تنهدت القاعةُ نفسُها، وعاد النبلاءُ للنظرِ إلى ري وهو يستعد للإعلانِ عن اسمٍ آخر، متجاهلاً تلك العاصفة التي كانت تختبئُ خلف صمتهم. لكن هذه المرة، لم يكن الترقب عادياً؛ فالإعلان القادم يخص "وزارة المالية".

إذا كان "ركن المال" هو الحارس الذي يحمي قيمة العملة ويؤمن خزائن الإمبراطورية من الانهيار، فإن الوزارة هي العقل الذي يقرر أين وكيف تتدفق تلك الأموال.

هي الجهة التي تملك سلطة "المنح والمنع"؛ فبجرة قلمٍ من وزير المالية، يمكن لمدينةٍ أن تولد من جديد، وبجرة قلمٍ أخرى، يمكن لإقليمٍ أن يذبل خلف قضبان الإهمال.

​في السابق، كان النبلاءُ ينهبون الميزانياتِ قبل أن تصل إلى مستحقيها، أما الآن، فقد أصبحت الوزارة هي المحاسب الأول الذي يدقق في "جدوى" كل مشروع، والمراقب الذي يربط صرف الأموال بالنتائج الفعلية على الأرض.

وهذا إعلان، لقد انتهى زمنُ الميزانيات المفتوحة والولائم الفاخرة على حساب التاج؛ فالمالُ اليوم لا يخرجُ إلا ليُبنى به حجر، أو يُطعم به جندي، أو يُدار به ترس.

كان الصمتُ الذي خيّم على القاعة صمتاً ثقيلاً؛ فمن سيقود هذه الوزارة لن يكون مجرد محاسب، بل سيكون الشريك القسري لكل نبيل في إدارته لأرضه. هل سيكون الميزان في يد من يفهم لغة المصالح التقليدية ويغض الطرف عن 'التجاوزات الضرورية' للطبقة الأرستقراطية؟ أم في يد من سيتخذ من 'الكفاءة' نصلاً يقطع به خيوط الإنفاق القديمة

​وسط هذا الصمت، أعلن ري عن الاسم بوضوحٍ تام، لكن الكلمات بدت وكأنها لم تجد طريقاً لعقولهم في البداية. ساد نوعٌ من الجمود، ونظر الجميع إلى ري بنظراتٍ تائهة، وكأنهم ينتظرون منه تكرار الاسم أو تصحيح "خطأ" ما.

​حتى الماركيزة إلينا بقيت في مكانها للحظة؛ لم تتحرك ولم تستوعب أنها هي المعنية. فما علاقة أرملةٍ لم تطأ قدماها العاصمة منذ سنوات، وكانت غارقةً في إنقاذ أرضها المتهالكة، بدهاليز وزارة المالية في نظام "أستر" الجديد؟

لكن ​لم يكن هناك أي مجال للشك؛ لقد أعلن ري الاسم بوضوح لا يقبل التأويل، وعيناه كانتا مستقرتين في الجهة التي تقف فيها الماركيزة.

​[الماركيزة أليستير إلينا.. تقدمي، إذا كانت لديكِ الشجاعةُ لحملِ مسؤوليةِ هذا المنصب.]

ضاقت عينا إلينا عندما سمعت ذلك، وكأن كلمة "الشجاعة" قد نبشت جرحاً قديماً تحت ردائها الأسود الوقور، ثم قررت الوقوف. بدأ الهمسُ يرتفعُ تدريجياً، ونظر النبلاء لبعضهم البعض بذهول؛ لم يكن هناك عداءٌ معلن، بل حيرةٌ مطلقة ممزوجة بتقديرٍ خفي.

ومع وصولها إلى العرش وبعد التحية، قررت السؤال "جلالتك، هل يمكنني سؤال عن السبب الذي تم إ ختياري من أجله؟"

نظر إليها راي بهدوء تم ورد بنبرة متسائلة"أنتِ لا تسألين عن كفاءتكِ.. صحيح؟""

​لم يكن هذا سؤالاً من راي، بل كان توضيحاً صاعقاً لمن لا يفهم؛ فهي المرأة التي واجهت أزمةً مالية خانقة قبل أن يجف الماءُ على قبر زوجها، وصمدت تحت وطأة تمرد شعبها، ورغم ذلك تمكنت من استعادة استقرار أرضها. وهذا وحده يثبت أنها لا تملك "الذكاء" فحسب، بل تملك تلك "الأعصاب الباردة" التي لا تُكتسب إلا بمواجهة الهاوية.

