تقدّم الرجلُ المطلوب دون أن يستأذن، وكأن النداء لم يكن دعوةً بل إجراءً مكتوباً. لم يظهر على وجهه شيء من المفاجأة أو التردد؛ كان راضياً.. لا اعتزازاً بالمنصب، ولا امتناناً للاختيار، بل كان ذلك الرضا العملي لرجلٍ نُقل من مهمةٍ إلى أخرى يراها أكثر اتساعاً فحسب.
كان هذا هو المفتش القضائي العام سابقا، جوليان ستيرن؛ وقد أصبح أعلى سلطةٍ تنفيذية للقانون في الأقاليم الحدودية. رجلٌ لا يرى العدالة فضيلةً أخلاقية، بل وظيفة لأن القانون عنده ليس نصوصًا تُفسَّر، بل أوامر تُنفَّذ.
كان يرتدي رداءً قاتماً خالياً من أي شارة نبالة، وكأن منصبه لا يحتاج إلى نسبٍ يشرّفه، بل إلى نتائج تثبته. كانت خطواته ثابتة، محسوبة، لا تحمل استعراضاً ولا رهبة؛ خطوات رجلٍ اعتاد أن يدخل القاعات ليُنهي القضايا، لا ليبدأ النقاش.
ما إن ظهر حتى تبدّل مزاج القاعة؛ اعتدل بعض النبلاء في جلستهم، وأشاح آخرون بأنظارهم، بينما خيّم ذلك الصمت الذي لا يصنعه الاحترام.. بل الحذر. فالواقف أمامهم لم يكن سياسياً يمكن استمالته، بل قاضياً اشتهر بأنه يتعامل مع البشر كما يتعامل مع الملفات: وقائع، أدلة، وحكم.
بدأ اسمه يثير القلق في العاصمة منذ سنوات، تحديداً عندما حاول أحد اللوردات شراء صمته برشوةٍ ضخمة لتبرئة ابنه من جريمة قتل؛ لم يرفض جوليان الرشوة فحسب، بل حوّلها إلى دليلٍ مادي، وفتح بها قضيةً انتهت بإدانة اللورد وابنه معاً في جلسة واحدة.، أُعدم الابن بتهمة القتل، وأُحيل الأب للمحاكمة بتهمة الفساد وقبلها بوقتٍ قصير، كان قد وقف ابنه هو شخصيا متهماً أمامه، فلم يطلب تأجيلاً، ولم يسعَ لعفو، بل قدّم الأدلة بيده وأصدر الحكم كما لو أن المتهم غريبٌ عنه تماماً.
كان عادلاً… ولذلك لم يكن مريحًا لأحد.
مند ذالك اليوم الذي اكتسب فيه سمعة القاضي العادل... أصبح وجوده غير محتملٍ للأرستقراطية خصوصا عندما بدأت شهرته تزيد في عهد الإمبراطوري التالث عشر. فقد كان يطبّق القانون بلا مجاملة، وبلا مساحةٍ للتفاوض وبدعم من الشعب ومباركة بعض النبلاء منهم دوق الجنوب ، وهذا ما لم يكن النظام الإقطاعي مستعداً لتحمّله طويلاً. خصوصا خلال بينما تنهار الإمبراطورية،
ولأن عزله صراحةً كان سيُعدّ اعترافاً بفسادهم، اختاروا الحلّ الأكثر لباقة: نقله إلى مقاطعةٍ حدوديةٍ بعيدة، وفقيرة، ومليئة بالفوضى.
كان ذلك نفياً مقنّعاً، لكن جوليان لم يعترض.. بل ذهب، حتى لو لم يكن له خيار إلى أنه ذهب هناك بكرامته قبل 5 سنوات في عهد الإمبراطور الرابع عشر.
وخلال خمس سنوات فقط، اختفت شبكات التهريب، وتفككت العصابات، وتحولت المقاطعة المنسية إلى أكثر مناطق الحدود انضباطاً؛ فقد كان يرفض أن تتراكم القضايا، أو يجد الفساد وقتاً لينمو. هناك.. أطلق عليه الناس لقباً لم تمنحه له الدولة: "الجلاد".
لقبٌ لم يحمله لأنه قاسٍ بطبعه، بل لأنه كان يرى أن العدالة المتأخرة هي فسادٌ من نوعٍ آخر. وكان مبدؤه الذي لم يغيّره منصبٌ ولا مكان:"القانون لا يُحذّر.. بل يبتر."
