لم تعد القاعة كما كانت قبل لحظات. فمع كل إعلانٍ جديد، كان شيءٌ غير مرئي يُسحب من تحت أقدام النبلاء، حتى استقر المكان على فتورٍ ثقيل يشبه الذهول، حيث جلس الدوقات، ملوك الأقاليم، بوجوهٍ جامدة يراقبون تقلّص دوائر نفوذهم واحدًا تلو الآخر.
وكان أكثرهم صمتًا دوق الشرق، الذي أخفى خيبته خلف قناعٍ من الكبرياء؛ فقد ظنّ أن وزارة الزراعة امتدادٌ طبيعي لسلطته على الحقول، فإذا بسيلاس يغادر بها، تاركًا إيّاه في موقع المتفرّج. لم يظهر عليه شيء… سوى زفرةٍ حُبست في صدره ثم ماتت قبل أن تُسمع.
وظلّ الهدوء مخيّمًا، فقد وُضع القانون أولًا…ثم أُمنت سنابل القمح…وبقي ما لا تقوم دولةٌ بدونه، حتى لو امتلكت العدل والغلال معًا.
عاد ري بسعالٍ خفيف أعاد الأنظار إليه، ثم قلب الصفحة التالية ببطءٍ مقصود. لم يحتج إلى خطاب؛ فالمشهد نفسه كان يشرح ما سيأتي. لم يعد الحديث عن ساحات القضاء، ولا عن خصوبة الأرض، بل عن الدخان الصاعد من المداخن، وعن المناجم التي تنام في جوفها قوة الإمبراطوريات، وعن الأسواق التي يتحول فيها العرق إلى ذهب.
[وزارةُ الصناعة والتجارة: المسؤولة عن الأسواق، وتنظيم الحرف، وإدارة المصانع الكبرى… القلب الذي تتحول فيه الموارد الخام إلى قوة.]
توقف ري لحظة، ورفع رأسه كأنما يبحث عن رجلٍ يعرف الجميع مكانه مسبقًا، فمرّت نظرته على الصفوف دون استعجال. لم تكن نظرة اختيار… بل نظرة تثبيتٍ لقرارٍ اتُّخذ قبل أن تبدأ هذه المراسم، وحين نطق الاسم، تحرّك الهمس في القاعة كما يتحرك الحديد قبل أن يطرق
[الدوق فيكتور آيرون… تقدم من فضلك.]
الرجل الذ لم يُعرف يومًا بكثرة ظهوره في البلاط، بل بثقل حضوره حيثما وُجد. كانت دوقيته تمتد على أطراف أعظم السلاسل الجبلية في الإمبراطورية، حيث لا تُقاس الثروة بعدد الحقول… بل بعمق المناجم، ولا تُحفظ الهيبة بعدد الجنود… بل بما يخرج من الأفران.
هناك، حيث يعمل الحدادون ليلًا ونهارًا، وحيث تتوهّج الصخور قبل أن تُطوّع، قامت أكبر ورش صناعة السلاح والمعادن. وكان اسم فيكتور مرتبطًا بتلك القوة الصامتة التي لا تُرى في المجالس… لكنها تُحسم بها الحروب.
نهض الدوق ببطءٍ محسوب، لا يحمل استعجال الطامعين ولا حذر المترددين. قام كما تقوم كتلةٌ من صخرٍ اعتادت مكانها، ثم تحرك نحو المنصة بخطواتٍ ثقيلة ثابتة، خطواتٍ بدت كأن أرض القاعة نفسها تعترف بها.
تقدّم، انحنى للعرش، دون مبالغةٍ في الحركة، ودون أن يحاول تزيين اللحظة بشيءٍ خارج طبيعته.
و تقدّم سيسلين بصندوق التشريفات، حاملاً مفتاحًا نقش عليه لقب (الصناعة)، وقلمًا ثقيلاً خُطّ عليه إسم (الصلب). لم تكن الرموز هنا للزينة… بل بدت وكأنها امتدادٌ طبيعي للرجل الذي يقف أمامها.
لم تتكلم مورغانا، بل اكتفت بفتح صندوق التشريفات وإخراج القلم، تاركةً ما سيقال للعرش وحده؛ فالرجل الذي يقف أمامهم ليس تابعًا يحتاج تثبيتًا… بل حاكمٌ يستطيع، إن أراد، أن يدير ظهره ويرحل.
