وقفة قصيرة، متى بدأت ملحمة عائلة آل فونيكس..

​بدأت هذه الملحمة بصرخة صامتة في عهد الإمبراطور الحادي عشر، حين طُردت العائلة من صفوف النبلاء ونُفيت بظلم لأنها تجرأت على قول "لا" لسياسات التاج. غادرت العربة العاصمة، وفي زواياها المظلمة كان الجد الأكبر يغرس في قلب حفيده (الجد الحالي) وصية واحدة كأنها مسمار: "لا تنسَ هذه اللحظة".

​كبر الحفيد ليشاهد والده وهو يغرق في الخمر والندم، يبكي على أطلال "اللقب النبيل" الذي تحول إلى مجرد ورق محروق. كان يراقبه من شقوق الباب وهو ينهار، حتى وقف أخيراً فوق قبره، وتحت مطر العاصمة البارد، أقسم لوالدته الباكية أنه سيعيد دماء النبالة إلى عروقهم مهما كلف الثمن.

​بدأ العمل بصبرٍ مرعب؛ بنى مدينة من العدم خلف سلاسل الجبال الحدودية، وجمع ثروة من الذهب الخالص في زمنٍ كانت فيه العملة مغشوشة. نشر أبناءه التسعة في مفاصل الإمبراطورية كخيوط عنكبوت؛ أحدهم في الكنيسة، وآخر في عمق الجيش، وثالث في التجارة الخارجية، منتظراً اللحظة التي ينهار فيها الجدار الذي بناه النبلاء في وجهه.

​لكن الجدار كان أعلى من كل ذهبه. دفع الجد كل ما يملك لاسترداد اللقب في عهد الإمبراطور الثالث عشر، لكن النبلاء أخذوا ماله وأبقوه في نظر القانون "مجرد تاجر ثري". سقط الجد مريضاً بالكمد، لكنه رفض الموت؛ فحبس روحه داخل جسدٍ يعيش على آلات السحر وأنابيب المانا، مصراً على ألا يغمض عينيه إلا وهو يحمل صك النبالة.

​تسلم والد ماركوس الراية، وواصل ضخ الذهب في جيوب الفاسدين ليمهد الطريق، لكن تعرضت العائلة لهزيمة نفسية قاسية بعد هروب الإمبراطور الرابع عشر، مما أدى إلى انهيار صحة الأب. وفي تلك اللحظة الحرجة، اضطر الأب للتنازل عن منصب "سيد العائلة" لابنه الأكبر، الذي اختار بدوره الانعزال في مقاطعتهم الحدودية لرعاية حطام والده وجده، تاركاً مهمة المواجهة السياسية في العاصمة بالكامل على عاتق ماركوس وإخوته.

​والآن، في قلب القاعة الإمبراطورية..

​​لم يكد ماركوس يعود إلى مكانه، والأنظار تلاحقه كأنها نصالٌ مسمومة، حتى خيّم صمتٌ أثقل مما سبقه. لم يكن تعيينه مجرد اختيار، بل رسالة قاطعة بأن راي لا يعيد توزيع السلطة لإرضاء أحد؛ إنه يبحث عن أشخاصٍ بعينهم، أدواتٍ حادة قادرة على القطع.

​أدرك الحاضرون بمرارة أن راي استخدم مناورة شرعية، فمن المؤكد أنه لولا منصب "الوزير السابق" الذي كان يشغله ماركوس، لما استطاع حتى الوقوف في هذه القاعة. هل الذكاء والجهد هما من أوصلاه إلى منصبه؟ من سوف يصدق هذه النكتة! لقد أحرقت عائلته نفسها لسنوات، وفي النهاية وافق النبلاء على مساعدته للجلوس في "مقعد دمية"؛ مجرد واجهة يتلاعبون بها كما يشاؤون، ويتخلصون منها فور محاولتها المعارضة.. تماماً كما فعل دوق الشمال في مستقبل مورغانا دون تردد.

​لكن هذه الدمية التي استهانوا بها كانت تملك "شرعية الدخول"، والآن أصبحت تملك "أنياباً للخروج".

​لم تعد عائلة آل فونيكس تحتاج إلى التودد لأحد، ولم يعد ماركوس بحاجة للخضوع. مَن استغل عائلته طوال هذه السنوات واعتبرها مجرد بقرة يحلبها متى شاء، قد شحب وجهه الآن؛ ومن كان يعرف تاريخهم بدأ يراجع ذكرياته بذعرٍ بحثاً عن أي عداءٍ قديم معهم، أما من لا يعرف عنهم شيئاً، فكان يتساءل بذهول عن سر هذا الصعود المفاجئ.

