أغلق الباب الثقيل خلف راي بصوتٍ مكتوم؛ لم يكن مرتفعًا، لكنه كان حاسمًا بما يكفي ليعلن أن ما قيل في الداخل قد انتهى، وأن ما سيحدث في الخارج لم يعد قابلًا للنقاش.

و تابع السير دون أن يلتفت، ومع عدة خطوات بدأت سرعته تهدأ قليلًا. عند أول انعطاف في الممر ألقى نظرة جانبية قصيرة نحو سيسلين وقال

" ا ذهب و سلّم الملف الأحمر إلى كل من أُعلن اسمه مع فيليب في اجتماع الأمس، بمن فيهم الذين لم يدخلوا القاعة. أمّا الملف الأسود فأرسله إلى دوق فيليب، وكذلك إلى الذين امتنعوا عن الحضور."

كان صوته عمليًا، كأنه يوزّع أعمالًا روتينية لا قرارات قد تغيّر مصير عائلات كاملة، ثم أضاف دون أن ينظر إليه

"تذكّر أنني أمنحك هذه الفرصة بسبب ابنتك… واحترام والدك للعرش. ما ستفعله بعد استلام الملف الذهبي سيحدّد مستقبلك."

توقّف سيسلين، لا لأنه لم يفهم، بل لأنه فهم جيدًا ثم انحنى، لكن انحناءه تأخر نصف ثانية أكثر مما يجب.

"أمرك."

لم يرفع عينيه بعد ذلك، وبقي واقفًا حتى بعد أن تجاوزوه، كأن قدميه لم تتلقيا إذن الحركة بعد ثم تنهد ببطء و استرخت قبضته مستسلما.

تابع راي السير مع مورغانا وري.

الصمت بينهم لم يكن مريحًا… بل كان ذلك الصمت الذي يأتي بعد أن يقول الجميع أكثر مما يجب. وعلى بعد خطوات، تنهد راي عندما شعر بنظرة ري الطويلة.

"ما بال هذه النظرة؟"

[أنا لم أقل شيئًا.]

سألت مورغانا بهدوء:"ألا بأس بذلك؟"

"سيسلين؟" قالها راي وكأنه كان يتوقع السؤال "لا بأس. قد يكون أحمق… لكنه ليس غبيًا. والأهم، أنه مفيد. خصوصًا بعد أن استنزف نفسه الأيام الماضية وهو يحاول إرضائي."

"هل تثق بسيسلين؟" سألت مورغانا.

"أثق بمصلحته."

[تعريف دقيق لانعدام الثقة.]

"هذا ليس انعدام ثقة."

[هذا تعريفه الإداري.]

"ما بك أراك منزعج اليوم" نظر راي إلى ري متسائلا ولم يتوقف عن التقدم

[ملاحظة جانبية: تم إبقائي واقفًا طوال الاجتماع دون مبرر تكتيكي واضح.]

"كنتَ تعرض الأسماء." ردّ راي دون أن ينظر إليه.

[كنتُ أُعلن الأسماء. هناك فرق. الإعلان لا يتطلب الوقوف كل ذلك الوقت.]

قالت مورغانا محاولةً إخفاء ابتسامة:"ظننتك لا تتعب."

[لا أتعب. لكن لديّ كرامة تشغيلية.]

تبادل راي ومورغانا نظرة قصيرة.

"سجّل شكوى رسمية." قال راي ببرود.

[تم تسجيلها بالفعل.]

"بالطبع فعلت." تمتمت مورغانا.

[وسأعيد تسجيلها إذا تكرر الأمر.]

"لما تركته يعلن الأسماء، ألم يكن من أفضل ترك مكلفين بالأمر عادتا" نظرت مورغانا إلى راي متسائلة

[نفس السؤال]

"لو قرأها أحد الموظفين لانتهى الأمر في دقائق. لكن حين يُجبرون على الانتظار… يبدأون في تخيّل ما لم أقله."توقف راي ثم أضاف بهدوء

"الخوف الذي يصنعه خيالهم أقسى من أي قرار كنت سأعلنه… وأطول أثرًا."

[رائع، تم تعذيبي لسبب نفسي]

"حسنا خفف عن نفسك سوف أشتري لك بعض الحلوى لاحقا"

[أحيانا أتسائل لما مازلت أتحملك]

"لا تتسائل إذا"

ابتسمت مورغانا وهي تسير إلى يمينه راي، بينما استمر ري في التذمر بصوتٍ لا يسمعه سواه. وعند أحد الممرات انفصلت مورغانا، واتجه راي إلى مكتبه. وما إن أغلق الباب خلفه حتى بدا الصوت الخارجي وكأنه انقطع بخيطٍ رفيع. الهواء في الداخل لم يكن فاسدًا… لكنه كان راكدًا، مشبعًا برائحة الحبر القديم والغبار المتراكم. فتوقف عند العتبة لحظة.

الأوراق كانت في كل مكان.

