133 - [الشتاء الأسود (الملجأ ج2)]

​بصق يور جانبًا، والتفت هو الآخر ليسلك طريقًا مغايرًا عبر الأنفاق المظلمة، وسرعان ما عاد لمنطقة آمنة من المجاري حيث يقيم من ليس لديه مكان في الملجأ.

​ومن هناك كان من السهل العودة لمنطقته الخاصة داخل الملجأ دون لفت انتباه الحراس.

​وعاد الهدوء يخيم على الملجأ.

​يومين لم يتحدث الاثنان كثيرًا بينما استمر العمل كالمعتاد، واستمرت الحبوب بالانتقال من يد إلى أخرى حتى نفدت الكمية.

​وليلة اليوم الثالث بعد النزاع الذي دار بين سون ويور، وبينما لا تزال الثلوج تتساقط فوق المدينة المدفونة، شق سون طريقه عبر أنفاق المجاري من جديد.

​سار بحذر بين الممرات الرطبة، متجاوزًا عدة تفرعات قبل أن يصل إلى جزء منهار من النفق وتوقف هناك لحظة قبل أن يلقي نظرة خلفه.

​لا أحد.

​ابتلع ريقه، ثم انحنى ودفع حجرًا ببطء كاشفًا عن فتحة ضيقة مظلمة، ثم أطفأ المصباح الذي يحمله، وزحف داخل الممر السري حتى خرج إلى الجانب الآخر.

​نهض ونفض الغبار عن ثيابه، ثم وقف صامتًا ينتظر.

​مرت عدة دقائق دون أن يحدث شيء.

​ثم خرج صوت من أعماق الظلام: "أعتذر عن التأخر... سون."

​تفاجأ سون ونظر خلفه قبل أن يتنهد بارتياح: "أيها الثعلب أليس لديك طريقة أفضل من أجل الظهور؟"

​"سوف أفكر بالأمر" أومأ الثعلب ثم وضع حقيبة على الأرض وسأل: "هنا 400 حبة، أخبر يور أن الكمية نفدت ولا نستطيع توفير المزيد هذا الشهر".

​"هذا ليس ما اتفقنا عليه" عبس سون ينظر إلى الحقيبة.

​خرج الثعلب من الظلام خطوة إضافية، فظهرت ملامحه المشوهة وقناع جلدي رخيص يغطي نصف وجهه السفلي، وقال بنبرة باردة وساخرة كفحيح الأفاعي:

​"الاتفاقات تتغير عندما تتغير الظروف... سون" توقف الثعلب للحظة ثم تابع: "على كل حال، أخبر يور، الكمية التي معنا قد نفدت وسوف نحتاج لبعض الوقت قبل أن يستجيب المصدر، لكن حتى لو استجاب فإن استعمال مخطوطات الانتقال من أجل الحضور إلى العاصمة سوف يكون غير ممكن عندما تبدأ العواصف في الخارج".

​"لذلك أخبره بأن يحاول التركيز على عملائنا الأهم فقط".

​تنهد سون ثم أومأ ببطء، والتقط الحقيبة المخملية من على الأرض، وضمها إلى صدره ثم نظر إلى الثعلب بسؤال: "حسنًا، لقد تركت المال في نفس المكان المتفق عليه، بما أن هناك 400 حبة فقط فأريد منك أن تعيد لي الباقي".

​"بالطبع" ابتسم الثعلب وأومأ برأسه: "يسرني أنك تفهم".

​"أينما يكن.. إذن سوف أذهب".

​"حسنًا" لوح الثعلب بيده ونظر لظهر سون وهو يبتعد، فتذكر شيئًا وأشار: "بالمناسبة، أوصل رسالة إلى يور".

​"رسالة؟"

​التفت إليه الثعلب وقال بنبرة هادئة: "أخبره أن طلب الانضمام الذي قدّمه سابقاً قد قُبِل... لحسن حظه هنا مقعد واحد الآن. أخبره أنه بمجرد الخروج من هذا الملجأ، فليذهب مباشرة إلى حانة 'الندى الأحمر' وينتظر هناك. سيأتي أحد أعضائنا ويرشده".

​"ماذا؟"

​صمت الثعلب للحظة، ثم ابتسم وأضاف: "حسنًا هذا كل شيء، أعتمد عليك في إيصال الرسالة لصديقك".

​"أنت... انتظر لحظة!" صرخ سون بصوت متقطع: "طلب انضمام؟ لم أسمع بشيء مثل هذا؟"

​"وهل يجب أن تسمع؟" عبس الثعلب ومال برأسه متسائلًا: "إن كانت لديك أي مشكلة في ذلك فلتسأل صديقك أو سيدك أو أياً كانت العلاقة بينكم".

​"سيدي؟" عبس سون وبرزت عروق من جبينه لكن ترك الأمر جانباً: "هل طلب يور الانضمام إليكم حقاً؟ لماذا قد يطلب ذلك؟ لستم المصدر الرئيسي للحبوب، أنتم مجرد... "

​"أغلق فمك" تحركت يد الثعلب بسرعة وأمسكت سون من رقبته: "من نكون أو من لا نكون ليس شيئاً يجب أن يعرفه مجرد حمال مثلك، يبدو أنني كنت لطيفاً جداً معك فبدأت تفرض أفكارك في حضوري".