لكن راي لا يحتاج أن يبرر أختياراته أيضا وإلينا تعلم ذلك لذالك كان سؤالها يجيب عن تساؤلات النبلاء أكثر من تساؤلاتها الخاصة وهنا أجاب راي بكل بساطة

"كل ما في الأمر أنني كنتُ أبحث عن 'قفلٍ' مناسبٍ للخزينة، ولم أجد قفلاً بصلابتكِ. لكنني لا أجبر أحداً؛ فإن أردتِ التراجع والجلوس فلكِ الحرية، فالخياراتُ خلفكِ كثيرة.. وإن كانت لا تقارن بكِ."

وإن كانت لا تقارن بك... لقد كان هذا جواب كافيا جعل جسد إلينا يسترخي لكن قبل أن تتكلم تابع الشخص الوحيد الذي يملك الحق في التعقيب على كلام إمبراطور في إشارة لتناغم عرشين

هنا حيث ابتسمت مورغانا بهدوء، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة التي تتقبل في إلينا الخيار فتوجهت إلى صندوق تشريفات، شعار خاص ومفتاح يحمل نقش (المحاسب) وهنا أخدت مورغانا القلم الذي يحمل كلمة (ختم).

و مررته إلى إلينا​"كما قال جلالته.. الإمبراطورية لا تحتاج إلى من يُجيد تلميع الذهب، وأنتي أعلم لما قد تم إختيارك"

أومأت إلينا، وأمسكت القلم بقوة ثم انحنت بوقار: "شكراً لكِ جلالتكِ. سأعملُ على تأكيدِ السبب الذي أهّلني لتحملِ هذه المسؤولية."

ابتسمت مورغانا برضا وأشارت لها بالانسحاب، وهنا تنفست القاعةُ الصعداء؛ فقد تلاشت حدةُ الترقب وحلَّ محلها قبولٌ صامت.

​وعلى عكس ماركوس وسيدريك اللذين أثارا لغطاً واعتراضاتٍ مكتومة، لم يجرؤ أحدٌ على الاعتراض على هذا التعيين. فقد كانت هناك جبهةٌ عريضة من النبلاء، يتصدرهم دوق الجنوب، يُكنّون تقديراً خاصاً لهذه المرأة التي حمت إحدى أقدم عائلات الإمبراطورية —عائلة أليستير— من السقوط والاندثار

​وبما أنها ابنة الجنوب، فقد كان اعتزاز نبلاء الجنوب بها مضاعفاً؛ فرؤية إحدى نسائهم تتقلد زمام مال الإمبراطورية لم يكن مجرد تعيينٍ إداري بالنسبة لهم، بل كان نصراً سياسياً لجهتهم وترسيخاً لمكانتهم في عهد الإمبراطور الجديد.

وبما أن هناك فئة راضية فهناك بطبع فئة غير راضية لكن تابع ري الإعلان دون الإهتمام بما يعتقده الجميع، وانتقل صوته من نبرة التقدير التي خص بها إلينا إلى نبرة أكثر صرامة وجدية، وكأنه يغلق باباً ليفتح آخر أكثر خطورة

[التالي.. وزارةُ العدل: هي الميزان الواحد للإمبراطورية الموحدة. وهي المسؤولة عن إنفاذ القانون الإمبراطوري العام، وصياغة التشريعات، ومراجعة القوانين وتعديلها بما يخدم العدالة المطلقة.]

​توقف ري ليترك وقع الكلمات يهضم في عقول النبلاء. لم يعد وزير العدل مجرد قاضٍ يفصل في خصومة على حدود مزرعة، بل صار "المهندس الأول" للحياة اليومية في الإمبراطورية. ففي هذا النظام الجديد، لم تعد الوزارات جزراً منعزلة؛ بل هي طبقاتٌ سيادية تغطي الخارطة بأكملها.

​إذا كان وزير المال يتحكم في كل قطعة ذهب من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، فإن وزير العدل هو الذي ينسج الخيوط التي تربط الجميع

إذا أصدر وزير الزراعة أو الصناعة قراراً يخالف "الكتيب الإمبراطوري"، فإن وزير العدل يملك الحق في إيقافه أو رفعه للإمبراطور. هو يمثل "الفرامل" التي تمنع الوزراء من الفساد أو تجاوز الصلاحيات.

بينما لا يمكن للركن الثالث أن يسجن شخصاً للأبد أو يصادر أمواله دون "غطاء قانوني" من وزارة العدل، وإلا سيبدو الأمر كأنه "ظلم وتصفية حسابات". وزير العدل يمنح أفعال الحكومة صبغة القانون.

وهي سلطةٌ لا تعترف بحدود الأقاليم ولا بخصوصية النبلاء؛ فقانون الوزارة هو المظلة التي تعلو فوق رؤوس الجميع، والوزير هو اليد التي تملك حق "التعديل" و"السن"، مما يجعل من هذا المنصب المحرك الأساسي لتروس الدولة، والمراقب الأعلى لسلامة عمل بقية الأركان.