نظر راي إلى فيكتور طويلًا قبل أن يتحدث، وكأن الكلمات تُوزن بعنايةٍ أكبر من المعتاد."دوق فيكتور…إرفع رأسك"
أبتسم راي وتابع "أنت رجل لو أردتَ أن تغلق ممرات الجبال وتعلن حدودك مملكةً قائمة بذاتها… فلن يقدر أحد في هذه القاعة أن يمنعك."
تحرّك بعض النبلاء بقلق، ونظروا إلى راي في محاولة إستخلاص شيء من كلامه لكن راي تابع دون أن يلتفت إليهم.
"لديك الحديد ولديك الرجال. ولديك الأرض التي لا تحتاج إلى خزائن العاصمة لتبقى حيّة." وهذا واقع إعترف به، إذا كانت هناك أرض تتفوق على أراضي الشرق فسوف تكون أراضي جنوبية
"لهذا لم أستدعك لأنك تحتاج المنصب… بل لأن الإمبراطورية تحتاج الرجل الذي اختار البقاء رغم أنه لا يُجبر على ذلك."تابع راي و ساد صمتٌ مختلف هذه المرة؛ صمتٌ لا يحمل توترًا، بل انتظارًا. "تذكر، وزارة الصناعة لن تكون قيدًا عليك"
"بل ستكون الجسر الذي نُبقي به هذا الكيان متماسكًا… إلى أن يقرر التاريخ إن كنا سننهض، أو سنسقط بشرف." تقدّمت مورغانا خطوةً واحدة فقط، وقدّمت القلم دون كلمة، كأنها تشهد على العهد لا تمنحه.
"لن أطلب منك الولاء... أنت أثبتَّه بمجرد حضورك."
توقّف فكتور لحظة، لا لأنه يبحث عن جواب، بل لأنه يختار الكلمات التي لا تُفهم خطأ، ثم قال بصوتٍ ثابتٍ خالٍ من المجاملة
"جلالتك، أنا هنا لأنك تقاتل الانهيار، لا لأنك توزّع مناصب. إن كنتَ ستصمد، فستجدني خلفك. وإن كنتَ ستفشل… فلن يغيّر أي لقبٍ ذلك. أرفع شكري بحدة السيف إلى شمس الإمبراطورية" إبتسم راي ونظر إلى مورغانا وتابع "وإلى قمرها"
إبتسمت مورغانا فقد كان هذا إعتراف يحمل وزنا أكبر من وزن اعتراف جميع النبلاء في القاعة، الفتاة التي فقدت دعم والدها وتلوثة خلفيتها علم الجميع أن راي قدمها لتعيد هيكلة مكانتها لكن ما قبل هذا أعتراف وبعده عالمين منفصلين
إبتسم راي و لم يعلّق، لم يكن في المشهد ما يحتاج تعليقًا أصلًا.
فكتور لم يأتِ ليأخذ منصبًا… بل ثبّت دعامةً أخرى في بناءٍ يتداعى، وحين تسلّم القلم لم تُسمع تصفيقات، ولم تُرفع أصوات المباركة؛ كان الصمت نفسه إقرارًا، صمتًا يشبه صوت الحديد حين يبرد بعد الطرق.
أغلق سيسلين صندوق التشريفات ببطء وسلمه إلى الدوق ، فعاد الصوت الخافت للمعدن ينساب في القاعة، وكأنه يضع حدًّا لتلك اللحظة. وعندها فقط حرّك راي الصفحة التالية.
لا استعجال…ولا استراحة... فالدولة التي تنتظر اكتمال مراسمها قبل أن تواصل العمل… هي دولةٌ قررت السقوط سلفًا.
رفع عينيه إلى الحضور مجددًا، لكن نظرته هذه المرة لم تتجه نحو الجبال، ولا الحقول، ولا ساحات القضاء. بل نحو شيءٍ آخر…شيءٍ لا يُرى، ومع ذلك إن اختلّ، اختلّت معه كل تلك الأشياء. فتغيّر صوته، لا في حدّته، بل في طبيعته؛
معلنا بصوت رجلٍ ينتقل من تثبيت الأعمدة… إلى ضبط ما يجري بينها [التالي]
[وزارةُ التعليم والثقافة: المسؤولة عن المدارس، والجامعات، وتنظيم المعرفة، وتوجيه ما يُدرَّس لأبناء الإمبراطورية.]
لم يتحرّك أحد.
لم يكن هذا المنصب مما تتجه إليه أطماع الدوقات، ولا مما تُقاس به الثروات، ومع ذلك شعر كثيرون بثقل الإعلان أكثر مما شعروا عند ذكر الصناعة؛ فالسيف قد يحسم معركة، لكن الكلمة وحدها من يقرّر أيَّ المعارك ستُخاض أصلًا.