​"أترك...ني.. "

​"اسمع" خفف الثعلب قبضته قليلاً وتابع: "هناك أشياء لا يجب أن تقولها حتى لو كنا وحدنا، هل تفهم؟"

​أومأ سون بقوة فرماه الثعلب جانباً: "الآن اذهب وسلم الرسالة كما هي".

​"لحظة.. كح كح... " سعل سون عدة مرات وأوقف الثعلب قبل أن يغادر: "عرض الانضمام... ماذا عني؟ كح كح.. لقد طلبت منك هذا سابقاً، لماذا يور وليس أنا؟"

​"لأنه أكثر فائدة منك" أشار الثعلب مبتسماً إلى سون، فعبس سون وسأل:

​"هل هو ذلك الشيء؟"

​"ذلك الشيء؟" اختفت ابتسامة الثعلب ونظر إلى سون مرتبكاً.

​"أنا أعلم" أمسك سون فكه ورفع عينه يحدق بالثعلب بغضب: "أنا أعلم أن يور يمتلك شيئاً قد ترغبون به، إذا أخبرتك ما هو هل يمكنك النظر في طلبي؟"

​"لا أفهم لماذا يرغب شخص مثلك في الانضمام لنا" توقف الثعلب وأمسك ذقنه يفكر قليلاً قبل أن يبتسم: "حسنًا، أخبرني ما هو".

​"لن أخبرك".

​"..." هل أنت جاد يا رجل؟

​"ليس هناك دليل على أنك لن تكسر وعدك، لكن أستطيع أن أحضره لك، وعندما أفعل فأريد منك أن تتركني أنضم إلى نقابتكم" دفع سون جسده وجلس محدقاً بالثعلب الذي ظل صامتاً، فأعاد السؤال: "ما رأيك؟"

​"هممم.... يبدو هذا ممتعاً لكن" رفع الثعلب إصبعاً واحداً مشيراً: "لكن كما قلت هناك مقعد واحد، ويمكن لواحد منكما فقط الجلوس عليه، وهذا يعني أن الشخص الذي لا ينجح في إحضار ذلك الشيء لن نحتاج إليه".

​"فهمت" أومأ سون دون تردد، فمد له الثعلب يده وساعده على الوقوف قبل أن يسأله:

​"لكن أليس قاسياً أن تحاول خيانة صديقك؟ لقد عمل بجد ليحصل على موافقتي".

​"هذا ليس من شأنك، صحيح؟ وأيضاً أليس هو الذي كان يحاول أن يذهب إليكم ويتركني؟ فلا بأس إن فعلت نفس الشيء".

​"حسنًا، هذا ليس من شأني" هز الثعلب كتفه وتراجع خطوة: "على أي حال، نلتقي في حانة الندى الأحمر".

​أومأ سون ثم أخذ حقيبة الحبوب قبل أن يسأل: "لن تغير رأيك لاحقاً، صحيح؟"

​"بالطبع بالطبع، حظاً موفقاً في الحصول على ذلك الشيء" لوح الثعلب بيده مودعاً، فتردد سون بينما يغادر، وما إن اختفى سون داخل الظلام حتى اختفت ابتسامة الثعلب وأمسك ذقنه مبتسماً.

​"شيء يملكه يور ونريده؟" مثير للاهتمام.

​أيضاً ماذا قال... نريده؟

​"هاهاها... هذا الشخص ممتع نوعاً ما" زفر الثعلب مستمتعاً بينما يستدير ليغادر: "هؤلاء الحمقى لديهم فكرة خاطئة عن العالم السفلي، لكن هذا ممتع نوعاً ما".

​'حسنًا.. من المؤسف أنني لا أستطيع البقاء للمشاهدة'.

​اختفت ابتسامة الثعلب وتنهد ثم قفز واختفى بين أحضان الظلام، فمرت الليلة بهدوء بعد عودة سون إلى الملجأ.

​دون أن يقول شيئاً، تصرف بشكل طبيعي، وفي منتصف الليلة التالية اهتز الملجأ وأجبر الجميع على الاستيقاظ.

​"زلزال؟"

​استيقظ فرانكو، وأخذ نظرة واستوعب الوضع، ثم تحرك بسرعة وحضن ميا مطمئناً إياها بينما تهتز القارة بكاملها في هذه اللحظة.. واستمر اهتزاز العالم لدقائق قصيرة قبل أن يتراجع بطريقة بطيئة.

​تنفس فرانكو بهدوء وسأل ميا: "هل أنتِ بخير؟"

​"لا بأس أبي" أومأت ميا: "أنا بخير".

​"لقد بدأ" تنهد فرانكو وأخذ نظرة نحو السقف، ثم نظر إلى ميا محذراً: "سوف يحدث زلزال أقوى خلال الأيام التالية، إذا لم أكن بجانبكِ فأريد منكِ أن تتحركي بالقرب من أعمدة أو بالقرب من جدران".

