"لماذا؟" سألت مورغانا دون وعي، فابتسم لها راي وأعاد السؤال إليها:
"لماذا أنتِ مستاءة من ذلك؟"
"لا، ليس الأمر كذلك."
"على أي حال"، قاطعها راي وهو يقف ثم ابتسم مشيرًا: "ارتاحي قليلاً الآن، وسوف نتحدث بعد أن تهضمي هذه الحقيقة وتكوني على استعداد للحديث معي."
"لا، لحظة!" أمسكت مورغانا براي بسرعة وأعطت ابتسامة مشوهة: "لا بأس، أنا فقط مرتبكة قليلاً، لكن هل يمكنني طلب شيء؟"
"تفضلي."
"لا تجعل مني سببًا."
"لا أجعل منكِ سببًا؟" عبس راي مرتبكًا ثم أدرك وسأل: "لا تريدين مني أن أجعلكِ سببًا أحارب من أجله مَن ظلموكِ؟"
لم تجب مورغانا، لكن صمتها كان إجابة في حد ذاتها، فسأل راي بعد صمت قصير: "هل هي مسألة كرامة؟ أو كبرياء، أو ربما أنتِ قلقة علي؟"
"لا تسألني هذا السؤال." أخفضت مورغانا رأسها دون أن تجيب، لكن لم يرد راي، فطلبت بتردد: "هل يمكنك أن تعتبر الأمر أنني قلقة عليك فقط؟"
ابتسم راي وجلس: "هل نحن بهذا القرب لتقلقي علي؟ أسألكِ لأنني لا أراكِ تطلبين مساعدتي في شيء، ومنذ اليوم الذي التقينا به كنتِ تنفذين ما أطلبه منكِ فقط."
"لقد..."
قاطعها راي: "نعم، لقد استغللتِ سلطتكِ من أجل إرضاء نفسكِ عبر التخلص من الخدم، ولا عيب في ذلك وهذا كل شيء، لكن ألستِ تتجاهلين وجودي تمامًا؟"
لم تجب مورغانا، بل نظرت إلى راي وإلى الهالة السوداء والقرمزية والزرقاء التي تغطي جسده.
'فضول وغضب... وماذا؟' ارتبكت مورغانا مما تراه، فلاحظ راي شرودها ليطرق على رأسها بهدوء.
"مورغانا."
"ماذا؟"
"بجدية أنتِ..." تنهد راي عندما أدرك أنها كانت شاردة، فسألها بهدوء: "هل تتذكرين اليوم الذي التقينا به؟"
عبست مورغانا ولم تجب.
أمسكت المكان الذي ضربه راي وفكرت بالأمر قليلاً.
ذلك اليوم الذي دخل فيه القاعة...
بدا خائفًا وفضوليًا ومتحمسًا ومستاءً في نفس الوقت، لكن الشعور الذي سيطر عليه هو الرعب المطلق.
رعب شخص لا يعرف ما الذي عليه فعله.
ذلك الرعب الذي يشبه حالتها عندما وجدت نفسها محاصرة ومصفدة بين أربعة جدران حجرية.
ومع ذلك كان هناك مزيد من المشاعر المختلطة، وهو شيء من الغريب لإمبراطور أن يحمله، ووسط هذا الرعب ظهر إعجاب عندما التقت عيونهما.
وقبل أن تفهم معنى ذلك، قاطعت الزوجة الثانية، فتحول الإعجاب إلى انزعاج، لكن الخوف الذي بداخله لم يختفِ.
ثم قبل أن يخرج ألقى دعابة مفاجئة وصريحة، فنسيت ما خططت له استياءً من إدراك أنه كان يقصدها، لكن ما إن ابتعد حتى تحول الخجل إلى شفقة وهي تنظر إلى ظهره المبتعد.
ثم لاحظت شيئًا.
شيء لم يكن من المفترض أن تراه، كان واضحًا في تلك اللحظة، ففكرت به كثيرًا حتى أتت لحظة اللقاء، فاستخدمت الخدم من أجل التحقق من ذلك قبل أن تسأل:
"أنت لست إمبراطورًا، صحيح؟"
سؤال محايد، رأت أن تسأله وترى ردة فعله، وإذا كان اعتقادها خاطئًا فمن الممكن تغيير القصد بالإشارة إلى أنه ليس الحاكم الفعلي للإمبراطورية، ثم تعرض عليه مساعدتها وتكشف له عما يخطط أن يفعله الدوق فيليب بعد أن تضمن سلامتها.
