​كان الوصف لاذعاً لدرجة أن أنجيلا سارعت لتغطية فمها بكفها، محاولةً كتم ضحكةٍ كادت أن تفلت منها، بينما كانت ليلى تخوض صراعاً مماثلاً وهي تراقب الوجوه المتجهمة من حولها.

​تبادل النبلاء نظرات حائرة؛ فرغم قسوة الكلمات، إلا أن المنطق خلفها كان قاطعاً.

​بما أن الإمبراطور لا يحاول تدنيس شرفهم، بل يضعهم أمام مسؤولياتهم، بدأ البعض في استخدام عقولهم بعد الهدوء قليلاً ووسط هذا الصمت، قرر الجميع ابتلاع الإهانة وتوجيه طاقتهم نحو التفكير بدلاً من الجدال، ليعود الضجيج إلى القاعة، لكنه كان ضجيجاً منظماً يهدف للعمل.

​وما هي إلا ثوانٍ حتى بدأت الأقتراحات تنهال على رأي.

​فجأة، قطب رأي حاجبيه بسخط وهو يسمع اقتراح أحد النبلاء: "هل أنت جاد حقاً؟ هل تقترح تصفية كل مصاب قبل أن تنتشر العدوى؟"

​أجاب النبيل بثباتٍ بارد: "بهذا يا جلالة الإمبراطور، يمكننا تطويق الوباء في مهده قبل أن تسود الفوضى."

​"حسناً، فلنتوقف هنا قليلاً،" قالها رأي بحزمٍ أجبر القاعة على السكون، ثم تابع: "ماذا لو استيقظنا غداً لنجد أن كل من في هذه القاعة مصاب، بما في ذلك أنا، مع غياب تام لرجال الكنيسة؟"

​تسمر النبيل في مكانه، وتمتم بارتباك: "جلالتك.. أنا أقصد التخلص من المرضى قبل أن تصل العدوى إلينا."

​"أنت تقصد التخلص من 45% من سكان الإمبراطورية وهذه نسبة انتشار المرض حالياً."

​ضاقت عينا رأي وتابع: "ففي النهاية أنت تقترح بتر العضو المصاب، وأنا أسألك: ماذا لو كان هذا العضو هو الرأس نفسه؟ ماذا سنفعل حينها؟"

​ساد صمت مطبق، فتابع رأي بلهجةٍ أخف: "لكن فكرتك ليست غبية في جوهرها، لكنها لا تصلح لهذا المقام. راجع حساباتك، فحين نتحدث عن الأرواح، أنتظر منكم حلولاً تحفظها، لا حلولاً تمحوها."

​"أمرك،" تراجع النبيل حتى لا يهين نفسه أكثر، لكن لم يتم تقديم أي شيء آخر بعده. وفي النهاية انتهى الاجتماع بأوامر صارمة للتعاون مع وزارتي الصحة والداخلية لفرض الحجر الصحي.

​غادر رأي القاعة بعدها دون الإعلان عن وجود علاج أو خطته بشكل مفصل، لكنه أعطى تلميحاً أنه جاهز. ومع أن الليل قد انتصف، إلا أن العمل لم يتوقف.

​وبعدها مباشرة انخرط في اجتماع إداري مغلق مع الوزراء كشف عن مفاجأة غير متوقعة ؛ ففي المدن البعيدة، كان صغار الكهنة يقاتلون بصدق لإنقاذ الناس، بعيداً عن مكائد قادتهم.

​"أرواح نقية، أم جهل بالحقيقة، أم جزء من خطة الكنيسة؟" فكر رأي وهو يتوجه لغرفته بعد انتهاء الاجتماع المغلق وتوجه الجميع للراحة قليلاً من أجل استعادة تركيزهم في صباح اليوم التالي.

​ومع وصول رأي إلى غرفته، استلقى على سريره يراقب السقف، لكن هواجس الوضع كانت أثقل من أن تدعه ينام.

​في النهاية نهض نحو النافذة، وأخذ ينظر إلى الثلج وهو يتلاشى تحت وطأة مطر خفيف بينما يفكر، ثم تنهد وبدأ يمشي من مكان إلى آخر داخل الغرفة وهو غارق في تفكير عميق.

​وعلى صوت الرعد الذي هز سماء العاصمة، أدرك رأي أن الراحة انتهت، فتنهد قبل أن يسأل أرثيل: "هل يمكننا العودة؟"

​[إلى أين؟]

​"لا أريد في الحقيقة العودة للعمل الآن وأحتاج لتفريغ رأسي، لذلك دعينا نعود إلى الطابق الثاني، دعينا نذهب للراحة هناك ونسيان كل هذه المشاكل للحظة."

​[افعل ما تشاء]

​وكان رأي يطخطخ لذلك. (ملاحظة: إذا كان القصد "يططخ" بمعنى يخطط، تم الإبقاء على اللفظ كما هو لتجنب تغيير المعنى).

​أغلق عينيه لتتحرك أنوار من حوله وتنقله إلى الهرم المقلوب، وما هي إلا لحظات حتى فتح عينيه ليجد نفسه قد عاد إلى الحاوية.

​فتح رأي عينيه بهدوء ليجد باب الحاوية مفتوحاً، لكن لم يكن ذلك هو الجزء الغريب، بل تلك الأنثى والفارستان ساجدتان أمام البوابة.

​"ماذا يحدث هنا؟"

​[لدي نفس السؤال]

​انتبه الطرف الآخر أمام الباب إلى حضور رأي، فتحدثت الفتاة التي تأخذ المقدمة: "أيّها السيد، لقد عدت."

​"أجل،" أجاب رأي مرتبكاً ثم سأل: "لماذا تنادينني بالسيد؟"

​"لأنك سيد الهرم المقلوب."