​وبما أن المدينة التي تحكمها هذه العائلة تقع في أقصى الغرب، في زاوية نائية ومنسية، فلم يُعرف ماركوس طوال حياته إلا بلقب "ابن التاجر".. أما الآن، فماذا سيكون لقبه

في هذه الأثناء، تحرك سيسلين بهدوء لأخذ الصندوق الثاني، متجاهلا كل الفوضى التي غزت عقولهم بينما تقدم ري بخطوات متزنة ليعلن بصوتٍ بارد يكسر هدوء القاعة من أجل الكشف عن الإسم التاني

[​التالي، وزارةُ الداخلية: المسؤولة عن الإدارة المحلية للمدن، السجلات المدنية، وتنظيم حياة المواطنين داخل الأقاليم. "مُنظمةُ البيت" التي تدير المدن، وتراقب الحراس في الشوارع، وتنظم حياة السكان اليومية.]

في هذه اللحظة، تبخر ماركوس من ذاكرتهم؛ فما نفع "وزير دفاع" يراقب الحدود البعيدة، بينما هناك "وحش" يستعد للسكن داخل غرف نومهم؟

تلك الوزارة التي تحمل وصف "المنظمُ لشؤونِ الرعيةِ تحتَ ظلِّ العرش". وهذا الوصف الهادئ يخفي خلفه خنجراً يقطع خيوط السيطرة التي كان يملكها اللوردات على رقاب فلاحيهم

بتأكيد هذه الوزارة يجب أن تكون في يد أحد دوقات صحيح؟

​في هذه اللحظة، تبخر ماركوس من ذاكرتهم؛ فما نفع "وزير دفاع" يراقب الحدود البعيدة، بينما هناك "وحش" يستعد للسكن داخل غرف نومهم؟ ​تلك الوزارة التي تحمل وصف "المنظمُ لشؤونِ الرعيةِ تحتَ ظلِّ العرش"؛ وصفٌ هادئ يخفي خلفه خنجراً يقطع خيوط السيطرة التي امتلكها اللوردات على رقاب فلاحيهم لقرون. لكن، وسط هذا الرعب، تسلل بصيص من الطمأنينة الزائفة إلى عقولهم..

بالتأكيد هذه الوزارة يجب أن تكون في يد أحد الدوقات صحيح؟

[الكونت سيدريك فالكون، يرجى تقدم إذا رأيت نفسك جديرا بمنصب]

خلف الصفوف، ارتجف سيدريك عندما سمع اسمه: "أنا؟"

​بعيداً عن دهشة النبلاء التي تحولت إلى رعبٍ صامت، لم يصدق سيدريك نفسه. ومثل ماركوس، كان سيدريك اسماً خارج كل التوقعات، لكن لسببٍ أكثر خطورة؛ فبينما كان ماركوس يملك "خلفية مالية" تدعمه، كان سيدريك ينتمي لطبقة "العائلات النبيلة الساقطة" التي يحتقرونها.

​بترددٍ لم يدم سوى ثانية، شق سيدريك الصفوف. لم يكن يرتدي الحرير كغيره، بل سترةً سوداء بسيطة تحمل وقار عائلة "فالكون" القديم. هو لا يزال "كونت" رسمياً، لكنه لقبٌ أجوف؛ بلا أرض، بلا فلاحين، وبلا سلطة. مجرد قصرٍ متآكل في أطراف العاصمة وسلطة "شبه معدومة" لا تكفي لتأمين وجبة عشاء فاخرة، لكنها كانت كافية جداً ليملك الحق في الوقوف داخل هذه القاعة.

​حبس النبلاء أنفاسهم؛ فالصدمة كانت مزدوجة. هذا "الكونت المفلس" الذي كانوا يسخرون منه أصبح الآن سيدهم الإداري. سيدريك ليس كماركوس الذي بنى نفسه بالذهب، بل هو "النبيل المتمرد" الذي قضى سنوات عمره يرفض الانحناء للدوقات، مستخدماً علمه بالقوانين لتعطيل مصالحهم. إنه "الابن العاق" للأرستقراطية؛ يعرف ثغراتهم، ديونهم، وصفقاتهم المشبوهة التي يخبئونها خلف الجدران. يعرف كل ثغراتهم، كل ديونهم، وكل صفقاتهم المشبوهة التي يخبئونها خلف جدران قصورهم.

