​خطوة... وصوت ضرب الماء يتردد في أرجاء أنفاق المجاري..

​"سحقًا... سحقًا... سحقًا!"

​ركض سون داخل الممرات، وصوت أنفاسه اللاهثة يضرب جدران الحجر الرطب من حوله. كانت قدماه تنزلقان أحيانًا فوق الماء المتجمع، لكنه لم يتوقف؛ كان يركض كمن يهرب من ظله.

​لم يتوقف حتى وصل إلى الفتحة القديمة، ذات المكان حيث التقى بالثعلب سابقًا.

​توقف هناك لثوانٍ، وصدره يعلو ويهبط بعنف، قبل أن يلتفت بحذر وسرعة خلفه.

​لا أحد. الظلام وحده كان يلاحقه.

​بأصابع مرتجفة دفع الحجر الثقيل الذي يغطي المدخل، ثم أعاده إلى مكانه بإحكام، كأنه يحاول إغلاق العالم كله خلفه، وعزل نفسه.

​ثم تراجع خطوتين.

​ثم خطوة أخرى...

​حتى لامس ظهره الجدار البارد.

​"لقد نجحت... هربت،" ابتلع ريقه بصعوبة، محاولاً التقاط شتات نفسه. "لن يطاردني الحراس… مع هذه الفوضى العارمة لن يكون لديهم وقت لذلك."

​حاول أن يثبت الفكرة في رأسه، لكن صدى الجملة في جوفه بدا أضعف وأوهن مما يجب.

​"ثلاث مرات… اهتزت الأرض ثلاث مرات." أومأ لنفسه وكأنه يجبر عقله على التصديق بالقوة. "هذا يعني أن كل شيء الآن في فوضى عارمة… هذا طبيعي… لن يطاردني الحراس، لن يكون لديهم وقت لذلك!"

​"وحتى إن فعلوا فهذا ليس خطئي... هذا كله خطؤه!" شد سون قبضته وضرب بها الجدار بقوة: "لو لم يكن يتصرف هكذا… لما وصل الأمر إلى هذا الحد! كان عليه أن يستمع لي! لماذا كان يهينني؟ لماذا استمر في مضايقتي كلما التقينا؟ لماذا حاول خيانتي والانضمام لمنظمة أخرى؟"

​تراجع سون خطوة أخرى وسقط على الأرض مرتجفًا: "هذا كله خطؤه، لو أنه استمع لي لما وصل الأمر لهذا الحد!"

​مسح سون دموعه ورفع عينيه ثم تحرك بسرعة ليبتعد عن المدخل، وليس بعيدًا كانت هناك مجموعة من الحقائب تنتظره.

​دون تردد أخذ سون فانوسًا وأشعل الفتيل بيد مرتجفة وهو يكرر نفس الشيء لنفسه: "لقد فعلت ما علي فعله."

​يردد ويردد حتى اشتعل الفتيل، فابتسم دون وعي قبل أن تتحرك يده بسرعة ويفتح الحقائب التي نقلها خلال الأيام السابقة بعد لقائه بالثعلب.

​هناك كان كل شيء موجودًا في مكانه.

​طعام، ماء، ذهب، والعديد من المجوهرات؛ كل ما قام بنقله إلى هذا المكان السري كان آمناً، وخطة البقاء هنا حتى نهاية الشتاء الأسود لا يمكن أن تفشل. ولكن، رغم كل هذا الأمان، لم يتوقف جسد سون عن الارتجاف، وسقط جسده مستسلمًا للتعب على الأرض.

​فنظر نحو السقف وغطى عينيه وبكى بهدوء وهو ينادي، وصورة شخص يبتسم له تتشكل في ذهنه ليطرح سؤالاً بصوت مرتجف: "أيها القائد.. ما الذي علي فعله الآن؟"

​سؤال دون مجيب.

​وبينما كان سون يقضي أيامه التالية في عزلة وهدوء داخل مخبئه، استمرت الفوضى في الخارج بالتصاعد يومًا بعد يوم، حتى بدا وكأن العالم يعلن عن نهايته ويحاول إعادة تشكيل نفسه من جديد.

​ثم، ببطء شديد، بدأت الاضطرابات بالانحسار خلال الأيام الخمسة الأخيرة من الشهر الأول من العام الجديد.

​وبعد ثلاثة أيام من الشهر الثاني، كانت العواصف قد خفت حدتها وهدأت، واختفى المطر الأسود منذ أيام، وأصبحت الغيوم الثقيلة أخف وطأة، بينما بدأ الثلج يتساقط بهدوء ناصع كأنه يستعيد نظامه القديم.

​وفي صباح اليوم الخامس من الشهر الثاني، تم تنشيط الرون الخاص على الأجراس، لتعلن كل مدينة بشكل متتالٍ عن نهاية “الشتاء الأسود”.