​حسناً، هذا ليس خاطئاً.. "إذاً من أنتِ؟"

​"اسمي نيرو، الأميرة السابعة عشرة لقبيلة كا،" تابعت نيرو دون أن ترفع رأسها عن الأرض: "أرجوك أن تقبلنا كتضحيات وتترك عشيرتنا تعيش بسلام."

​"تضحيات؟"

​[أيها الشيطان]

​'اخرسي'

​لم يستطع رأي استيعاب أي جملة من كلمات نيرو، وخصوصاً أنه أتى لتفريغ الضغط عن رأسه وليس الحصول على المزيد من وجع الرأس.

​لكن نظراً لأن الطرف الآخر يبدو خاضعاً وليس عدائياً، طلب منهم رأي بهدوء أن يرفعوا رؤوسهم أولاً قبل أن يفهم ما الذي يحصل حقاً.

​وبشكل غير متوقع، نفذ الطرف الآخر الأمر بسرعة، وكانت نيرو التي تقف في وسط الثلاثة تحمل هالة وملامح محاربة بالتأكيد، ورغم أنه يبدو عليها التوتر والخوف، إلا أن صوتها لم يرتجف.

​بينما بدا على الفارسات خلفها أنهن محاربات كذلك، لكن حتى بعد الوقوف لم يتمكنَّ من رفع عيونهن عن الأرض، ناهيك عن أن أجسادهن بدأت ترتجف لدرجة أن صوت احتكاك الدرع على أجسادهن كان من الممكن سماعه.

​شدت نيرو قبضتها ثم ابتلعت ريقها قبل أن تجيب عن الجزء الذي يربك رأي.

​وحسب قولها، فقد وصلت رسالة إلى القصر تؤكد الإمساك بمتسلل يدعي أنه سيد الهرم داخل كهف عزلة الوعاء المقدس، لكن مغادرة رأي للحاوية أكدت شيئاً واحداً للقيادات العليا:

​قد يكون هذا الشخص سيد الهرم حقاً، ففي ظل دفاعات الحاوية من غير الممكن استخدام أي قدرة تؤثر على الفضاء، وقد أكدت الدلائل أن رأي غادر العالم.

​والشخص الوحيد الذي يستطيع فعل ذلك هو سيد الهرم.

​وإهانة سيد الهرم بسجنه زرعت الخوف في قلوب المسؤولين الذين يعرفون ذلك، ولذلك تم القرار في الاجتماع بالتخلص من الحاوية برميها من فوق جزيرة طائرة وإخفاء خبر ظهور سيد الهرم؛ فقد ولى العصر الذي كان ينتظر فيه الأسلاف ظهور سيد الهرم للخروج من هذا العالم .

​كما أنه مع مرور كل هذا الوقت لم يعد هناك سوى القليل من المعلومات عن سيد الهرم وأغلبها في يد العائلة الملكية، لذلك كان لدى الآخرين الشجاعة من أجل التخلص من الحاوية لعلمهم أن سيد الهرم بعد أن يغادر لن يستطيع الظهور إلا في المكان نفسه الذي غادر منه.

​إذاً طالما يتم التخلص من الحاوية فليس لديه أي طريقة للوصول إلى الجزيرة من جديد.

​رفض الملك هذا المقترح، لكن مع ضغط المسؤولين لم يستطع في النهاية سوى الخضوع، ولتجنب غضب سيد الهرم والعودة من أجل الانتقام، فقد تم إرسال ابنته واثنتين من أجمل الفارسات مع العديد من الهدايا من القبيلة رغبة بترك قبيلتهم تعيش بسلام دون التدخل في أمورها.

​"إذاً باختصار، الملك يقول لي: خذ هذه الأشياء ولا تعد."

​ارتجفت نيرو وحاولت الدفاع بسرعة، لكن تنهد رأي وتابع قبل أن يسأل: "ما رأيك يا أرثيل؟"

​أرثيل؟ كانت الفارستان ونيرو مرتبكات، لكن لم يهتم رأي لذلك.

​[لقد ذكرت أن الملك تم إجباره على ذلك القرار وحاولت التأكيد على ذلك، ولذلك أعتقد أن هذا الجزء من القصة ملفق]

​'هل تعتقدين ذلك أيضاً؟'

​[أجل، إن لم أكن مخطئة فهو يعتقد أنك سوف تعود غاضباً بسبب عدم إظهار احترام مناسب لك، ويريد استخدام هذه التضحية والهدايا لكسب ودك واستخدام يدك للتخلص من المعارضين لسلطته. وحتى في حالة رفضت العودة فهو لن يخسر شيئاً ويكون قد تخلص منك لأنك عنصر أكثر خطورة من المسؤولين]

​'الجميع يتآمر حتى هنا،' ابتسم رأي ساخراً.

​[ماذا سوف تفعل إذاً؟ لو أردت فيمكنك دك حفرة الجرذان هذه في أي وقت، فالهرم المقلوب تحت سيطرتك الكاملة وتغيير التضاريس أسهل من الدخول والخروج من الهرم]

​'لا بأس، لست غاضباً،' نظر رأي إلى نيرو بهدوء وسأل: "نيرو، هل تدركين أن والدك قد تخلى عنك؟"

​"لا سيدي، إنه لشرف لي أن أُقدَّم كهدية لك ."

​"فهمت،" ضاقت عينا رأي ولم يفهم شيئاً.

​أخذ يبعثر شعره ثم سأل مجدداً: "إذاً أين نحن؟"

​"إجابة على سؤالك،" أشارت نيرو خلفها وتابعت: "نحن في الأرض الحمراء، مقبرة المتمردين."

​"وماذا تكون هذه؟"

___________

نهاية الفصل

___________

2026/08/17 · 18 مشاهدة · 1163 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026