على الطاولة، فوق الخزانة الجانبية، على الكرسي المقابل. وأكوام أخرى امتدت حتى الأرض، متراكمة فوق بعضها بلا ترتيب، تاركة ممرًا ضيقًا بالكاد يسمح بالعبور.

لم يكن المكتب ضيقًا في الأصل…

لكن المساحة الفارغة اختفت تقريبًا.

وسط ذلك كله، كانت الملفات الذهبية مصطفّة بعناية فوق الطاولة الرئيسية — مرتّبة بإفراط، مستقيمة الحواف، كأنها تنتمي إلى غرفة أخرى.

ضغط راي بإبهامه على صدغه وتردد في دخول

"سوف يكون من الجيد لو كنت تجيد التنظيف أيضًا."

[أذكّرك أنني مساعد استراتيجي، لا وحدة صيانة.]

"مؤسف"

دخل ري خلف راي، متجهًا نحو المكتب ثم نظر إلى الفوضى وقال مبتسما [ما رأيك أن تفتح مزيد من قدراتي وقد أنهي لك هذه المشكلة]

"هل هذه نصيحة… أم طلب تمويل جديد؟"

[أفضل تسميتها استثمارًا.]

"الاستثمار الوحيد الذي أتذكره معك انتهى بخسارة نصف أحجار المانا. التي حصلت عليها من البرج الأزرق"

[تفاصيل غير مهمة.]

"سوف أفكر بالأمر" تنهد راي ثم جاوز ما تبقى من الأوراق حتى بلغ مكتبه، ثم جلس أخيرًا.

اتكأ برأسه إلى الخلف وأغمض عينيه، ثم أطلق زفير طويلا فنظر إليه ري بينما يجلس أيضا على المكتب الذي كان يخص سيسلين سابقا

[هل أنت قلق]

تنهد راي ولم يجب، ​لم يفهم ثقل "الضغط" الذي تسببه النظرات إلا مؤخرا؛ كل تلك العيون التي تترصد حركته، وتزن كلماته، وتنتظر زلّته. كان صموده أمامهم عملاً شاقاً، لكن شكاً طفيفاً بدأ يتسلل إليه: هل تسرّع في دفع دوق الشمال نحو المغادرة؟

​لكنه سرعان ما طرد الفكرة. لولا ذلك الحزم، لشرع النبلاء في تمزيق كل قرار تعيينٍ قبل أن يجفّ حبره. لقد نجح التلاعب بنفوسهم من خلال ترتيب القاعة — كما توقع — لكنّ أثر ذلك التلاعب كان له حدود، ولم يجد مفرا من ذاك الموقف الصادم لفرض سلطته.

​'أتمنى فقط أن يكون الارتداد الذي سيخلفه هذا القرار بقوة أستطيع التعامل معها'، تمتم في نفسه وهو يشعر بإرهاقٍ يزحف إلى أطرافه، ثم زفر بضيق

​"هذا مزعج حقاً"

[حسنا قرارك في الاجتماع كان متهورًا.]

"كان ضروريًا."

[الضرورة لا تلغي كونه متهورًا.]

"النتيجة أهم."

[النتائج لم تظهر بعد.]

تنهد راي واغلق عينه قليلا، "أعرف ما أفعل"

[تهانينا]

استمر الصوت المنتظم لتقليب الأوراق بضع ثوانٍ أخرى، ثم جاء طرق خفيف على الباب و فتح راي عينيه ببطء.

"ادخلي."

دخلت مورغانا دون استعجال، وتوقفت لحظة عند العتبة وكأنها تقيس الجو. نظرت إلى راي… ثم إلى ري.

مجدّدًا؟" لم يجب راي. صمت قليلًا، ثم تنهّد بهدوء. مرّر يده على جبينه لحظة، قبل أن يشير إليها أن تقترب. تقدّمت مورغانا وقدّمت الأوراق. "هذا ما طلبته." أخذها راي وتأمّلها بصمت. "هذا فقط؟" "حاليًا… وبالمناسبة، أخطط لجعل الزوجتين الأولى والثانية تعملان معي. لكن المحظيات لا يزلن غافلات عن الوضع." رفع راي عينه إليها. "هل وافق دوق الشرق على بقاء ابنته في القلعة؟" ترددت مورغانا نصف لحظة. "يبدو أن القرار كان لابنته." تنهّد راي بهدوء. "افعلي ما ترينه مناسبًا." "أمرك." [حسنًا… انظر إلى هذا.]

ضاقت عينا ري وهو يراجع الأوراق أمامه. توقف عند إحداها، وبقي صامتًا لثانية أطول من المعتاد.ثم نهض ومدّها إلى راي.

تناولها راي بلا اهتمام ظاهر…لكن ملامحه تغيّرت فور أن وقعت عيناه على السطر الأول.

[ما رأيك؟]

لم يجب فورًا، صمت لحظة، ثم زفر ببطء.

"هذا… ما ينقصني حقًا."

........

