بعد أن أخذ راي كفايته من جسد الغرفة، أشار له الذئب الصغير الذي توقف قبله بأن عليهم المغادرة، فأومأ راي برأسه قبل أن يلحق به بعد أن لاحظ أنهم سوف يذهبون غربًا مجددًا مما أربك راي.
في البداية توقع أنه وبعد الأكل سينطلقون من أجل مساعدة الذئب الكبير، لكن المكان الذي أشار له الذئب الصغير كان مختلفًا تمامًا.
جاهلًا بسبب هذا القرار، قرر راي اتباع الصغير أولًا ومعرفة السبب لاحقًا، واستمرت الرحلة بعد ذلك ليومين دون راحة، ورغم تعرضهم للهجوم في بعض الأحيان إلى أن الذئب الصغير منع راي من التوقف، وبسرعتهم كان يتم تفادي الهجمات تلقائيًا ليستمرا بالتقدم نحو الأمام، حتى بدأ الجو حول الغابة يتغير والظلام يخف، وعندما أدرك راي ذلك كان قد غادر حدود الغابة ليتوقف على حافة الجرف الذي يطل على البحر.
توقف راي مذهولًا يحدق بالبحر وصوت اصطدام الأمواج يتردد كلما اصطدم بجدار تحته، ثم اقترب الذئب الصغير وجلس قرب راي وأخذ ينظر إلى غروب الشمس.
لقد بدا المشهد مثل الوقوف على حافة العالم من أجل مشاهدة الغروب، مما ترك راي المنبهر ينسى أمر التعب الذي أصابه خلال هذين اليومين، ووقف وعيناه ترفضان أن ترتفعا عن المشهد.
ولم يقاطع الذئب الصغير تأمل راي، لكن سرعان ما انتبه راي أن صوت الأمواج لم يكن هو الصوت الوحيد المسموع، بل بعد تركيز قليل كان صوت الشلال القريب واضحًا.
نظر راي ناحية مصدر الصوت وسرعان ما رأى النهر يرمي بمياهه على البحر.
مشهد مهيب يتشكل أمام عينيه، مما جعل راي يشعر بأسف لعدم قدرته على النظر إلى هذا المشهد بألوانه كاملة.
في وقت لاحق بعد ذلك ومع حلول الليل، بدأ راي ينظر إلى الذئب الصغير وينتظر الخطوة التالية، فمن المستحيل أن يكون المسار الثاني هو القفز داخل البحر، لكن مهما حاول الإشارة إلى الذئب لم يتمكن الذئب من فهم نيته.
على الأقل في هذا المكان لم يكن هناك من يهاجمهم، فلو كان لوضع الذئب حلقة اللهب على الأقل قبل أن ينام لكنه لم يفعل.
صباح اليوم التالي، وبعد الجلوس والانتظار في نفس المكان حتى حل الظهر، بدأ راي يشعر بالملل، ففكر قليلًا قبل أن يطلب من الذئب الصغير تعليمه كيف يطلق شعلة اللهب تلك.
من حسن الحظ فهم الذئب الإشارة وبدأ بتعليمه، لكن من الواضح أن هذه الحركة كانت على مستوى مختلف تمامًا.
دون أي تقدم مر اليوم وحل صباح اليوم التالي، وبينما يتدرب راي ويحاول فهم إشارة الذئب، لاحظ شعلة من اللهب تقترب من ناحية النهر وبسرعة كبيرة، اقتربت قبل أن تتوقف ويسقط جسد الذئب الكبير على الأرض وجسده مغطى بعلامات المخالب وينزف من عدة أماكن، ومع ذلك لا تزال البلورة القرمزية في فمه.
وضعها الذئب بسرعة بعد الوصول ثم نظر خلفه وزمجر وهو يشير إلى الذئب الصغير، فأسرع الذئب الصغير من أجل تناول تلك البلورة القرمزية.
وما إن أكل الذئب الصغير البلورة القرمزية حتى دخل وضع الطيف، وكذلك فعل الذئب الكبير رغم جراحه، فدخل راي وضع الطيف من باب العادة، لكن فجأة ودون سابق إنذار اتخذ الذئب الصغير خطوة مجنونة وقفز من على الجرف مباشرة نحو البحر، بينما تقدم الذئب الكبير بجانب راي وأمسك قدم راي قبل أن يسحبه ويقفز معه نحو البحر.
