في هذه الأثناء، ومع اقتراب منتصف الليل، كانت القلعة لا تزال تعج بأصوات الخدم وهم ينظفون الممرات والقاعات بعد الخروج من الملجأ.
أما مدينة أستر فبدت أكثر هدوءاً على السطح.
تساقط الثلج الخفيف فوق الشوارع والأسطح، بينما الحياة تعود تدريجياً إلى إيقاعها المعتاد.
في الجهة الشرقية من المدينة، داخل مبنى بوابات الانتقال، وقف سويفت يراقب عملية إصلاح قلب مصفوفات النقل ببعض الانزعاج.
إنتظر.
ثم تنهد بارتياح وهو يرى المسارات تستعيد بريقها شيئاً فشيئاً، قبل أن يعلن أحد السحرة نجاح إعادة تنشيطها، فأومأ برأسه راضياً: "عمل جيد."
توقف السحرة ونظروا إلى بعضهم البعض مبتسمين، بينما ركض أحد السحرة الشباب نحو وزير النقل وقد بدا عليه الإرهاق الشديد.
"سيدي... هل نبدأ عملية استعادة الاتصال مع المدن؟"
رفع سويفت نظره نحو مصفوفة المتوهجة للحظة قبل أن يهز رأسه رافضاً.
"لقد تأخر الوقت. اذهبوا لترتاحوا الآن. سوف نتابع العمل صباح الغد."
أهم الأجزاء، ورغم استغراقه وقتاً طويلاً، إلا أنه انتهى، والباقي كان عمليات لا تستدعي حضوره المباشر.
ظل سويفت شارداً في تفكيره وهو يحدق في المصفوفة، قبل أن تقاطع تفكيره تنهيدة قربه، فنظر إلى الساحر الذي ما لبث أن انتبه لتصرفه، فرفع رأسه معتذراً.
ابتسم سويفت ابتسامة خفيفة ولوح بيده.
"لا بأس. فقط تأكد من تجديد المانا الخاصة بك قبل أن تنام."
"أمرك" أومأ الساحر بقوة قبل أن يسرع لإبلاغ البقية.
وبينما كان سويفت يغادر المبنى ويرفع عينيه نحو السماء الملبدة بالغيوم، كان مبنى الجريدة الرئيسي يعيش توتراً مشابهاً.
وقف رئيس الجريدة أمام جرم الاتصال الشبكي، يراقب بصمت النبضات الذهبية الخافتة التي تتردد داخله.
مرت الدقائق بطيئة.
ثم طالت.
وفجأة اشتعل الجرم الذهبي بالكامل.
ساد الصمت للحظة.
ثم انفجر أحد الموظفين صارخاً:"جاري تفعيل الشبكة!"
"هل أنت متأكد؟"
"هذه المرة أنا متأكد، لقد ثم تفعيل قلب شبكة الإتصال"
أطلق الجميع زفيراً جماعياً كأنهم كانوا يحبسون أنفاسهم طوال الوقت.
أما رئيس الجريدة فاكتفى بإغلاق عينيه للحظة قبل أن يشير إلى العاملين.
"حسناً جميعاً، سوف تستغرق عملية إعادة ربط الشبكة بعض الوقت، وقد تأخر الوقت فليذهب كل شخص لمنزله."
"لكن سيدي، ماذا لو حدثت مشكلة كما حدث بالأمس؟"
"لا بأس، سوف أراقب الجرم هذه الليلة، فليغادر الجميع، فهناك جحيم من الأعمال ينتظركم، لذا استغلوا لطفي بينما أنا لطيف"
"إنه منتصف الليل بالفعل، أين اللطف؟"
"من قال ذلك؟ لقد سمعتك!" صرخ القائد، فابتسم النائب وأشار للجميع بالمغادرة بسرعة.
وبينما بدأت فروع الجريدة في مختلف المدن تستعيد الاتصال الواحد تلو الآخر، اختلفت ردود الأفعال من مدينة إلى أخرى، لكن شيئاً واحداً كان مشتركاً بينها جميعاً:
المدن تنبض من جديد.
وبعد أن تخطى الوقت منتصف الليل، لم تكن مدينة أستر قد نامت بعد.
بعد يومين فقط من الخروج من الملاجئ، كانت الشوارع لا تزال مليئة بالحركة رغم البرد وتساقط الثلوج الخفيف.