إنه شخص يعتقد أن السجن هو "مأوى مؤقت" ينتظر فيه المجرم عفواً من قريبٍ ذي نفوذ، لذا انتهج سياسة البتر الفوري و حوّل منصات القضاء إلى مشانق علنية، وطبق القانون بأسلوبٍ استئصالي لا يترك مجالاً للمراجعة، واليوم يعود إلى العاصمة بأمر إمبراطوري بعد أن قام بنقش مكانته في ما يسمى المنفى.
مع وصوله أمام المنصة ، إنحنى بحترام للعرش، و تقدم سيسلين مع صندوق تشريفات يحمل الختم مع مفتاح رمزي عليه لقب (الميزان القانوني)، وقلم منقوش بلقب (المنفذ)
بينما يتوقع الجميع أن تشيد مورغانا بأعماله، وبينما يتوقع هو نفسه أن تتحدث عما سلف، ما كان منها إلا أخذ القلم وتمريره بهدوء ثم النظر إلى عيونه وتختصر كل ما سلف في كلمة واحدة "أحسنتَ عملاً".
لم تكن الكلمة عالية، ولا احتفالية، لكنها سقطت في القاعة كحكمٍ نهائي.
تبادل بعض النبلاء النظرات، كأنهم ينتظرون تتمّةً لم تأتِ. ابتسم راي وندر نحو مورغانا بتقديرٍ خافت، وحتى ري توقّف لحظةً ونظر إلى مورغانا.
ذلك الإيجاز لم يكن تقليلًا… بل اعترافًا لا يحتاج شرحًا.
وأمام هذا الاعتراف، هدأت عينا جوليان. من يعرفه جيدًا قد يظن أنه ابتسم، لكن ملامحه بقيت ثابتة. انحنى، وتناول القلم، وكأن الضجيج الذي لازمه لسنوات قد انطفأ أخيرًا، لا لأن العبء زال… بل لأن جهده قد وُضع في موضعه.
وقال بصوتٍ راسخ " أرفعُ شكري بحدِّ السيفِ وبصدقِ الكلمة إلى شمسِ الإمبراطورية وقمرِها."
تردّدت عبارة «أحسنتَ عملًا» في ذهن جوليان وهو يعود إلى مقعده حاملاً صندوق التشريفات. كان وقعها خفيفًا…ولطيفا وهادئا..على نحوٍ لم يألفه.
عقله، الذي لم يعتد إلا ضجيج القاعات، وتداخل الأصوات، وصرخات المحكوم عليهم، تلقّى الكلمتين كقطرة ندى سقطت في سكون الفجر، فخمدت تلك الفوضى لتخرج مع تنهيدة خفيفة وهو يجلس في مكانه
ولم يطل الصمت.
استعاد ري صوته الرسمي، كأن المراسم لا تسمح للعاطفة أن تمكث طويلًا، وأعلن [وزارةُ الزراعة والموارد المائية: الوزارة المسؤولة عن الغذاء، واستصلاح الأراضي، وحماية مصادر المياه…]
رفع بعض الحاضرين رؤوسهم بفتور؛ فالتوتر الذي خلّفه تعيين جوليان لا يزال عالقاً في حناجرهم لن ما إن نطق ري بالاسم التالي، حتى سرت في القاعة أنفاس ارتياحٍ مسموعة، وتبدلت ملامح الوجوه وكأن غيمةً سوداء قد انقشعت فجأة.
[الماركيز سيلاس جرين… تقدم إذا كنت ترى نفسك أهلا لهذه المسؤولية.]
بمجرد إعلان الاسم، خفّت حدة الاحتقان، واتجهت الأنظار بتقديرٍ تلقائي نحو أحد كبار نبلاء الشرق. سيلاس جرين؛ الرجل الذي يمتلك "الجنة" الوحيدة المتبقية على أطراف العاصفة.
من يرى خضرة أراضيه واتساع مزارعه لن يصدق أبداً أن الإمبراطورية تحتضر ؛ فقد كان سيلاس أذكى من أن تبتلعه الفوضى، بل على عكس حيث استغلها ليوسع رقعة نفوذه بصمت، حتى صارت إقطاعياته تعادل 1% من مساحة الإمبراطورية الشاسعة.
ارتسمت على وجه "رجل القمح" ابتسامةٌ هادئة، ابتسامة من يعلم تماماً قيمته في ميزان القوى الحالي. قام من مكانه بوقارٍ مدروس، وتقدم نحو العرش بخطواتٍ رزينة لا تحمل حدة جوليان، بل سلاسة إلينا.
