بينما يستمر العمل داخل جدران ملجأ الإمبراطور، تستمر الحياة بين جدران ملجأ مدينة أستر.
بعد عشرة أيام من ليلة القمر الأحمر بدأ الأطفال في الاعتياد على المكان، بينما لم يجد الكبار مشكلة كبيرة في التكيف... كالمعتاد.
تقوم كل عائلة بإعداد المكان الخاص بها، ثم تستمر الحياة تحت المدينة كما هي فوق المدينة.
متاجر، مطاعم وحانات مؤقتة تقام خلال هذه الفترة، ومع عودة ضحكات الأطفال وركضهم ولعبهم في الأرجاء تعود حيوية المكان وتكسر برودة هذا الشتاء.
وبين الأطفال ركضت فتاة بدت أطول من عمرها، فتاة عادية مثل باقي الأطفال، مرت بجانب طاولة لعب والدها واصطدمت به دون قصد قبل أن تركض لتتابع اللعبة.
فابتسم فرانكو قبل أن يعود ليكمل اللعب مع مارك، جالسين أمام لوحة من مربعات عليها أحجار مختلفة الشكل، وثلاثة أشخاص حولهم يشاهدون اللعبة بصمت.
أخذ مارك جنديًا ولعب دوره، فتوقف فرانكو يفكر قليلاً قبل أن يلعب بعده، فعبس شخص من المشاهدين لكن لم يتكلم ولم يتدخل وراقب بتركيز وهدوء.
وكان الجو هادئًا داخل المجموعة أثناء اللعب قبل أن يتردد صوت انكسار كوب وصراخ قريب.
"لا تمزح معي!"
توقفت اللعبة ونظر فرانكو ومارك ناحية الضجيج.
شخص يمسك الآخر من رقبته ويصرخ: "لقد رأيتك... كم مرة فعلتها؟"
"لا أفهم ما الذي تتحدث عنه!"
"أليس هذا ريك وجيمس؟" سأل مارك عرضًا، فأومأ من حوله بهدوء ثم أطلقوا تنهيدة خفيفة في نفس الوقت، بينما صر جيمس على أسنانه وهو يشد ريك من طوق عنقه صارخًا بحقيقة غشه.
تنهد مارك بملل، وببطء شديد أعاد الحجر الذي كان بيده إلى اللوحة دون أن يكلف نفسه عناء أخذ نظرة ثانية.
"لنكمل اللعب."
أومأ فرانكو وكذلك الباقون، فرغم أن مشاحنات مثل هذه هي جزء من روتين الملجأ، تمامًا كإعداد الطعام والشراب كل يوم، إلا أن أولئك الاثنين حالة خاصة.
"هذه هي المرة الثالثة لهذا اليوم، ألا يشعرون بالملل؟" نظر أحد الرجال الثلاثة الواقفين حول طاولة فرانكو ومارك وسأل: "هل يتوقعون أن الحراس سوف يتجاهلون أفعالهم هذه كل مرة؟"
"حسناً، هذا متوقع." نظر مارك لحركة فرانكو وحرك جنديًا آخر للأمام رداً عليها وهو يجيب بهدوء: "جيمس لم يعد يطيق نفسه هذه الأيام وأعصابه تالفة تمامًا. أي كلمة صغيرة تجعله يشتعل كالحطب، لذلك غالباً هو من يبدأ القتال."
ابتسم مارك وتنهد بسخرية: "هذا حقاً أمر سخيف."
رفع فرانكو عينيه عن اللوحة وثبّتهما على وجه مارك. التقطت أذناه النبرة العارِفة والهادئة التي تحدث بها مارك، تلك النبرة التي لا تأتي من مجرد تخمين.
أخفض فرانكو رأسه قليلاً وسأل: "مارك... هل تعلم شيئًا؟"
نظر الثلاثة أيضاً إلى مارك متعجبين من سؤال فرانكو، فمالت رؤوسهم قليلاً لطرح نفس السؤال، فتنهد مارك مجيباً بهدوء وهو ينظر إلى الرقعة: "مجرد إشاعات."
"أخبرنا."
