في وقت لاحق من اليوم التالي، كانت نسخة ري التي تلقت المعلومات قد جهزت لانتقال المرشح لمنصب وزير الخارجية وبدأت استعداداً للانتقال معا نحو الأراضي الشرقية حيث ينتظرهم "آمر الركن الخارجي" الجديد.
وبالعودة إلى العاصمة وفي نفس اليوم ووسط هذا الضغط، استدعى راي الجميع لاجتماع طارئ. وتنفس الصعداء حين رأى "مورغانا" قد استيقظت وأصبح تعبيرها أفضل بعد استهلاك تلك الجرعة.
ورغم الحاجة إلى الراحة إلا أنها أصرت على مرافقته إلى الاجتماع، وعندما كانت سوف تفتح موضوع ما حدث، ربت راي على رأسها بهدوء: "لا داعي للشرح الآن، لدينا الكثير من العمل، يكفي أنكِ بخير."
تابع راي السير نحو قاعة العرش بكلمات قليلة وتركيزه في مكان آخر ولم يختر طريق قاعة الاجتماع استعداداً للقاء جميع النبلاء الذين حضروا المأدوبة التي توقفت بعد أن وصلتهم أخبار انتشار الطاعون، وقد لاحظت مورغانا عبوس راي فسألت: "هل أنت غاضب؟"
"غاضب؟" توقف راي عن التفكير للحظة لكن استمر بالسير ثم ابتسم ونفى ذلك: "لست غاضباً، أنا منزعج فقط من وجود ثغرة لا يمكنني إغلاقها وأخشى أن تلاحظها الكنيسة."
صمتت مورغانا قليلاً ولم تقل شيئاً فنظر لها وفهم ما الذي كانت تسأل عنه: "هل تسألين ما إن كنت غاضباً منكِ؟"
لم تجب مورغانا وتابع راي: "نعم أنا كذلك."
ارتجف جسد مورغانا عندما سمعت صراحة راي، لكنه تابع كلامه دون نفاق: "لكن العمل هو العمل، عندما ننتهي سوف أحرص على حصولك على عقاب مناسب، دعينا نركز الآن على إنقاذ الأرواح."
"أمرك"، صمتت مورغانا وتابعت السير خلف راي ثم تنهدت بصوت مسموع وابتسمت بهدوء وهي تنظر إلى ظهر راي، وسرعان ما وصل راي إلى قاعة العرش وخلفه مورغانا، وكانت هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها هذه القاعة بعد اجتماع الإمبراطورية.
وحتى قبل أن يدخل كان يشعر أن الجو مشحون بالفعل.
تنهد وسار مع مورغانا إلى العرش تحت ترحيب الجميع. وبمجرد جلوس راي على العرش، افتتح أكيرا الاجتماع بسبب غياب ري، وشرح الوضع بهدوء، ثم أشار له راي بالتوقف من أجل سماع الاقتراحات التي سوف يقدمها النبلاء وأصحاب الأراضي الحاضرون.
لكن ما هي إلا لحظات قبل أن يندم راي على ذلك.
فور فتح باب النقاش انقسمت القاعة إلى جبهتين على الفور، وكانت الجبهة الأولى هي فئة الوزراء والأعمدة حيث هناك ساد هدوء مريب.
لم يهمس أحدهم بكلمة، ولم يلتفتوا حتى للنظر في وجوه النبلاء الصارخين. كانوا كخناجر مغمدة.
كما لو أن لهم ثقة كاملة في راي رغم أنه لم يعلمهم بشيء بعد، إلا أنه وبسبب عملهم معه طوال هذه الأشهر السابقة كانوا على دراية كاملة أن هذا النوع من النقاش الفوضوي هو أكثر ما يكرهه.
ثم هناك فئة أخرى من هذه الجبهة، فئة النبلاء الكبار الذين لم يعلقوا وكانوا يراقبون الوضع فقط حفاظاً على كرامتهم وانتظار هدوء الجميع قبل التحدث.
ثم كانت هناك الجبهة الثانية التي كان الضجيج والارتباك يسيطر عليها وقد سادت حالة من التخبط.
لم يكن التباين في أصواتهم فحسب، بل في "جوهر" اقتراحاتهم التي كشفت عوراتهم.
هنا ظهرت فئة المستسلمين: نبلاء المناطق القريبة من مراكز نفوذ الكنيسة، وهؤلاء بدأوا فوراً بالمطالبة بفهم ما يحدث ولماذا الكنيسة غائبة، وحاولوا المطالبة بإصلاح العلاقات مع الكنيسة وحل أي سوء فهم، وكل اقتراحاتهم كانت ضمن هذا الجزء.
حتى من يعرف الوضع كان يطالب بإصلاح العلاقات مع الكنيسة ومنحها سلطة التدخل والمساعدة في السيطرة على الوضع، وهؤلاء كانوا ينظرون إلى كراسيهم ومصالحهم التي تهددها الكنيسة أكثر من خوفهم على شعبهم.
بينما الفئة الثانية لم تكن أفضل، بل مجرد فئة من الأنانيين: وهم أصحاب الأراضي البعيدة الذين طالبوا بإغلاق بوابات النقل فوراً وعزل العاصمة والمدن المصابة.
في النهاية لا يهم ما يحدث بعد ذلك، المهم أن تظل "قصورهم" آمنة.
وبرزت من بين هذه الجبهة فئة الجبناء: وهم الذين لم يجرؤوا على تقديم اقتراح واحد، بل ظلوا يسألون كأطفال ينتظرون من يحميهم دون أن يحركوا ساكناً.