لكن بشكل مفاجئ، بدا راي أكثر راحة لسماع ذلك السؤال في تلك اللحظة بالضبط رغم حالة جسده السيئة، ليعترف لها بكل هدوء ويكشف لها عن علمه بكونها قد عادت بالزمن.
أمر غريب ومربك، لكن حالته الجسدية التي ساءت فجأة لم تعطِ لها الوقت للتفكير، فقررت إنقاذه دون تفكير لأن ذلك كان هو الخيار الوحيد المتاح.
لكن السؤال لم يتغير.
عبست مورغانا عندما تذكرت ذلك وسألت: "لماذا في ذلك اليوم أخبرتني بحقيقة أنك شخص من عالم آخر؟"
"كانت مجرد تجربة"، ابتسم راي وأجاب بهدوء: "مجرد تجربة لأعلم هل ما زلت على قيد الحياة."
"لكن هذا ليس المهم، بل ما حدث بعد ذلك"، أشار راي وأمسك أذن مورغانا مشيرًا: "هل تتذكرين؟"
تلك اللحظة التي همس بها الاثنان لبعضهما البعض أمام الخدم كتأكيد واتفاق صامت على بداية شراكة تهدف لمحاربة هذا القدر.
"في ذلك اليوم لم أكن قد وضعت أي خطة، وظننت أن التخلص من الدوق سوف يكون صعبًا، لكن حالة الإمبراطورية كانت مساعدة كبيرة وقد استفدتُ منكِ كثيرًا، لكن ماذا عنكِ يا مورغانا؟"
صمت راي بانتظار مورغانا أن تتحدث، فسألت بهدوء: "ماذا عني؟"
"أنتِ لم تطلبي مني أي شيء منذ ذلك اليوم، وكل ما فعلته هو اتباع أوامري وتحقيق ما أشير لكِ إليه، وكنت أظن أن السبب هو أنه لم يمر وقت طويل، لكن..."
توقف راي للحظة وترك أذن مورغانا ثم تابع:
"لكن مما رأيته من ذلك الجزء من الماضي الذي قمتِ بعرضه على هيرارا، فيبدو أن ثقتكِ بي معدومة، ورغم أنني أتفهم ذلك، فلم أقدم أي شيء سوى بعض أفكار لا تكفي لحمايتكِ، إلا أن إخفاءكِ ذلك عني مزعج بطريقة أو بأخرى."
أشار راي بيده إلى جسدها وتابع: "الآن أنتِ أقوى مني بعد أن عقدتِ عقدًا مع ريو، ووجودي لم يعد مهمًا بالنسبة لكِ، فماذا سوف تفعلين؟"
"أنا..."
قاطع راي مورغانا: "بالطبع مهما حدث ما زلت ممتنًا لكِ، لكن..."
عبست مورغانا، فلاحظ راي ذلك، فغطت مورغانا فم راي ونظرت له بانزعاج: "اخرس قليلاً ودعني أتحدث."
صمت راي متفاجئًا، فزفرت مورغانا وهي تترك فم راي، لكن قبل أن تتحدث سبقها راي بحديث مجددًا متسائلاً:
"هل تعتقدين أن هذه أنانية مني؟"
"شخص لم يقدم أي شيء وطلب منكِ كل شيء، وقادكِ للعمل لإمبراطورية لا تحمل أي مستقبل مقابل سلطة يمكن أن تخسريها في أي لحظة، والآن يريد منكِ أكثر دون مقابل؟"
"عليك أن تتعلم الاستماع إلى الآخرين قبل أن تتحدث"، عبست مورغانا مشيرة: "ما الذي يزعجك بالضبط؟ فليس الأمر كما لو أنك تحمل مشاعر تجاهي بعد الآن."