توقف مارك ونظر حوله، كان هناك أشخاص يبعدون جيمس وريك عن بعضهم البعض بينما لا يزال جيمس يلعن ويسب، لكن لم تكن هناك علامة على قدوم الحراس، فعاد بنظره إلى فرانكو والآخرين وسأل: "هل سمعتم من قبل عن 'الضباب الأبيض'؟"
"ضباب؟"
"الضباب الأبيض." كرر مارك ثم توقف ونظر إلى وجوه الأربعة قبل أن يتابع: "إنها حبوب مخدرة بدأت تنتشر في الآونة الأخيرة بين العامة قبل النزول إلى الملجأ."
"هذا مجرد اعتقاد مني، لكن أعتقد أن جيمس كان يتعاطى هذا المخدر مؤخراً، فهناك شائعات تقول إن هناك بعض الأشخاص تمكنوا بطريقة ما من إدخالها وبيعها داخل الملجأ سرًا، لكن الكمية ليست كبيرة، ومع ندرة الكمية، بدأت أعراض الانسحاب تنهش أعصاب من يتعاطاها."
اقترب أحد الرجال الثلاثة خطوة إضافية، وقال بهمس: "لقد سمعت إشاعات عنها قبل ليلة القمر الأحمر... يقولون إنها ليست مجرد مخدر عادي."
"رخيص نعم، عادي مستحيل." اعترض مارك وأشار: "مصدره مجهول لكن الإشاعات تقول إنها تجعل من يتعاطاها يرى هلاوس غريبة، وكأن عقله ينفصل عن الواقع ويعيش أحلامه بواقعية، لكن عندما ينتهي تأثير الحبوب هذا ما يحصل."
أشار مارك بإبهامه خلفه إلى جيمس الذي يمسك به شخصان بينما لا يزال هائجًا يحاول الوصول إلى ريك الذي كان في حالة معاكسة تمامًا.
هادئ ويبتسم بسخرية نحو جيمس.
وتابع مارك: "هذا ليس كل شيء، بل إن أسوأ شيء هو أن حبة واحدة تكفي لتجعلك مدمنًا تمامًا عليها، ويقال إن تأثير الجرعة بنفس تأثير عشر حبوب."
عقد فرانكو حاجبيه، ثم التفت إلى مارك وسأله بصوت خافت: "قلت إن هناك من استطاع إدخالها إلى الملجأ، هل هذا صحيح؟"
"هل هذا صحيح مارك؟" سأل أحد الرجال الثلاثة بتعبير ثقيل، فأومأ مارك، وهز أحد الرجال الثلاثة رأسه بأسى، قبل أن يقترب خطوة ويتنهد: "هؤلاء الحثالة! الناس هنا بالكاد يجدون قوت يومهم وهم يستغلون ضعف أرواحهم من أجل بيعهم الأوهام."
أومأ الثاني مشيرًا: "السؤال الأهم يا توماس: كيف يمررون هذه السموم تحت أعين الحراس؟ لا بد أن المهربين يدفعون رشاوى ثقيلة لتسهيل عملهم القذر."
"لا أعتقد ذلك." معترضًا تدخل فرانكو: "على عكس الموسم السابق للشتاء الأسود فالحراسة هذا الموسم صارمة جدًا، توماس يجب أن تكون مدركًا لذلك."
عبس توماس وأومأ برأسه: "أخبرني صديق أن الإمبراطور جاد في مسألة التغييرات لدرجة تطبيق عقوبات قاسية جدًا على كل مسؤول وموظف داخل الحكومة يتم اكتشافه وهو يحاول استغلال الأوضاع من أجل نفسه."
نظر توماس إلى مارك وتابع: "أخبرني أن العواقب تخطت حتى العقوبات العسكرية، ولا يتجرأ حالياً أي مسؤول على اللعب بهذا الوتر الحساس."
"ليس فقط أعضاء الحكومة، بل حتى العصابات لم تعد تخاطر كما كانت تفعل من قبل، بالذات منذ اليوم الذي نزل فيه الفرسان."
أومأ فرانكو وتابع من بعد توماس: "منذ ذلك اليوم وهناك شيء يتغير، وبما أن العصابات ليست غبية لتترك الإشاعات تنتشر بهذه القوة، فربما من ينشر هذه الأشياء هم أفراد فقط لا ينتمون لأي جهة، لذلك لا أعتقد أن الحراس سوف يتجاهلون هذا عن قصد فلا فائدة من ذلك، ولهذا السبب تتكون الدوريات من ثنائيات ويتم التبديل بين الثنائيات كل يوم ليراقبوا بعضهم البعض أيضًا."
