بدأت الغرفة البيضاء تتشكل استعداداً للاختبار الثاني بعد أن غادر ري، وأثناء ذلك مكث راي يفكر قليلاً فيما شرحه ري.
لكن كل فكرة كانت سبباً في ولادة سؤال آخر، وعندما أدرك راي أن الغرفة تغيرت كان الأوان قد فات،فقد كان جسده معلقا بين السماء والبحر .
وقبل أن يوقن عقله أن الأرض تحت قدميه لم تعد موجودة، بدأ جيده يهوى نحو البحر.
"س.. س.. س!"
صاح راي وجسده يقترب من سطح البحر أكثر وأكثر، وفي ثوانٍ أخيرة حاول الاستنجاد بري لكن الأوان كان قد فات، فأغلق راي عينيه وحمى رأسه منتظراً الألم.
ليصطدم مباشرة بماء الراكد.
ثم لم يكن هناك ألم.
فور أن لمس جسده الماء، أصبح السطح ناعماً وقام بابتلاعه، ليخترق جسده السطح بانسيابية ويغوص نحو الأعماق قليلا قبل أن يتوقف.
أدرك راي بعد لحظات أنه قد دخل الماء فحاول كتم أنفاسه بسرعة قبل أن يفتح عينيه، ولكن ما إن فتح عينيه حتى توقف مكانه مسحوراً بالمشهد .
حقل من المرجان الملون بطيف من الألوان الزاهية.
لوحة فنية منقوشة تحت البحر.
ومسرح زادت الأسماك الصغيرة من جماله.
لحظات فقط وأدرك راي أنه لا يزال تحت الماء، فأمسك بأنفاسه بسرعة وحاول العودة إلى السطح بسرعة.
لكن دون فائدة.
كان السطح أمامه، لكن مهما حاول الصعود كان يجد أن المسافة بينه وبين السطح لا تتقلص.
ضاق تعبيره وتشوهت ملامحه واحمر وجهه، وعندما أطلق كل قوته المتبقية لدفع نفسه إلى خارج الماء وجد الفشل كجدار يمنعه، ليخسر السيطرة على أنفاسه فيتركها تفلت منه عاجزاً.
وما إن شهق تلقائياً متوقعاً أن يبدأ جسده في ابتلاع الماء، حتى وجد راي نفسه يستطيع التنفس بشكل طبيعي.
عبس ونظر إلى يده وتمتم ليتأكد، وما إن تأكد أن تلك المقاومة كانت عديمة الجدوى حتى نظر إلى السماء منزعجاً: "ري، ألم يكن بمقدورك أن تتكرم وتخبرني بهذا؟"
[كان من المفترض أن تتحكم بالماء حولك لدفع نفسك إلى الخارج أو تشكل فقاعة متصلة بالخارج حتى تتمكن من التنفس، وبما أنه جزء من الاختبار فلم أخبرك... لكن...]
"لكن؟"
[لم تفعل أي شيء من ذلك] قال ري وفي صوته نوع من الذهول والارتباك [أنت حرفياً تستطيع العيش في بيئات ذات تركيز مانا عالٍ].
[ما رأيك راي، هل تشعر بأي شيء غريب في جسدك؟] سألت أرثيل، فعبس راي ونظر إلى جسده.
لم يكن هناك شيء غريب: "هل أنتِ متأكدة أنني لم أفعل شيئاً؟"
[لا تقلق راي، استمر في فعل ما تفعله وسوف نعلمك بنتائج المراقبة لاحقاً] قالت أرثيل بهدوء.
"سوف أكون ممتناً لو أجبتِ عن العديد من الأسئلة أيضاً".
[بالطبع، لننهِ الفحص أولاً] أومأت أرثيل وتحدثت بنبرة هادئة، فسأل راي عما عليه أن يفعل في الاختبار الثاني، لتشير إلى شاشة الغرفة البيضاء.
قبل أن يبدأ راي في البحث عنها وجدها تظهر مباشرة أمام وجهه وتحمل جملاً قصيرة وواضحة.
[«الاختبار الثاني: بحر المانا الافتراضي»]
[«قم بصيد الأسماك»]
'صيد؟' نظر راي حوله من جديد ولاحظ الأسماك الصغيرة فعبس 'ما نوع الصيد الذي علي ممارسته وأنا تحت الماء؟'
'بل ما علاقة هذا بالتحكم بالمانا؟'
أغلق راي عينيه وتقاطبت حواجبه بينما يفكر ثم تذكر 'هل علي دفع نفسي من خلال التحكم بالمانا من أجل صيدهم؟'
هذا غباء.
"أرثيل، لدي سؤال" توقف راي ليسأل "دفع نفسي لإمساك الأسماك ليس هو الحل، صحيح؟"
[افعل ما تشاء، سوف نراقب فقط].
ضاقت عينا راي للحظة ثم عاد رأسه وانتباهه إلى المنظر أمامه، فنظر حوله يفحص المكان.
صخور وقواقع والكثير من حيوانات المرجان، وبين المرجان كانت الأسماك التي لا يتعدى حجمها قبضة اليد تسبح بهدوء وسلام.
'ربما... ' نظر راي حوله يفحص المكان 'المسافة بيني وبين السطح ليست كبيرة، والمسافة بيني وبين الأعماق ليست كبيرة، لذلك منطقياً يجب أن أكون قرب ساحل الجزيرة'.