​استمع الجميع للصوت في صمت مهيب… ثم تنفّس كل شخص بطريقة مختلفة، كأن جبلًا ثقيلًا قد انزاح عن صدر هذا العالم أخيرًا.

​وفي هذه الأثناء، داخل مكتب الإمبراطور تحت القلعة...

​توقفت يد راي الشاحبة عن الكتابة، وبعيون ذابلة أرهقها السهر رفع رأسه وهو يستمع لأصوات الأجراس المتناغمة، فتنهدت مورغانا بجانبه وأشارت له: "يبدو أن المانا عادت لمستواها الطبيعي في الأعلى، مما أدى إلى تنشيط الأجراس".

​[إذاً ما يسمى الشتاء الأسود قد انتهى]

​"إذن سوف نخرج." ابتسم راي وتنهد بعمق قبل أن يترك القلم من يده، ويحدق في الوثيقة التي أمامه بهدوء: "أتساءل إن كان... "

​توقف راي فجأة، وأمسك صدره على الفور وعقد حاجبيه مستغربًا.

​[هل أنت بخير؟]

​'هذا الشعور...'

​ضاقت عينا راي وحدق بصمت متأملاً ذلك الشعور الفريد، لم يكن مؤلمًا بل بشكل أدق بدا دافئًا لكنه اختفى فجأة بنفس السرعة التي ظهر بها، فنظر راي إلى ري وأومأ برأسه مجيبًا: "أنا بخير، ابدأ الاستعدادات من أجل الصعود."

​أومأ ري بطاعة، ثم نقل الأمر إلى أكيرا ليهتم بذلك، وخلال ساعات قليلة فقط انتهت الاستعدادات داخل الملاجئ، وفُتحت الأبواب الضخمة، وخرج الحراس لكسر الجليد المتراكم الذي يغلق المداخل.

​وفي مدينة الكوثر، ابتسم رودس وهو ينظر إلى المدينة التي غطاها الثلج، وتنهد بارتياح عميق: "نجونا لعام آخر".

​أومأ نائبه من خلفه متأملاً السماء، ورغم أن تساقط الثلج لا يزال مستمرًا إلا أن الجو كان يميل إلى الدفء، فأشار للحراس بالخروج، وبدأ الناس من بعدهم يتدفقون تدريجيًا، يعيدون للمدينة نبضها الدافئ. بينما كانت الوحوش في جحورها ما تزال تغط في سبات عميق.

​وبينما تعود الابتسامات للمدن التي نجت، كان الدمار الذي حل ببعض المدن مرعبًا، واختفت بعضها تحت الجليد، بينما لم تسلم المدن الناجية من آثار هذا الرعب أيضًا: فخارج الأسوار كانت السهام وبقايا جثث الوحوش المتجمدة والمشوهة تنتشر بكثرة، لتصبح تلك البقع المشوهة من الأرض دليلاً صارخًا على أن العام لم يبدأ بسلام.

​وفي هذه الأثناء، وبعد الخروج من الملجأ، أمسكت مورغانا راي من كم ملابسه، وطلبت منه بنبرة هادئة أن يحصل على بعض الراحة حتى يتم نقل جميع الأوراق إلى المكتب وتنظيف القلعة.

​"من فضلك."

​"لا بأس، كنت أخطط لذلك بالفعل." ابتسم راي وربت بلطف على رأس مورغانا: "في هذه الأثناء، هل يمكنني أن أطلب منكِ الاعتناء بـ 'ريو'؟"

​"بالتأكيد."

​أومأ راي برأسه راضيًا، ثم أمر ري أن يهتم ببقية الأمور قبل أن يذهب ليأخذ قسطًا من الراحة، وسار ببطء نحو غرفته بعد أن تحول جسده إلى ما يشبه جثة متحركة متقطعة الأنفاس.

​فتنهدت مورغانا بارتياح وهي تنظر إلى ظهر راي قبل أن تنظر إلى ري، فأشار لها ري بإبهامه مادحًا، فعبست وأمرته بانزعاج: "اذهب لمساعدته أيها الأحمق."

​[صحيح] متذكراً، ركض ري بسرعة خلف راي لمساعدته في الوصول إلى الغرفة بعد أن اعتذر.

​ومرت الأيام...

​بعد أن اختار الاسترخاء قليلاً في غرفته، لم يتمكن راي من الاستيقاظ خلال اليومين التاليين، ولم يقم أحد بإزعاجه أو إيقاظه. وفي ليلة صباح اليوم الثالث، فتح راي عينيه وأمسك رأسه محاولاً تخفيف الصداع.

​ثم نظر إلى السقف الفسيح فوقه قبل أن يبتسم بمرارة: "يا له من سقف مألوف".