في أحد الأزقة، كان صاحب مخبز ينقل أكياس الدقيق إلى الداخل بينما يساعده ابناه في تنظيف الأرضية.
"على هذا المعدل، نستطيع بدء العمل غداً"
"والدي، أمي تناديك"
"قادم"
في شارع آخر، كانت امرأة تزيل الثلوج المتراكمة أمام متجرها بينما وقف زوجها خلفها وبيده قنينة من الشراب يشاهدها وهو يضحك.
"أعني إلى متى سوف تستمرين بهذا؟" ابتسم الزوج مشيراً إلى السماء: "لا يهم كم مرة سوف تنظفين فيها عتبة الباب، فسوف تستمر الثلوج بالتساقط"
"إن كنت لن تساعدني فأغلق فمك"
"أعني، أنا فقط أقول ما الفائدة من ذلك؟"
"هذا يسمى تقليل العمل أيها الأحمق"
"تسك... مزعجة كالعادة... على أي حال، أليس هناك عشاء؟"
"لقد تناولته قبل قليل"
"هل تسمين ذلك عشاء...؟"
قبل أن يكمل الزوج، تم إطلاق كرة من الثلج أصابت وجهه مباشرة: "ما الذي تفعلينه فجأة؟"
وبينما يتجادل الاثنان، ظل الشاب الذي يسكن في الطابق الثاني يتنهد ويلعن سبب هذا الضجيج في منتصف الليل بينما يحاول أن ينام.
وفي مكان آخر، لم تكن الحانات بأفضل حال؛ فقد بقيت أبواب بعضها مفتوحة، لكن لم تكن تنتظر أحداً، بل مجرد عملية تنظيف وترتيب مستمرة.
وكان مزاج بعض أصحاب الحانات سيئاً بعد أن تضررت متاجرهم بسبب عواصف الشتاء الأسود. فخرجت من أحد المتاجر فتاة شابة بشعر برتقالي، ورمت دلواً من الماء البارد فوق الجليد ودخلت لتكمل التنظيف.
وفوق المتجر مباشرة، مرت حركة سريعة.
سريعة إلى درجة أن أحداً لم ينتبه لها.
وفي حي آخر، كانت عائلة تجلس لتناول وجبة متأخرة بعد يوم كامل من التنظيف.
توقف الأب فجأة ونظر نحو النافذة.
خُيِّل إليه أنه رأى شيئاً يمر من الزقاق خلف المنزل، فتحرك ليلقي نظرة، ولكنه لم يجد سوى الثلج.
وبعد نداء طفلته، أغلق النافذة بإحكام وعاد لحديثه.
وعلى السطح فوقه مباشرة، كانت هيئة سوداء تهبط بخفة ثم تقفز نحو المبنى المجاور.
وتكرر الأمر في أحياء قريبة.
ظلال تتحرك فوق المدينة تحمل أحمالاً ثقيلة.
مدينة أستر، مدينة الكويت، وعدد كبير من مدن الإمبراطورية.
تظهر الظلال فتترك حمولتها في مكان عشوائي ثم تختفي قبل أن ينتبه إليها أحد.
وفي مدينة أستر، توقف سائق عربة نقل بضائع وسأل: "سيدي، هل أنت متأكد أن هذا هو المكان المقصود؟"
"لا تشغل بالك"
"لكن..." نظر السائق نحو أسوار الإمبراطورية وكان القلق واضحاً في ملامحه، فلا فائدة من الوصول إلى هذا المكان.
وذلك بشكل خاص لأن أبواب المدن لم تفتح بعد.
"هذا أجرك" نزل الرجل ورمى كيس المال قبل أن يسحب كيسين ثقيلين ويرفعهما، قبل أن يشكر السائق ويختفي بين أزقة المنازل القريبة من الأسوار.
في هذه الأثناء، كان راي قد وصل إلى القسم السادس وقرأ صفحات ركن الروح بابتسامة خفيفة تزين وجهه.
[هل يعجبك الأمر لهذا الحد؟]
انتبه راي فتوقف عن الابتسام وتنهد: "أشعر أنك بدأتِ تستمتعين بالحديث معي يا أرثيل"
[نوعاً ما]
"كان يجب أن تنكري ذلك" تنهد راي وأشار: "على أي حال، يبدو أن ركن الروح يسير في المسار الصحيح، وحسب المعلومات فيبدو أنه مستعد بالفعل لدخول المرحلة الثانية"
[لا تتسرع... مع أنني لا أعرف ما هذه المرحلة الثانية]
"لا أتسرع" قلب راي الصفحة وأومأ برأسه: "أنا أقول ذلك مع الأخذ في الاعتبار الوقت قبل اجتماع الأركان."