حتى دوق الشمال لم يكن قادرا على إيجاد سببا لتخلص منه والأن ​عندما سأل ري: "إذا كنت ترى نفسك جديراً.."، لم يكن سؤالاً عن الكفاءة بقدر ما كان "إعلاناً للحرب".

​​توقفت الهمسات وتحولت إلى نظرات حاقدة، صُبت جام غضبها مباشرة على ري. كانت عيونهم تصرخ: "لماذا هذا الاسم بالضبط؟"

​نظر ري إلى تلك النظرات ببرود، متسائلاً بداخلة عما فعله ليُرمى بهذا الحقد.. أليس هو مجرد "لسان" الإمبراطور؟ ليس هو من عين سيدريك، صحيح؟

حسنا من يريد مواجهة ذالك الأمبراطوري الذي يجيد صياغة الكلام المسموم، من أفضل رمي غضب على ري ومن جهة أخرى أبتسم دوق الشرق وهو يرى سيدريك يتقدم إلى الأمام حتى وصل إلى مقدمة منصة وانحنى بحترام ويده على صدره

​"أحيي شمسَ وقمرَ الإمبراطورية.. وأقبلُ الأمانة."

إبتسمت موغانا برضى تم نضرت الى الصندوق التشريف الذي يحمله سيسلين هناك حيت ختم الوزارة الجديد و مفتاح رمزي عليه لقب "منظم البيت" وقلم خاص يحمل لقب "الدرع"

الكونت سيدريك.. اسمُ عائلتِك طالما ارتبط بالرقابة والوفاء للتاج، واليوم يعود هذا الإرث؛ فاحذر من أن تفقده."

​جمدت الكلماتُ سيدريك في مكانه لبرهة، قبل أن يبتسم بهدوء ويمسك بالقلم، ثم انحنى ولم يقل أكثر من كلمة واحدة: "أمرُكِ".

​وخلف مورغانا، ابتسم راي وهو يتنهد؛ الصقرُ حمل لقب "الدرع"، والعنقاءُ حملت لقب "الصقر"، يا لها من مصادفة! وعاد سيدريك تحت نظرات الجميع بعد أن أخذ صندوق التشريفات من سيسلين، حيث تبادلا تحيةً بسيطة سريعة. وما إن استدار حتى نزل عليه ضغطٌ هائل من نظرات النبلاء

الجميع.. و دون إستتناء ينظرون له بحذر الأن وليست بنظرة الإحتقار السابقة، فغلى الدم في عروقه وقبض على قلم بقوة تم توجه إلى مقعده مستعدا لتحمل وزن هذا المقعد.

[وزارةُ المالية (قسم المالية): المسؤولة عن نظام "النواة"، جباية الضرائب، وتوزيع الميزانيات على باقي الوزارات،]

_____________

نهاية الفصل

____________

[معلومة جانبية: سجلات آل فالكون - الشوكة الباقية]

[لم تسقط عائلة سيدريك بسبب فقرٍ عابر أو عجزٍ عن الحيلة، بل سقطت بـ "قلم" دوق الشمال، رئيس الوزراء السابق حين كان الكونت "إدموند فالكون" يشغل منصب مفتش الأرشيف الإمبراطوري. عثر إدموند على خيوطٍ تؤكد تخطيط دوق الشمال لتمردٍ صامت ضد العرش، ومع تعمقه في البحث، انفتحت أمامه أبوابُ جحيمٍ من الأسرار التي لم يكن مسموحاً لأحدٍ بلمسها.]

[​عندما أدرك الكونت أن الحصار قد اكتمل حوله، وأن دوق الشمال قد كشف أمره، أيقن أنه هالكٌ لا محالة. لكنه، ومن أجل حماية ما تبقى من دمه، اتخذ قراراً انتحارياً؛ قرر أن يحول عائلته إلى "شوكة" في حلق النظام، قطعة لا يمكن ابتلاعها ولا يمكن التخلص منها دون إحداث جلبة تطيح بالجميع.]

[​دفع الكونت حياته ثمناً لهذا القرار، ومعه سقط معظم أفراد العائلة، حتى لم يتبقَّ من ذاك الإرث سوى سيدريك وأخته. بقيا كشاهدين وحيدين على أسرارٍ دُفنت في الأرشيف، أسرار كُشف عن نصفها المظلم في بداية هذا الاجتماع، لتتحول تلك "الشوكة" اليوم إلى "الدرع" الرسمي الذي يحمي وزارة الداخلية.]

2026/02/16 · 16 مشاهدة · 1324 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026