تفاجأ راي ثم هدأ وسأل: "لماذا تقولين ذلك؟"
"لا تحاول إنكار ذلك، من المزعج أنك رميت ورقة الثقة لأنني كنت منزعجة من أنك ألقيت نظرة على ذكريات أتعرض فيها للتعذيب."
توقفت مورغانا للحظة عند الكلمة الأخيرة ثم تابعت بقوة:
"بعيدًا عن ذلك، ما دخل الثقة بأننا شركاء؟ وما حصلتُ عليه كان بفضلكِ، بل وأنا على قيد الحياة بفضلكِ، وحتى لو أردتُ تجاهل الأمر، ألم تقل إنك رأيت كل شيء؟ إذن ماذا عن العقد بيني وبين ريو، ألم ترَ أن وجودك مهم ليكتمل العقد؟"
"هل أنتِ منزعجة مما قلته؟" سأل راي مبتسمًا.
"أنت مزعج أحيانًا يا راي"، ضاق تعبير مورغانا: "تبتسم عندما تغضب وتصمت عندما تيأس، لكن مهما كان ظنك بي فتذكر أنني لم أطلب سوى عدم استخدامي كسبب لأنني لا أحتاج منك أن تفعل ذلك، وهذه مجرد رغبة شخصية وليست قلقًا، لكنك قفزت إلى استنتاج بعد الآخر وفي النهاية صدقته وبدأت في تحليله!"
"هل أحتاج أن أثق بك لنعمل معًا؟" سألت مورغانا وأجابت بنفسها: "لم أظن يومًا أن علاقتنا مبنية على الثقة بل على المصلحة، وأنا هنا أقوم بدوري وأنت تقوم بدورك، وأنا أتبعك بإرادة كاملة مني وقد أخبرتك بذلك صراحة."
"إذا أردتَ مني شيئًا فلا حاجة لتلعب الحيل معي، يمكنك فقط أن تأمرني به مباشرة"، ربتت مورغانا على صدرها وهي تنهي كلامها، فصمت راي قليلاً ولم يجب.
لكن أمام العيون البنفسجية كانت الهالة حول جسد راي تتراقص بين أسود وأخضر، الهدوء والفضول، قبل أن تتحول إلى اللون الأرجواني، لون من الصعب تحديد معناه، ليسأل راي بعدها مباشرة بهدوء: "أنتِ محقة."
"في أي جزء؟" سألت مورغانا بسرعة عندما ضرب قلبها وأخبرها حدسها أن شيئًا سيئًا سوف يحدث، وتأكد ذلك الشعور عندما وقف راي دون أن يجيب.
ثم ابتسم بهدوء ووضع يده على رأسها: "أحتاج بعض الوقت للتفكير، دعينا نتحدث عن هذا لاحقًا."
"راي"، نادت مورغانا بعد أن أمسكت يد راي بدون رسمية وسألت: "هل تهرب؟"
ارتجفت عيون راي للحظة ولاحظت مورغانا ذلك قبل أن تراه يجيب بهدوء: "لا، أنا فقط..."
صمت راي للحظة ثم ابتسم ساخرًا: "ربما أنتِ على حق."
"راي..."
"ليس لدي ما أقوله لكِ، لكن لدي طلب."
"ما هو؟" تركت مورغانا يد راي وهي تسأل.
"اعتمدي عليّ أكثر في المستقبل"، توقف راي للحظة ثم فكر ثم قرر الكشف عن السبب: "على الأقل اجعليني أشعر أنني جزء من هذا العالم، فهذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أتمسك بعرش هذه الإمبراطورية."
"ماذا تقصد؟"
"ارتاحي قليلاً الآن، سوف نتحدث لاحقًا." رفع راي يده واستدار ليغادر دون أن ينتظر إجابة، بينما ظلت مورغانا مكانها متصلبة تحدق بالهالة الرمادية التي غطت اللون البنفسجي.
مدت يدها لتجيب لكن لم ينتظر راي إجابتها، وسار نحو الباب كما لو أنه كان يهرب من شيء ما، ثم توقف بعد أن خرج وابتسم وهو يودع مورغانا قبل أن يغلق الباب لتختفي ابتسامته بعد زفير طويل.
___________
نهاية الفصل
___________