"حسناً، مَن يعلم؟" ابتسم مارك ولعب دوره: "لكن داخل هذه المساحة حيث سلطة القانون ضعيفة، هل تعتقد حقًا أن هناك من سوف يهتم بالعواقب؟"
أومأ الشخص الذي طرح السؤال: "مارك على حق، الخوف الذي نشأ من خلال ذلك اليوم تلاشى، والتجار وخصوصًا تجار هذه السلع سوف يجدون دائمًا طريقة يطاردون فيها الربح ولو كان على حساب أرواح الناس، وقد يكون الجبن من صفاتهم لكنهم يحبون المخاطرة وخصوصاً في هذه الأوقات، وليس هناك شك أن هناك أشخاصاً من هذا النوع بين صفوف الحراس."
"أنت محق." تحدث إيريك، وعقد ذراعيه فوق صدره بملامح حادة ونبرة يملؤها الغضب: "تاجر أو حارس فذلك ليس مهمًا، طالما أحدهم يملك السلطة والآخر يملك البضاعة فسوف يكون هناك من يفكر في الربح دون أي اهتمام بأي قانون أو عقوبة."
"مع ذلك من الأفضل عدم نشر إشاعات أن الحراس لهم يد في ذلك." تحدث فرانكو بهدوء مقاطعاً.
"في النهاية، عكارة الماء دائمًا صيدٌ ثمين." ابتسم مارك ووضع قطعته على اللوح ونظر إلى فرانكو مشيراً: "لقد فزت".
.....
في هذه الأثناء وبين جدران المجاري، دفع سون جسد يور على الجدار بغضب يستجوبه: "لقد قلت إننا سوف نتقاسم كل شيء، هل سوف تتراجع الآن؟"
"أتراجع؟" عبس يور وأمسك بذراع سون يحاول إبعادها: "لا تضحكني!"
"ما هو المضحك؟ ما هو المضحك في أن أطلب ما هو لي؟"
"هل تعتقد أنني لا أعلم؟" أبعد يور يد سون بغضب ودفعه بعيدًا، ونظر له منزعجاً: "لقد كنت تسرق الحبوب لنفسك وتبيع حصتك بسعر أعلى من المتفق عليه لتحتفظ بالربح، هل تعتقد حقاً أنني لن أعلم عن ذلك... وتطلب أن أشاركك حصتي بالتساوي؟"
صمّ سون أسنانه بغيظ، وخطا خطوة واسعة نحو يور، وعيناه تشتعلان بغضب أعمى ومتهور دون أي تفكير في العواقب. صك على كلماته: "أنا من يخاطر بالنزول والتحرك في هذه الأنفاق القذرة، ومن حقي أن آخذ ما أريد!"
"أيها الأحمق!" صاح يور بوجهه وهو يدق بقبضته على الجدار الرطب، "بسبب غبائك وجشعك المكشوف كاد الحراس أن يمسكوا بنا في المرة الماضية! أنت لا تفهم كيف تدار الأمور هنا. إذا استمررت في التصرف برأسك اليابس هذا، فسينتهي بنا الأمر معلقين أمام جدران المدينة!"
"طالما لا يمسكون بنا فنحن بخير." تراجع سون خطوة إلى الخلف وهو يتنفس بغيظ وبدت ملامحه متشنجة وعاجزة عن الرد، لكن يده تحركت بغير وعي نحو حزامه، حيث يستقر نصله القصير: "أنت فقط تريد أن تحتفظ بكل شيء لنفسك."
لاحظ يور حركة يد سون، فضيق عينيه بحذر ووضع يده بدوره على مقبض خنجره: "إياك أن تفكر في أمر غبي يا سون... أنت لا شيء دون عقلي، حاول اللعب بمفردك وسوف يبتلعك الملجأ في يوم واحد."
"أريد حصتي المتفق عليها كاملة يا يور أو أقسم... "
"هل تهددني؟"
بصق سون على الأرض، وأنزَل يده ببطء: "إذا لم تسلمني حصتي كاملة فسوف ينتهي هذا العمل بيننا."
عبس يور بينما بدأ سون بالمشي ومر بجانبه وتخطاه واختفى في ظلام النفق.
استقام يور وعبس محدقًا في ظهر سون المبتعد: "لولا أنني بحاجة إليك... سحقا."
...
______________
يتبع
_____________