وعند وصوله، انحنى بإحترامٍ تام أمام العرش. وعلى الرغم من أن نظرات راي كانت تلمحه بذكاء، مُدركةً أن سيلاس ليس إلا انتهازياً بارعاً يسعى لتغليف الفوضى المحيطة بمصالحه الخاصة، إلا أنه لم يرفض هذا التقدم؛ ففي زمن المجاعة، يصبح من يملك الحقول هو الملك غير المتوج.
وهنا كشف سيسلين عن صندوق التشريفات، ختم الوزارة ومفتاح (العصب) وقلم بنقش منقوش بفن عالي بلقب (الحرث)
"ماركيز سيلاس.."أخدت مورغانا القلم وقالت ما مسح الإبتسامة خفيفة على وجه سيلاس" النبالةُ ليست في سعةِ أراضيك، بل في عددِ الأفواه التي تشبع من خيرها."
مررت القلم وتابعت بنبرة هادئة وإبتسامة تقدير " تذكر الأرضُ التي تصمدُ حين ينهارُ كلُّ شيء، لا تحتاجُ إلى حاكمٍ يملكهَا، بل إلى رجلٍ يعرفُ كيف يُبقيها حيّة. لقد أثبتَّ في الشرق أنك ذلك الرجل، واليوم نُسلِّمكَ ما يُطعمُ الإمبراطوريةَ برمّتها؛ فاحفظها من الجوع.. قبل أن تضطرَّ لحفظِ رقبتكَ من الجوعى."
ساد صمتٌ قصير بينما يأخذ سيلاس القلم. اختفت عن وجهه تلك الابتسامة الواثقة، وحلّت مكانها ملامح أكثر تحفظًا، كأن الرجل يعيد وزن الكلمات قبل أن يردّ عليها بالفعل لا بالقول.
شعر بأنظار النبلاء تتبعه، وبثقل العرش خلف مورغانا يمنح عبارتها معناها الكامل و انحنى هذه المرة بلا استعراض، انحناءةً دقيقة لرجلٍ أدرك أن مهمته لم تعد إدارة أملاكه… بل إطعام دولةٍ بأكملها. "لقد وصلت رسالتُكِ، جلالتُكِ."
أخد الصندوق وتراجع بخطواتٍ رزينة، تاركاً خلفه صدى كلماتٍ أعادت رسم موازين القوى في القاعة فعاد صوت ري البارد من أجل إحياء القاعة من جديد
[التالي...
________________
نهاية الفصل
______________
[ معلومة جانبية: سجلات جوليان ستيرن — ميزان الدم ]
[قبل خمس سنوات، صدر مرسومٌ بنقل المفتش القضائي جوليان ستيرن إلى الأقاليم الحدودية، في خطوةٍ وُصفت رسميًا بأنها «إعادة توزيعٍ للسلطات»، بينما رآها كثيرٌ من نبلاء العاصمة إبعادًا لرجلٍ أصبح تطبيقه الحرفي للقانون يسبب حرجًا سياسيًا متزايدًا. ]
[ عند وصوله، كانت المنطقة تعاني انتشار التهريب، وتعدد مراكز النفوذ، وتعطّل تنفيذ الأحكام لسنوات. وكان أول قراراته تفعيل الأحكام المجمّدة وتنفيذها فورًا، في محاولةٍ لإعادة هيبة القانون قبل إعادة تفسيره. ]
[ اعتمد جوليان أسلوبًا ميدانيًا غير مألوفٍ لقاضٍ في منصبه؛ إذ كان ينتقل بنفسه بين القرى والمعابر الحدودية، ويرفض تأجيل القضايا أو إحالتها إلى سلاسل إدارية طويلة. وبهذا النهج تقلّص زمن التقاضي بشكلٍ حاد، لكنه أكسبه سمعة القاضي الذي لا يمنح فرصةً ثانية. ]
[ وتشير السجلات المحلية إلى انخفاضٍ كبير في نشاط العصابات وشبكات التهريب، وتحوّل المقاطعة إلى أكثر مناطق الحدود استقرارًا في الإمبراطورية فب الوقت الحالي، وإن ظلّ ذلك الاستقرار قائمًا على الصرامة أكثر من القبول الشعبي. لذلك خلال تلك الفترة ظهر لقب «الجلاد» — وهو لقبٌ لم تعتمدْه الدولة رسميًا، وكان جوليان يعدّه توصيفًا وظيفيًا لا شرفًا شخصيًا. ]