[قبل إعلان إسم، هناك نقطة يجب توضيحها] توقف ري ورفع عينه على أوراق وأشار بهدوء [هناك فرق بين الركن والوزارة، أقصد. بذالك ركن العلم و وزراة التعليم]
[بختصار الركن هو "العقلُ المُدبِّر" ودوره أنه يضع المناهج العليا، ويقرر الأهداف الإستراتيجية للإمبراطورية]
شرح ري فقط الفرق ولم يتطرق لعمل الركن مباشرة، ويعتبره دوره على وزارة محدود مقارنة بمهامه أساسية، إكتفى ري بتوضيح فروقات فقط وتابع
[أما وزارة التعليم والحكمة فهي "الأداةُ التَّنفيذية" و سلطتها تتمتل في تنفيذ القوانين التي وضعها "الركن". أما الوزير… فليس صاحب قرار. بل الرجل الذي يُجبر القرار على أن يحدث.]
توقّف ري عند هذه النقطة، لا ليبحث عن الكلمات، بل ليترك المعنى يستقرّ في القاعة. كان الشرح بسيطًا، أقرب إلى وضع حجرٍ في مكانه الصحيح داخل بناءٍ معقّد، ثم أغلق السجل قليلًا وأضاف بنبرةٍ هادئة
[لذلك، هذا المنصب لا يُعطى لمن يملك الأرض… بل لمن قضى عمره دون أن يملك شيئًا سوى المعرفة.]
أعلن ري وهو يرفع عينيه نحو المقاعد الخلفية
[إلياس وايز.. تقدم فأنت من مؤهلين لهذا المنصب]
نُطق الاسم، لكن لم يحدث اعتراض…بل حدث شيءٌ أثقل من الاعتراض... فقط سكون أطبق على القاعة.
ليس صمت الاحترام، ولا صمت الصدمة، بل ذلك الفراغ القصير الذي يظهر حين يعجز العقل عن تصنيف ما سمعه. تبادل بعض النبلاء النظرات، لا لأنهم لم يفهموا الاسم، بل لأنهم فهموه جيدًا.
وهذا ما جعل الأمر غريبا، رجلٌ بلا لقب..بلا أرض... بلا راية...حضوره في القاعة لم يكن أكثر من إضافة في الخلفية فحرك دوق الغرب خاتمه حركةً صغيرة، مجرد عادةٌ قديمة حين يفكّر في الاعتراض… لكنه لم يتكلم.
لأنه، وببساطة، لم يجد الحجة... فالمنصب لم يُعرض عليهم أصلًا و في الصفوف الخلفية، بدا الارتباك أوضح.
التفت الحاضرون نحو الرجل الذي ذُكر اسمه، كأنهم ينظرون إليه للمرة الأولى، رغم أنه كان بينهم منذ البداية.
وجودٌ عادي، باهت… وهذا تحديدًا ما جعل اختياره غير مريح، أما إلياس نفسه، فتأخر نصف لحظة قبل أن يتحرك، ليس ترددًا، بل كمن يتأكد أن النداء لم يُخطئ الطريق إبتلع ريقه و رفع رأسه ثم نظر إلى ري مباشرة، قبل أن يقف ويتقدم.
لا انحناءة مبالغ فيها، ولا اعتذار صامت كما يفعل من يُستدعى فوق مكانته.. تقدّم كما يتقدّم رجل استُدعي لعملٍ يعرفه… لا لشرفٍ يجهله.
في النهاية المناصب تُمنح في يومٍ واحد…أما الأفكار، فإذا زُرعت، فمن يملك حق اقتلاعها؟.
____________
نهاية الفصل
____________
[معلومات جانبية: مقتطف من السجل الإداري للإمبراطورية – قبل الانهيار بـ 18 عامًا]
— عدد المدارس الرسمية المسجلة: 312 مدرسة
— عددها الحالي القابل للعمل: 6 فقط
— ثلاث مقاطعات كاملة لم ترسل أي طالب للعاصمة منذ سبع سنوات.
— آخر طبعة موحّدة للكتب صدرت بأمر إمبراطوري قديم، ولم يُحدّث محتواها منذ جيلٍ كامل.
— في بعض الأقاليم، أصبحت النقابات الحرفية هي التي تُعلّم القراءة… لا الدولة.
[حين تفقد الدولة حقّ التعليم، تبدأ بفقد حقّ الحكم.]
رمضان كريم 🌹