​تنهد راي ودفع جسده المنهك للجلوس، فارتجفت يده من شدة ضعفها، لكنه استمر في إجبار نفسه على الجلوس محدقاً في الظلام أمامه: "لقد مر وقت طويل".

​"جلالتك." ظهر الظل راكعًا من عدم، وتابع بنبرة هادئة: "يسرنا أن نعود لخدمتك بعد هذا الشهر الذي غبنا فيه".

​"لا بأس... " توقف راي وأمسك صدره عابسًا، قبل أن يعيد نظرته إلى الظل ويتنهد: "لقد جهزت العديد من الأعمال لكم خلال هذا الشهر السابق، وقريبًا سوف تصبح منظمتكم مشغولة جدًا، لذلك أخبروا القيادة الخاصة بكم بالاستعداد لذلك".

​"أمرك."

​"وأيضًا..." توقف راي وأدار كف يده فظهر وسم الهرم المقلوب، فأغلق عينيه قليلاً مرسلاً رسالة إلى أرثيل، فخرج ضوء ذهبي من الهرم وتجسد ذلك الضوء في جرعة ذهبية سقطت فوق الغطاء.

​أخذ راي القنينة ورماها ناحية الظل، فأمسكها الظل ونظر إلى راي مستغربًا، فتكلم راي: "أريد منك أن تعثر لي على شخص قادر على اكتشاف المواد التي صُنعت منها هذه الجرعة".

​"هل هذا أمر موجه؟"

​"لا، فقط جد من يستطيع تحديد مكونات الجرعة."

​"تحت أمرك."

​"جيد، يمكنك الذهاب." لوح راي بيده فاختفى الظل بعد انحناءة خفيفة، وتنهد راي بارتياح ثم رفع عينيه ونظر إلى الهرم المقلوب الذي يطفو أمامه قبل أن يضعه جانباً ويعود للاستلقاء على السرير.

​"أنا حقاً متعب،" زفر راي بهدوء ووضع يده على صدره.

​[ألا تسمع النداء؟]

​"أرثيل؟" كسر صوت خفيف داخل رأس راي هدوء المكان، فتنهد قبل أن يسأل:

​[هل تسمع النداء؟]

​"هل تقصدين هذا؟" لمس راي صدره مشيراً وتنهد: "حسناً... أنا فقط لا أريد الاستجابة".

​[لماذا؟] سألت أرثيل مستنكرة: [من الواضح أن الطرف الآخر مصرّ على قدومك]

​"الأهم من ذلك... منذ متى تستطيعين التواصل معي مباشرة داخل عقلي؟ أليس هذا مريبًا؟ كنت أستمتع بهدوء الغرفة قبل قليل".

​[لقد كنت أفعل ذلك منذ لحظة لقائنا، أم أنك تعتقد أن ما كنت تنظر إليه سابقاً هو جسدي الحقيقي؟]

​"وهل لديكِ جسد أصلاً؟"

​[احتفظ بسخريتك لنفسك، الأهم من ذلك أنك سلمت الجرعة إلى ذلك الشخص بينما لم تتناول واحدة بنفسك لمدة يومين! هل تريد الموت أم ماذا؟]

​"هذا مخيف... " ابتسم راي ثم عبس مدركًا: "يومان؟"

​[تلك المدة التي نمت بها، بالطبع كان يمكنك حتى أن تنام أكثر، فقد بالغت كثيرًا في الضغط على جسدك خلال الأيام السابقة، حتى بالنسبة لمعايير البشر]

​"وما هي معايير البشر هذه؟" تنهد راي ثم ابتسم بضعف: "على أي حال دعيني لوحدي حالياً".

​[لا فائدة من بقائك وحدك، من الأفضل أن تبدأ بتحريك جسدك المتصلب قبل أن تصاب ببعض الأمراض]

​"أفضل أن أستلقي وأتأمل الماضي وأتنهد، فلا رغبة لي بشيء حالياً."

​[كم عمرك؟]

​"سؤال غريب،" توقف راي للحظة ثم أجاب: "نوعاً ما".

​[أليس لديك الكثير من العمل لتجلس هنا وتتأمل الماضي؟]

​"بجدية، حتى المنبه أقل إزعاجاً منكِ، لقد استيقظت للتو وتريدين مني أن أنهض،" تنهد راي وحاول دفع نفسه للجلوس لكن يده لم تستطع دفعه: "عظيم!"

​[ولا يمكنك حتى الحركة]

​"شكراً على المعلومة."

​[سوف أمنحك الجرعة المعتادة وجرعة خاصة لتنشيط جسدك حتى تتمكن من التحرك من جديد، قم بإعطاء إذن إخراج عناصر من الهرم المقلوب]

​"حاضر حاضر،" تنهد راي متعباً وأغلق عينيه فطاف الهرم فوق الغطاء...

____________

نهاية الفصل

____________

2026/06/06 · 12 مشاهدة · 1442 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026