أمام هذا الصخب لاحظت مورغانا أن عروق راي تكاد تنفجر من جبينيه بينما يحاول أن يظل هادئاً، ضاقت عيناه لكن لم يوقف الصخب بل ظل يراقب بهدوء كما لو أنه ينتظر شيئاً لم يظهر بعد.
فتنهدت مورغانا ونظرت إلى النبلاء مستغربة أين ذهب هدوءهم الذي كان خلال المأدوبة.
وبينما كان راي يجلس على عرشه بهدوء، ويده تسند ذقنه، وعيناه الباردتان تمسحان الوجوه وكأنه يقرأ أرواحهم المهترئة خلف ثيابهم الفاخرة.
لم يستطع فهم ما الذي غير عقلية هؤلاء الأشخاص، أو هل ربما كانت هذه حقيقتهم دائماً؟
في النهاية لم تكن الكلمات التي يلقونها مجرد اقتراحات، بل كانت بالنسبة له صرخات عجزٍ لطبقةٍ تعودت أن تبيع كرامتها عند أول اختبار حقيقي، ثم بدأ الصمت يسيطر على القاعة تحت نظرات راي الهادئة.
وحقيقة الوضع أنه بصمت راي وصمت كل المسؤولين الكبار وأصحاب القرار، أصبح من يتحدثون يشعرون بالإحراج من رفع صوتهم أكثر، فتحولت الصرخات إلى همسات ثم اختنقت تلك الهمسات عندما لم تتلقَ أي رد، وذلك ما كان ينتظره راي.
تنهد وسأل بهدوء: "ما الذي تتوقعون مني وأنتم تنعقون مثل الغربان في منتصف الليل؟"
لقد عادت سلطة الإمبراطور فلماذا يتعامل هؤلاء الأشخاص معه كما لو أنه مجرد فتى صغير يجلس على عرش إمبراطورية منهارة؟
وقد كان هذا تفكير جميع الوزراء والأعمدة نفسه، حتى أن ابتسامة خفيفة ظهرت عليهم بينما رفع راي رأسه من على قبضته وتابع. لأنه لم يكن هناك من يجرؤ على الحديث، فمن يتكلم الآن سيستقبل تلك الإهانة التي أطلقها راي دون رحمة.
"هذا مؤسف حقاً."
"يا لها من عقلية لم أتوقعها من كبار سنٍ مثلكم! تتصرفون مثل الأطفال في هذا الوقت المتأخر من اليوم. لكن حسناً.."
تنهد راي وأبعد شعره الأبيض عن عينيه وتابع: "إن كنتم ستتصرفون بهذه الطريقة، فغادروا القاعة فقط وانتظروا الأخبار الجيدة. أراضيكم، أموالكم، وعائلاتكم ستكون بخير، وسأحرص على أن تعيشوا باقي حياتكم مثيرة للشفقة دون عناء، بشرط ألا أرى وجوهكم مرة أخرى!"
لم يكن راي يطردهم، وجميع من هنا فهم أنه يهددهم بالعزلة السياسية بشكل واضح، ومقابل ولائهم سيحرص على راحتهم، لكن لا أحد كان راضياً عن إهانة راي. رغم ذلك، لم يتمكن النبلاء الصغار من التعبير عن إحباطهم من كلماته، حتى تكلم أحد النبلاء الكبار، وبدايةً من الماركيز لون، أحد النبلاء ذوي المكانة العالية:
"جلالتك، نتفهم إحباطك بسبب الوضع، ألا يمكننا الهدوء والتفكير في حل يرضي جميع الأطراف هنا؟"
وخلف كلمات الماركيز أومأ النبلاء، ثم بدأوا في التعبير عن مظالمهم من كلمات راي، لكن هذه المرة لم ينتظر راي حتى يصمتوا.
"اخرسوا!" أمر راي بهدوء وضرب أكاي السيف خلفه ليجبرهم على الصمت: "إذا شعرت بالإهانة من كلماتي فاعلم أنك المقصود بها فقط."
حل الصمت مجدداً وتابع: "إذا كنت تعتقد أنني أجمعكم هنا في هذا الوقت المتأخر من أجل سماع جدالاتكم دون تفكير في حل المشكلة أولاً، إذن وفر على نفسك المتاعب."
طرق راي بهدوء على يد العرش وتابع وهو ينظر إلى الماركيز لون قبل أن تتحول الهمسات الباقية إلى نعيق من جديد: "اليوم أجلس فقط تنفيذ أً للوعد الذي أعلنت عنه وأمنحكم فرصة مشاركة شرف حل أول مشكلة تواجه الإمبراطورية في عصرها الجديد، ماذا تفعل وما تحصل عليه يعتمد عليك كلياً."
انحنى الماركيز "لون" بوقار، وقد تجلت في حركته كرامة عائلة عريقة عُرفت بفروسيتها. وعندما أدرك أن الجميع ينتظرون منه كلمةً يواجهون بها غضب الإمبراطور أولاً، فعل عكس توقعاتهم تماماً؛ انحنى لراي بهدوء وقال: "أنا تحت أمر جلالتك إن كان هناك شيء يمكنني تقديمه في هذا الوضع المتأزم."
تنهد راي وأجاب: "أنا لا أطلب منكم شيئاً، بل أمنحكم فرصةً لاستعادة مكانتكم هنا. أحتاجكم وتقديراً لمقاماتكم، سأعيد طرح السؤال: هل يملك أي منكم رؤيةً لحل معضلة الطاعون الأبيض، بعيداً عن فكرة الانحناء ولعق أحذية الكنيسة؟"
___________
نهاية الفصل
___________
جاني:)