​ساد صمتٌ مشوب بالرهبة؛ فمن سيحمل هذا "النصل التشريعي" سيكون أقوى رجل قانون عرفه تاريخ الإمبراطورية ، والشخص الذي سيحدد شكل "العدل" في عصر الإمبراطور الخامس عشر

لذالك يجب أن يكون أحد دوقات الثلاثه... صحيح؟

تقدم سيسلين من جديد بخطواتٍ ثابتة، حاملاً الصندوق الذي يحتوي على مفتاح (الميزان القانوني) وقلم (المنفذ) وختم الوزارة. و كان حضوره الهادئ يتناقض تماماً مع العاصفة التي أحدثها الاسم الذي نطق به ري:

[جوليان ستيرن.. يرجى التقدم.]

لم يكن هناك مجالٌ للنقاش في كلمات ري؛ كان أمراً إمبراطورياً خرج بلسان المستشار الأول، وبشكلٍ قاطع يوحي بأنه لا يوجد بديلٌ آخر لهذا المنصب. لقد تم اختيار الشخص، وبأمر العرش سيتم تكليفه.

​بينما كان راي يجلسُ على عرشه بصمت، يراقبُ ملامح الحاضرين بعينين نافذتين، كانت أفكاره واضحة تماماً منذ أن وقعت عيناه على ملف هذا الرجل: "هذا هو الشخص مناسب"

وفي المقابل، كانت أفكار النبلاء واضحةً هي الأخرى عند سماع الاسم، حيث سرى بريق الرعب في عيونهم "من بين الجميع، تم اختيار الجلاد... هل يحب إطلاق صراح الوحوش أم ماذا؟"

لكن سرعان ما خفتت تلك الصدمة الأولى، لتحل محلها حقيقةٌ أكثر مرارة. لقد أدرك الحاضرون أن اختيار "ستيرن" لم يكن مجرد رغبة في التخويف، بل كان رسالةً نهائية؛ فمن يضع "الجلاد" حارساً للقانون، هو حاكمٌ لم يعد يرى العائلات النبيلة كشركاء في الحكم، بل ككياناتٍ يجب أن تخضع لمسطرة الدولة.

​انطلقت من صدور الكثيرين تنهيدةٌ جماعية خافتة ومكتومة؛ تنهيدةُ من أدرك أخيراً أن راي جادٌ بشكلٍ مرعب في إعادة بناء الإمبراطورية، وأنه لن يسمح لأي "مصلحة خاصة" أو "لقبٍ قديم" بأن يقف في طريق تروسه التي بدأت بالدوران. لم يعد السؤال الآن "من هو الوزير القادم؟"، بل أصبح: "كيف سننجو ونتكيف مع هذا الوضع الجديد"

_____________

نهاية الفصل

_____________

​[ معلومة جانبية: سجلات آل أليستير — القفل الصامد ]

​[ لم تكن "إلينا" مجرد ماركيزة بالوراثة، بل كانت الوريثة التي صهرتها النيران. بدأت رحلتها مع المسؤولية مبكراً حين خطف الموت والدها، لتجد نفسها الابنة الوحيدة التي تحمل لقب "أليستير" وثقل أراضيها الشاسعة في الجنوب. ]

​[ العهد المشترك: للخروج من دجى الحزن، تزوجت من فارسٍ من فرسان العرش، رجلٍ كانت تربطها به معرفة قديمة قبل أن يتقلد رتبته العسكرية. كان زواجهما مزيجاً نادراً بين نبل الدماء وبسالة السيف؛ حيث تعاون كلاهما لسنوات في إدارة الإقليم، محولين "أليستير" إلى منارة للاستقرار في الجنوب. ]

​[ الاختبار الأعظم: قبل أربع سنوات، ضربت المأساة مرتين؛ فقد غيّب الموت زوجها بعد صراع مرير مع مرض "انحراف المانا"، وفي ذات الوقت، كانت الأرض تغلي بالتمردات الناتجة عن أزمة مالية خانقة عصفت بالإقليم. كان الجميع يتوقع سقوط الماركيزة الأرملة تحت وطأة الحزن والفوضى، لكن إلينا أثبتت أنها "قفلٌ" لا يحطمه الغدر ولا الأسى. ]

​[ أعصاب باردة: دون أن تمنح نفسها رفاهية البكاء، أمسكت إلينا بزمام الأمور بنفسها. واجهت الديون بخطط اقتصادية مبتكرة، وقابلت التمردات بحنكة سياسية أعادت الثقة في العملة وإلى هيبة القانون في أرضها. و لم تكتفِ بالنجاة، بل طبقت استراتيجيات مالية جعلت إقليمها يستعيد استقراره بينما كانت الأقاليم المجاورة لا تزال تترنح »»»» يتبع]

2026/02/17 · 15 مشاهدة · 1421 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026