'لكن عندما كنت أسقط لم ألمح أياً من ذلك، إذن...'
"لدي سؤال" سأل راي من جديد بهدوء "هل يمكنني استخدام المكان لحل الاختبار؟"
رفع راي رأسه وأوضح: "أقصد، هل هذا المكان إسقاط لمكان حقيقي أو أنه تم إنشاؤه عبر الغرفة البيضاء؟"
[إنه إسقاط لإحدى المناطق في المتاهة العظيمة، لكن الماء حولك عبارة عن مانا افتراضية] أجابت أرثيل ولم تقل أكثر من ذلك.
لم توضح ما إن كان من الممكن استخدام المكان أو لا، فقط راقبت وجه راي الذي زاد عبوسه.
'الماء عبارة عن مانا افتراضية'.
'التحكم في المانا من أجل التحرك، والتحكم في المانا من أجل صيد الأسماك' توقف راي ثم مال برأسه 'الماء عبارة عن مانا؟'.
وما ذكره ري سابقاً: 'تشكيل أشكال هندسية'.
'ربما..'
أشار راي بكفه أمامه، واستحضر ذكريات الجسد الذي تعلم التحكم في المانا، فبدأت تتشكل دوامة أمام كفه، وشكلت الدوامة تموجات مستمرة جعلت الأسماك القريبة تبدأ في التمايل لتبتعد.
وبينما تبتعد إحدى الأسماك الذهبية، اصطدمت بجدار غير مرئي.
حاولت العودة فمنعها جدار آخر، فحاولت الهروب جانباً لتعاني من نفس المشكلة، لكن مع ذلك استمرت في المحاولة دون أن تدرك أنها قد حُجزت بين جدران المكعب.
ابتسم راي وهو يشير وينظر إلى المكعب الشفاف والسمكة الذهبية عالقة بين جدرانه، فحاول راي سحب المكعب بعد ذلك لكنه لم ينجح.
توقف قليلاً مدركاً أنه لا يعلم كيف يقوم بسحبه من الأساس، فغير الخطة بسرعة ودفع المكعب، وكان ذلك أسهل من الأول؛ فما إن اندفع المكعب إلى الأمام حتى تحكم راي في مساره ليأخذ المكعب دورة كاملة ويحلق وصولاً إلى كفه، فأمسك راي بالمكعب ونظر إليه بهدوء.
'الآن ماذا؟'
[عليك لمس السمكة يا راي] أشار له ري، فأومأ راي برأسه وقد كان يفكر في ذلك أيضاً.
'إذن، هل أحاول جعل المكعب أصغر؟'
'فكرة جيدة، والسؤال هو كيف؟'
حلق راي وسط الماء يمسك بذقنه يحدق في المكعب لعدة ثوانٍ قبل أن يمد إصبعه ويحاول أن يصنع ثقباً يلمس من خلاله السمكة، وما إن نجح في ذلك حتى استمر الاختبار الثاني بنفس الوتيرة.
إمساك الأسماك بمختلف الأشكال الهندسية ثم محاولة لمسها، وما إن يلمس السمكة حتى تتحول إلى أضواء من النيون الأزرق وتختفي.
ومع الوقت زاد راي عدد المكعبات وكان يخطط لزيادة صعوبة التدريب عليها، لكن أرثيل طلبت منه التوقف.
لم يكن ذلك هو المقصود بالاختبار، فطلبت المرور إلى الاختبار الثالث دون أي تعليق.
ارتبك راي قليلاً لكنه لم يعارض.
فبدأ الظلام يغطي الغرفة البيضاء من جديد، فشعر راي بالأرض الصلبة تحت قدمه من جديدتعود ليقف، وينظر إلى النجم الساطع في الأفق، ومن النجم وصولاً إلى الأرض، بدأت منصات تتكون واحدة تلو الأخرى لتشكل درجاً يقود إلى ذلك النجم الوحيد في هذا الظلام الدامس.
[«الاختبار الثالث: سلم الروح»]
[«اصعد السلالم لاختبار قوة روحك»]
ابتسم راي وتنهد عندما صدق توقعه لنوع الاختبار بعد أن رأى السلم يتكون أمام عينيه، لكن ما إن وضع قدمه على الدرجة الأولى حتى اختفت ابتسامته.
'هذا..' صعد راي المنصة الأولى ووقف وهو يستشعر الوزن الذي نزل عليه فجأة.
حرك يده ثم أطرافه ثم رأسه ولم تكن هناك مشكلة.
لكن الشعور بأن وزنه قد زاد كان واضحاً بشكل مخيف.
ومن أجل تأكيد ذلك، نظر إلى المنصة الثانية ومشى خطوتين قبل أن يصعد، ليتكرر الحدث لحظة لمس قدمه للدرج الثاني.
الوزن زاد لكن لم يصل إلى تلك الدرجة التي تجعله عاجزاً عن الحركة، فاستمر بالتقدم وتباطأ تقدمه عند المنصة العاشرة، ومع ذلك، تلك الرغبة الغريبة في الصعود أكثر كانت الدافع الأكبر للوصول إلى القمة.
__________
نهاية الفصل
__________