خائفًا حاول راي المقاومة دون وعي، لكن الوقت كان قد فات واصطدم جسده بالماء بعد أن كتم أنفاسه بقوة، وقبل أن يفتح عينيه شعر بأسنان على إحدى قدميه تسحبه دون أن تؤذيه.
ثم بدأ راي يشعر بشيء بداخله يجبره على التنفس.
حاول راي المقاومة في البداية، لكن عندما وصل إلى حده ترك الهواء بداخله يخرج وهو يفتح عينيه قبل أن يدرك أنه قادر على التنفس.
نظر راي إلى الأمام مندهشًا من قدرته على التنفس تحت الماء، لكن أصبح كل شيء بلا معنى بعد أن وجد نفسه يُسحب في قلب عالم ساحر من المرجان والأسماك الصغيرة، فأخذ ينظر أمامه منبهرًا ومتناسيًا كونه تحت الماء.
عندما لاحظ الذئب الكبير استرخاء جسد راي قام بتركه، فاستيقظ راي قبل أن يرى الذئب الكبير يشير بهدوء أن يتبعهم، وقد بدا الجو في تعابيره أكثر ودية مما كان عليه طوال رحلتهم داخل تلك الغابات.
لكن الجروح التي تغطي جسده بدت مؤلمة جدًا.
أومأ راي بسرعة وتحرك، وبدأ يستخدم الماء لدفع نفسه وهو في وضع الطيف من أجل اللحاق بالذئب الكبير، كما أن الذئب الكبير أسرع قليلًا من أجل اللحاق بالصغير المتحمس الذي تركهم من أجل الوصول لشيء ما.
استمر الطريق تحت الماء لفترة، واستمر السطح في الابتعاد أكثر فأكثر، حتى وصلت الذئاب الثلاثة إلى جرف تحت الماء، ودون تردد سبح الثلاثة داخل الجرف ثم غاصوا أكثر حتى بدأ راي يتخلف عنهم بسبب الضغط الهائل للماء.
أبطأ الذئبان احترامًا له، لكن استمرا بتحفيزه على الإسراع، ومع ذلك كلما نزلوا أكثر كلما شعر راي بضغط أكبر، وكلما شعر بضغط أكبر كلما تباطأت سرعته أكثر، ولم يكن هذا الضغط على جسده وحده.
لكن عندما لاحظ راي أن الذئب الكبير يعاني بسبب تأخره، ضغط راي على أسنانه واستمر بمتابعتهم، ثم أسرع عندما بدأ يشعر أنه ومهما كان ذلك الشيء الذي يمنحه القدرة على التنفس تحت الماء فتأثيره يتناقص بسرعة.
ويبدؤ على الذئاب تعبير الاستعجاب أيضًا، فأطلق راي الهالة البنفسجية مضحيا بورقته الرابحة من أجل اكتساب السرعة.
وبسرعة تمكن راي من تخطي الذئبين قبل أن يلحقا به بسرعة راضين عما يفعله، بينما عبس راي عندما لاحظ استرخائهم أثناء مجاراة سرعته حتى تحت هذا المستوى من الضغط.
'لم أتوقع أنني عبء عليهم لهذه الدرجة'
تنهد راي واستمر في الغوص أسرع.
وكلما غاص أكثر كلما شعر بشيء غريب، فالضغط الذي كان يشعر به بدأ يخف تدريجيًا، وبدأ الظلام الذي طوقهم ينحسر بسرعة، لكن فجأة أطلق الذئب الكبير جرعة من الدم جعلت الجميع يتوقف.
تحرك الذئب الصغير بسرعة وكذلك راي للإمساك بالذئب الكبير، وبإرشاد الذئب الصغير كان عليهم الغوص أكثر، لكن في حالة الذئب الكبير الحالية...
عبس راي ثم أغلق عينيه وأطلق الهالة البنفسجية بالكامل لتحيط بالذئبين أيضًا، فتفاعل الذئب الصغير وبدأ يتحرك مع راي داخل الهالة من أجل الاستمرار في الغوص بشكل أسرع.
وبينما تتزايد سرعتهم بدأت الهالة البنفسجية تتغير أيضًا لتتخذ شكل سمكة الشراع، فبدأ الماء ينساب أكثر حولهم ويسمح لهم بالغوص بشكل أسرع، قبل أن يدرك راي أنه لا يتجه إلى الأعماق بل إلى السطح.