القاعة الرئيسية…

لم تهدأ القاعة بعد إعلان إعادة هيكلة نظام الإمبراطورية.

القرار سقط ثقيلًا، ولم يكن من النوع الذي يُصفَّق له ثم يُنسى. الهمسات انقسمت إلى خطوط متوازية، تتقاطع ولا تختلط.

عند الصفوف الأمامية، كانت الدائرة حول ألكسندر تضيق وتتمدد باستمرار. لم يكن يتحدث كثيرًا، يكتفي بإيماءة قصيرة أو نصف ابتسامة محسوبة، بينما يتسابق الآخرون إلى ملء الفراغ بكلماتهم. الأكتاف تقترب، المصافحات تطول أكثر مما ينبغي، أسماء تُذكر بنبرة توحي بالألفة وكأنها قديمة، رغم أن أغلبها لم يكن كذلك.

غير بعيد عنهم، الوزراء العشرة الجدد بدوا كمحور جذب منفصل. بعضهم حافظ على وقفة رسمية متصلبة، وبعضهم حاول أن يبدو واثقًا أكثر مما يشعر. كانت العيون تتفحصهم بلا حرج:

من سيصمد؟

ومن سيُستبدل أولًا؟

الجميع يعلم أن لهم اجتماعًا تالياً خاصًا بهم.

هذا وحده كان كافيًا ليجعل الاقتراب منهم محسوبًا

انحنى أحد النبلاء قليلًا نحو رفيقه، وعيناه لا تفارقان ليلي، وإلى جوارها إلينا الأرملة التي أصبحت الآن وزيرة للمالية. لم يكن اهتمامه منصبًا على التغييرات بقدر ما كان منصبًا على الفرص التي رآها فيها.

قال بنبرة خافتة، وابتسامة رطبة تستقر عند طرف فمه

"يبدو أن السلم صار أقصر فجأة. لم ينتظر ردًا. عدّل أكمام معطفه وأضاف

"أتعرف… بعض المناصب تغيّر حياة كاملة."

انزلقت نظرة رفيقه نحو إلينا ثم عادت سريعًا.

تابع الأول، وهو يرفع كأسه قليلًا

"أرملة… ووزارة مالية. لا بد أن الإمبراطورية كريمة هذا العام."

ثم أمال رأسه باتجاه ليلي، ونظرته أوضح مما ينبغي:

"والصحة… دائمًا من الحكمة أن تكون قريبًا ممن يوقّع التقارير."

لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه لم يُخفِه بما يكفي.

لم يكن يعترض على القرار.

كان فقط يكره أنه لم يكن جزءًا منه.

بعيدًا عنهما، لم تتغير وقفة ليلي، ولم تلتفت إلينا.

لكن الهواء احتفظ بالهمسة كما تُحتفظ الرطوبة في جدار بارد.

ولم يكن هو الوحيد… ولا الأخير.

ثم، دون إنذار—صدر صوت فتح البوابة الجانبية.

دخل خدم القصر بانتظام لا يلفت النظر… في البداية.

تحرّكوا بين الصفوف بثبات، يحمل كل منهم ملفات متطابقة بلون أحمر فاتح. و استمرت الأحاديث لثوانٍ، ثم بدأ التباطؤ.

توقّف أول خادم أمام مقعد محدد. انحنى، وقدّم الملف الأحمر. رفع النبيل حاجبه باستغراب خفيف قبل أن يتسلّمه. لم يُعلق. فتحه.

لم تستغرق القراءة أكثر من لحظة.

تغيّر شيء في وجهه — ليس خوفًا، ولا صدمة.

شيء أقرب إلى إدراك مفاجئ.

أغلق الملف بسرعة أكبر مما ينبغي، ووضعه تحت ذراعه.

في الجهة الأخرى من القاعة، توقّف خادم ثانٍ. ثم ثالث ... لم يكن العدد قليلًا… ولم يكن كافيًا ليكون مصادفة.

كانوا يتجاوزون مجموعات كاملة دون توقف، يعبرون أمام رجال لم يُمنحوا شيئًا، ثم ينحنون فجأة أمام آخرين و بدأت النظرات تتحرك من الملف الأحمر…إلى من يحمله.

—"هذا لا يُوزَّع عبثًا…" —"واضح أنهم تذكّروا." —"الاختيار محسوب." —"وبعض الديون… لا تُنسى."

الهمسات تبدّلت موضوعًا دون أن تعلن ذلك.

لم تعد عن الوزراء الجدد وفي خضم هذا التغير الصامت، تحرّك نوع آخر من الخدم و اتجهوا مباشرة إلى الوزراء العشرة.

انحناءة رسمية. إبلاغ مقتضب. إيماءة فهم.

_____________

نهاية الفصل

_____________

[ثم بحهد الله]

[نهاية الجزء الأول: الإجتماع إمبراطوري]

[القادم: ولادة العنقاء و نظام الأركان]

2026/02/24 · 15 مشاهدة · 1460 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026