"و..." ابتسم راي مجدداً وهو ينظر إلى صفحتين إضافيتين مخصصتين لقسم التنسيق بين الإمبراطورة وركن الروح ثم تابع: "مع سلطة الإمبراطورة، لن يعيق النبلاء خطط مورغانا المجهزة لهذه الأيام."
[هذا مجرد افتراض]
"رغم ذلك..." توقف راي فور أن قلب الصفحة معتقداً أنها الأخيرة، فتصلبت يده وتردد صوت أرثيل:
[حسناً، هذه قدرة مذهلة]
أومأ راي غير مصدقٍ أيضاً وهو يحدق في قائمة الإحصائيات أمامه:
عدد البشر داخل أراضي الإمبراطورية: [325.343.###]
عدد أشباه البشر: [450.099.###]
عدد أشباه الوحوش: [1.344.200.##]
عدد الأعراق النقية: [13]
نظر راي إلى الأسفل فوجد قائمة بمزيد من الأعراق؛ منها الجان، والأقزام، والمتحولون، وبعض الأسماء التي لم يسمع بها.
وبينهم، جذبت أحد الأسماء انتباهه بوضوح:
عدد التنانين داخل الإمبراطورية: [28]
"تنانين..."
[اسمح لي لاحقاً بتحليل هذا الأثر؛ أريد فهم الطريقة التي يعمل بها، وأرى إن كان هناك أي معلومات عنه في مكتبته]
"القدرة على إحصاء عدد المخلوقات الواعية" أومأ راي دون وعي وتنهد وهو ينظر إلى الصفحة الجانبية، وكانت صفحة فارغة ذهبية قريبة من اللون البلاتيني.
تنهد ومسح شعره وعاد النظر إلى البيانات.
[تشك؟]
"أجل... هذه البيانات لا تبدو واقعية"
لكن إن كانت حقيقية، فإلى أي حد قد تكون مفيدة؟
"لكان أروع لو تمكنت من معرفة قوة الأشخاص داخل الإمبراطورية أيضا"
[لو كان الأثر يملك هذا المستوى من القدرة، فهذا يعني أنه بنفس مستوى أزرق]
"هل تستطيعين معرفة مستوى الأثر؟"
[هل تعلم كيف أتواصل معك الآن؟]
"عبر الرنين؟" أجاب راي وهو يقلب الصفحة.
[وهناك نوعان: الرنين الداخلي والرنين الخارجي. وأنا أتواصل معك من خلال الرنين الداخلي، عبر استخدام الرابط بينك وبين الأزرق؛ من أجل إرسال رنين قوي لك من خلال قدرة التواصل التي تترجم ما أريد توصيله لك، وتلتقط ما تقوله وما تراه وتعيده برنين داخلي وأترجمه، وبذلك نتواصل]
"وما دخل هذا بسؤال الذي طرحته؟"
[بختصار، لا أستطيع أن أقرأ مستوى طاقة الأثر من خلال صورة فقط؛ إذا أردت مني تقييمه، فأرسله إلى الهرم أو من خلال أزرق]
"هذا قصدك إذن" نظر راي إلى صفحة الركن الأخير: "ظننتكِ تخبرينني بلغز للحظة"
[لقد كنت أعني بكلامي أنني أستمر بالكلام معك باستمرار حتى الآن من أجل أن يصبح الرابط بيننا نحن الثلاثة أكثر مرونة]
"انظري لهذا" قاطع راي عندما قلب الصفحة الذهبية وسخر عندما وجد الورقة التالية فارغة أيضاً، لكنها تحتوي على عنوان القسم الثالث.
حتى أسماء أقسام ركن الخارجية لم تكن موجودة.
"إذن باختصار، القسم غير موجود" توقف راي ورفع عينه متسائلاً: "بالمناسبة، هل قلتِ إنكِ تتواصلين معي من خلال ري؟"
[نعم]
"لماذا لا يتكلم هو إذن؟"
[هل هذا سؤال تطرحه؟]
___________
نهاية الفصل
___________