كان إدراكًا مفاجئًا لكنه لم يتوقف بسببه، واخترق السطح ليحلق لعدة أمتار مع الذئاب قبل أن تتلاشى الهالة، ليأخذ راي نفسًا طويلًا قبل أن يبدأ بالسقوط، وعندما استدار جسد راي لينظر نحو الأرض مستعدًا للسقوط في البحر،
وجد نفسه يحدق في النهر، فتفاعل بسرعة واستغل كونه في وضع الطيف وتحرك للنزل على جانب النهر، بينما تحرك الذئب الصغير أيضًا وهو يساعد الذئب الكبير للهبوط بسلام بجانب راي.
بأنفاس مضطربة وشهيق وزفير وحشي، نظر الذئب الكبير إلى راي والذئب الصغير ممتنًا، لكن راي كان مرتبكًا وهو ينظر للنهر أمامهم، ثم إلى الغابة خلفهم، والغابة في الاتجاه الآخر، ثم تماثيل الوحوش المختلفة، وعاد السؤال ليطرق رأس راي:
'نزلنا من البحر... خرجنا من النهر'
لم يصدق راي حتى أنه يسمع نفسه يقول ذلك، وفجأة اقترب منه الذئب الصغير ولعق وجهه، مما جعل راي يضع ذلك جانبًا ويسعد بكونهم نجوا من الموت تحت البحر.. النهر.. أينما كان.
عندما نظر إلى نظرة امتنان الذئب الكبير تنهد بصمت؛
الشخص الذي يستحق الامتنان هنا هو الذئب الكبير، في الواقع مهما فكر راي لم يجد نفسه أكثر من مجرد عبء عليهم.
وبينما يجلس الثلاثة وكل واحد غارق في تفكير مختلف، فجأة ظهرت شرارة قرمزية من العدم تلتف حول الثلاثة، قبل أن تنقسم إلى ثلاث كرات صغيرة من الضوء، فتسقط الأولى على الذئب الكبير الذي كان لا يزال يحتفظ بوعيه، فبدأ جسده يشفى بسرعة كبيرة بعدها.
ثم سقطت الثانية على الذئب الصغير فبدا متحمسا وهو يستقبلها، ثم دارت الثالثة حول راي عدة مرات بعد أن حاول التهرب منها قبل أن تسقط على جبينه.
وما إن اختفت الشرارة حتى نظر راي إلى الذئبين متسائلًا عن ماذا كان ذلك، لكن تجمدت نظراته عندما وجد الذئبين قد تحولا إلى تماثيل حجرية.
قبل أن يتفاعل راي مع ذلك، وجد وعيه يثقل قبل أن يسحبه إلى الظلام، وبعد أن فتح عينيه وجد نفسه في فضاء اللهب الأسود من جديد.
"هل... مت؟"
ابتلع راي ريقه لكنه لم يشعر بأي ألم، وبينما يتساءل عما حدث، بدأ اللهب الذي يتصاعد حوله يتصرف بغرابة، فانتبه راي لذلك قبل أن يجد اللهب يقترب منه بسرعة، وبدأ جسده يستقبل اللهب بأذرع مفتوحة.
توقف تفكير راي وتحركت غريزته، وبدأ جسده يسحب اللهب داخله ويقوم بتوجيهه إلى الداخل، بينما بدا أن اللهب يبحث عن شيء في جسد راي، وعندما لم يجده تعمق أكثر حتى توجه إلى بوابة الأرض، ثم بدأ راي يسحب اللهب بسرعة كبيرة داخل بوابة الأرض.
دقائق من ألم عابر، ولحظات من صمت، بينما تشكلت دوامة أمام راي تبتلع اللهب حولها دون توقف.
ثم تحولت الدقائق لساعات قبل أن يتباطأ سحب اللهب ثم يتوقف، ليفتح راي عينيه محدقًا نحو الأعلى بصمت واللهب الأسود فوق جلده قبل أن ينطفئ.
وأمام راي تحرك اللهب من جديد وشكل دوامة بيضاء تشبه البوابة، فنظر لها راي قبل أن يدرك أنها مخرج.
بسرعة ودون تردد تحرك بينما ينطفئ اللهب من على جسده ليخرج من البوابة، وما إن فتح عينيه ووجد الذئاب تنظر له ووجد نفسه في الطابق الأول، حتى وقع على ركبتيه ممتنًا.
____________
نهاية الفصل
____________
جانا