​"حسنًا" ابتسمت ميا وأومأت برأسها، ما جعل جسد فرانكو يسترخي قليلاً.

​"فتاة جيدة" ربت فرانكو على رأس ميا مبتسماً.

​وفي اليوم التالي، وفي وقت عشوائي، تكرر الأمر.

​اهتز العالم من جديد، وعلى عكس المرة الأولى فقد كان اهتزاز هذه المرة أعنف، مما دمر بعض الملاجئ داخل وخارج الإمبراطورية لتدفن من تحتها أحياء.

​أرواح سُلبت لكن لم يؤثر ذلك على العالم بشيء.

​وبعد دقائق قليلة عاد الهدوء من جديد، وتحت مدينة أستر تنهد سون قبل أن ينظر إلى يور الذي لم يكن بعيداً عنه، ولمعت عينه بحدة وهمس بهدوء: "هذا الثاني".

​"هل قلت شيئاً؟" التفت يور متسائلاً.

​"قلت فقط إن هذا الاهتزاز الثاني".

​ابتسم يور وأومأ برأسه: "لحسن الحظ هذا الملجأ مجهز للتعامل مع هذا المستوى، أتمنى ألا يكون القادم أكثر عنفاً".

​أومأ سون أيضاً متفقاً، وعاد التوتر ليسيطر على الملجأ وهم ينتظرون الإشارة الثالثة، لكن لم يحدث شيء في اليوم التالي والذي بعده، وبعد انتظار دام خمسة أيام عاد الاهتزاز بينما الجميع نيام، ليستيقظ الملجأ في منتصف الليل على صوت أشبه بزئير وحش كاسر قادم من أعماق الأرض.

​وفي ثوانٍ معدودة، تحول الهدوء إلى فوضى عارمة.

​انطلقت صرخات الأطفال ونداءات الأمهات المذعورة في كل زاوية، بينما تداخلت الأصوات مع صوت وقوع الأغراض وانكسار الفوانيس، ثم انقطعت الأنوار بينما السقف الإسمنتي يهتز بعنف فوق الرؤوس، وتتساقط منه شظايا الحجارة والأتربة مثل المطر.

​في تلك اللحظة، وتحت مدينة أستر، كان الرعب مسيطرًا بينما تلعب بهم الأرض لدقائق تحولت إلى ساعات، وتمسك كل شخص بأقرب شيء له حتى لو كان إنسانًا لا يعرفه.

​وبينما الكل يحبس أنفاسهم وينتظر، بعد ساعتين بدأ الاهتزاز بالتراجع بهدوء قبل أن يتوقف، تاركاً خلفه أصوات البكاء المتعبة.

​وفي هذه الأثناء، على حدود القارة ووسط المحيط، انكسر الجليد تحت طبقة الثلج وفوق البحار لتنفجر بغضب موجه نحو السماء.

​انفجار... ثم الثاني.

​تكررت سلسلة الانفجارات في العديد من البقاع لتحرر موجات التسونامي، ومن المجهول بدأت الغيوم السوداء ترتفع وتمطر على الأرض مطراً من الحمض الأسود، فتشكل البخار وارتفعت الحرارة فجأة.

​دقائق فقط وبدأت الرياح بالزئير، وكل إعصار يتشكل كان يعيد رسم خريطة المكان بينما تغرق موجات التسونامي السواحل، وتكشف المدن المدفونة تحت الجليد عن نفسها.

​وبينما بدأت الفوضى تسيطر على سطح هذا العالم، كان الوضع في الملجأ تحت الأرض قد بدأ يعود للهدوء تدريجياً، فمع توقف الاهتزازات وتجاهل صوت صفير الرياح المستمر كان من المفترض أن تستمر باقي الأيام بهدوء حتى أتت صرخة أعادت الخوف للقلوب الباحثة عن الأمان.

​عبس فرانكو بينما كان يهدئ ميا، ونظر ناحية منطقة الصراخ فرأى فتاة مرعوبة من منظر الدماء، فضاقت عينه وتتبع فرانكو المصدر لتقع عينه على خيمة الشاب الذي لم يتكلم معه يوماً.

____________

نهاية الفصل

____________

[معلومة جانبية: الملجأ]

[تحت أغلب المدن هناك شبكة معقدة لصرف الصحي، لكن في عدة مناطق خاصة تم بناء العديد من الملاجئ الرئيسية حيث يبقى السكان عادةً. ورغم أن الملاجئ منفصلة عن بعضها البعض إلا أنها أيضاً مرتبطة من خلال شبكة الصرف الصحي، وتعتبر هذه الملاجئ من فئة الملجأ العام.]

​[وتعتبر الملاجئ الخاصة، مثل ملجأ الإمبراطور والملجأ الخاص بالكنيسة والنبلاء وأصحاب النفوذ، من المناطق التي لا يمكن الوصول إليها من خلال شبكة الصرف الصحي]

2026/06/06 · 16 مشاهدة · 1504 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026