة.

​نظر لهم راي للحظة ثم استمر في طريقه.

​سار في ممر طويل، وكلما سار قليلاً وجد بعض الخدم، فتحرك بعضهم بسرعة إلى جانب المسار وانحنوا وانتظروا مروره، بينما أخذ البعض لحظة للتعرف عليه قبل أن يعتذروا وينتقلوا لجانب الممر.

​وسار راي بهدوء مركزاً كل انتباهه على حركة جسده ليخفي أي ضعف حتى وصل إلى هدفه.

​باب مزخرف بنقوش ذهبية.

​"مر وقت طويل منذ زرت هذا المكان."

غرفة الكنوز الأمبراطورية.

​[مثير للاهتمام.]

​"ما هو؟" سأل راي بينما يدفع الباب ويدخل.

​[الشخص الذي بنى هذه مصفوفة، هل كان حاملاً لسلطة المفتاح؟]

​"إن كنتِ تتحدثين عن الطاقة الغامضة فنعم... إنه الإمبراطور الأول." نظر راي حوله بينما يغلق الباب خلفه وسار مباشرة نحو الغرفة الثانية من غرفة الكنوز.

​[هل كان عالماً؟]

​"لا... كان مقاتلاً حسب الروايات."

​[يا لها من مضيعة لموهبته، أن يتمكن من فهم السلطة وربطها بمصفوفة بسيطة مثل هذه بحيث لا يتمكن أي مخلوق لا يملك سلطة أعلى من سلطة المفتاح ولا يملك سلالة دمه، تنم عن أنه كان لديه إمكانيات عالية في مجال تحليل ما وراء الطبيعة.]

​"وما هذا؟" فتح راي باب الغرفة الثانية وهو يسأل.

​[علم مخصص لدراسة قيود العالم.]

​"من هنا يأتي النداء." توقفت أسئلة راي مقاطعاً وهو ينظر إلى الخزائن وأشار: "على أية حال، لم يكتشف الإمبراطور الأول الكثير عن المفتاح، كل ما تمكن من فعله هو ربطه بسلالته وعرشه بطريقة ما، وعدا ذلك كان جميع الأباطرة يظنونها طاقة عديمة الفائدة."

​[ذلك مفهوم لأن ما تحمله ليس سوى جزء صغير من السلطة.]

​"حقاً؟"

​[أمامك.]

​نظر راي أمامه متوقفاً، ولمع ضوء ذهبي بعيداً عن الخزائن فعبس وتوقف عن الكلام وأسرع إلى المنطقة حيث يتم تخزين آثار الأباطرة السابقين.

​نظر إلى رمح قريب وعبس.

​لم يكن هذا الرمح موجوداً من قبل.

​وكان بالتأكيد أثر والده الذي هرب، لكن... هل عاد الأثر؟

​رغم ذلك لم يكن لهذا أي أهمية، أخذ راي نظرة واحدة فقط إلى الرمح الأزرق المزخرف بشكل مبالغ به، ثم حول نظره إلى مصدر الضوء وسبب قدومه إلى هذا المكان.

​كتاب ذهبي يطفو مفتوحاً في مكان قريب.

​[هل تعلم لمن هذا الأثر؟]

​أومأ راي بهدوء: "إنه أثر الإمبراطور السابع."

{موسوعة الحكيم المنسي}

​سار راي بهدوء إلى الكتاب، فخف الضوء الذهبي وكذلك الشعور في صدره، ثم نظر إلى صفحة الكتاب وعبس وهو يرى كلمات منقوشة بلغة إمبراطورية.

​«هذه وصية الإمبراطور السابع، متروكة لمن يحمل دمي ويقود العرش من بعدي.»

​توقفت عينا راي عند الكلمات المشعة ببريق خافت. وبدأ نص الوثيقة برسمية يتحدث عن إنجازات الأباطرة من الأول إلى السادس بشكل موجز، فتنهد راي وحمل الكتاب وواصل القراءة بهدوء بعد أن جلس على الأرض.

​ثم حدث تحول.

​بدأت الوثيقة تتحدث عن الإمبراطور السابع، عن إنجازاته وأحياناً زوجته وأحياناً أشخاص عشوائيين.

​"بجدية؟"

​[يا له من شخص يحب التفاخر بنفسه.]

​عبس راي وتخطى بعض الصفحات حتى تمكن من إيجاد جوهر الموضوع.

​«رغم ذلك.. العديد مما حققته يعود لهذا الأثر، فرغم أنني لا أعلم كيف يعمل إلا أنه مرتبط بمن يملك سلطة قيادة، ورغم أنه أثر داعم للحكم إلا أنه مفيد بأكثر من طريقة، خصوصاً الجواهر التي يمنحها كل مرة.»

​«لذلك عزمت أن ينتقل هذا الأثر إلى الشخص الذي يؤثر على الإمبراطورية، فإن لم يكن هناك أي تغيير لن يستجيب الأثر ولن تظهر الوصية، وهذا الشرط الوحيد الذي وضعته على أثري على عكس باقي أجدادي.»

​«لذلك بما أنك تمسكه فهذا يعني أنك قررت قراراً أثر على الإمبراطورية، وليس لدي ما أقوله، الأثر لك فأحسن استخدامه، ففي اليوم الذي حصلت عليه كنت...»

​"بدأ قصة حياته من جديد."

​[باختصار، لقد منحك أثراً خاصاً به؟]

​"هذا ليس دقيقا" أغلق راي الكتاب وأجاب: "تقوم هذه العائلة بنقل آثارها كإرث للملك الذي يأتي بعدها، وبسبب ذلك لا يسمح لنا بالحصول على أكثر من أثر من تلك الخزانات."

​أشار راي وتابع: "لكن كل إمبراطور قبل أن يموت يترك شرطاً خاصاً على أثر خاص به، فلا يتمكن الإمبراطور الذي بعده من الحصول عليه إلا بعد تحقيق الشرط، ويبدو أن شرط هذا الكتاب هو إحداث تغيير في الإمبراطورية."

​[فهمت.]

​"لكن الإمبراطور الأول استثناء لهذه القاعدة،" أشار راي وأعاد فتح الكتاب: "سيف الفتح الخاص بالإمبراطور الأول هو سيف روحي، لذلك ليس هناك شروط من أجل استخدامه، لكن إن لم يعترف السيف بك فلن تتمكن حتى من التلويح به، ورغم عدم تسجيل التاريخ لأي إمبراطور بعد الإمبراطور الأول تمكن من الحصول على اعترافه، إلا أن جميعهم تمكنوا من استخدامه لتنشيط مصفوفة الإمبراطورية."

​[وهل ظهرت فائدة لكل هذه القيود؟ فبعد مساعدتك في أيام سابقة لاحظت أن هذه الإمبراطورية كانت بالفعل تتوجه نحو التفكك.]

​"أنا أعتقد أنه لولا هذه القيود لكانت الإمبراطورية قد اختفت... لكن" توقف راي عابساً عند الصفحة الأولى من الكتاب حيث اختفى عنوان أنها وصية وحل محله عنوان آخر.

​«نظام الأركان السبعة»

​"؟؟؟"

___________

نهاية الفصل

___________

2026/06/08 · 14 مشاهدة · 1294 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026