بعيداً عن أجواء القصر، وبعيداً عن القلعة والعاصمة، وعلى أطراف غابة الحجر الأسود؛ مسح فرانكو نصل السكين بقطعة القماش البالية، ولم يكن الدم هو ما يلفت انتباهه فقد كان المسح بطيئاً، متعمّداً، كأن يديه تحتاجان هذه الحركة لتُقنعاه أن الأمر انتهى فعلاً.
الوحش الممدّد على الأرض لم يعد يعني شيئاً؛ جسد فقد وزنه لحظة توقّف عن المقاومة، والغابة من حوله لم تكن صامتة، لكنها لم تكن متطفلة أيضاً.
من أوراقٍ تحرّكها الريح، لا لتلفت النظر بل لأنها لا تعرف غير ذلك، إلى حشرةٍ صمتت عندما خطا خطوة، ثم عادت إلى طنينها حين ابتعد نصف خطوة.
هذا ما أحبه في الغابة فلا شيء فيها يطلب منك أكثر مما تستطيع، ترك زفيراً خفيفاً ينساب وأعاد السكين إلى غمده، ثم جر الكيس الجلدي نحوه. ثقله كان مألوفاً؛ خفيفاً بما يكفي ليعرف أن اليوم عادي، وثقيلاً بما يكفي ليعرف أنه لم يضِع وقته. في النهاية، ثلاثة أنياب. ليست نادرة، وليست سيئة.
نوع من الغنائم التي لا يتذكّرها أحد، لكنها تُسجَّل. في النهاية نقابة النجوم كانت تطلب أشياء كهذه.
لا بطولات، ولا رؤوس ملوّنة، فقط مواد تُسلَّم، تُوزن، وتُسجَّل باسم شخص ما في سجلّ لا يهتم كثيراً بمن أنت.
شدّ معطفه، ونظر نظرة أخيرة إلى المكان. ليس وداعاً… بل تأكيداً داخلياً أنه سيعود، فالغابة لا تختفي، هي فقط تنتظر.
تحرك نحو العاصمة، وبدأ الطريق يضيق ثم يتسع تدريجياً. تغيّرت الأرض تحت قدميه قبل أن يتغيّر الهواء؛ الحصى حلّ محل التربة الرطبة، وآثار عجلات قديمة شقّت خطوطاً لا تختفي.
ومع كل خطوة، تغيّرت الإيقاع؛ كلما اقترب، بدأت الأصوات تتراكب: عربات، نداءات، شجار بعيد، وصوت نحاس يصطدم بنحاس وروائح خبز طازجة، ومن عرق قديم، إلى الماء الراكد عند أطراف الطريق.
لم يكن الضجيج هو المزعج، بل "العجلة"؛ الناس هنا يتحركون وكأنهم متأخرون عن شيء لم يُعلن بعد. وعند البوابة، ظهر أول جندي؛ درعه نظيف بما يكفي ليقول إنه ما زال يتقاضى أجره، ووقفته انتظار حذر بين التصلب والاسترخاء.
مرّ فرانكو دون أن يُسأل عن شيء. لم يطلبوا أوراقاً، ولم ينظروا إلى الكيس في يده أكثر من نظرة عابرة. وهذا وحده كان كافياً ليشعر بالفرق منذ إعلان الإمبراطور عن رفع الضرائب لمدة 3 أشهر.
رغم ذلك، الجدران كما هي، الأبراج كما هي، البوابة تحمل نفس الشقوق القديمة، لكن الداخل… كان أقل ثباتاً.
ما إن عبر حتى شعر أن المدينة تتحرّك حوله، لا معه.
باعة ينادون ثم يصمتون فجأة، جنود يبدّلون مواقعهم دون أوامر مسموعة، أشخاص يقتربون من بعضهم ثم يبتعدون وكأنهم تذكّروا أمراً متأخراً.
الهمسات لم تكن خافتة لأنها سرية، بل لأنها معتادة.
لم يتوقف فرانكو، فمرّ بجانب رجلين يتحدثان عن الأسعار، لم يذكرا اسم الإمبراطور، لكن الاسم كان حاضراً في الفراغ بين الكلمات. ثم امرأة شدّت طفلها نحوها عندما رأت مجموعة جنود، لا خوفاً، بل احتياطاً.
نظر إليها وتنهد حتى هو لم ينسَ حملة التطهير التي أطلقها الإمبراطور ضد ما سُمّي بـ«النجوم السوداء».
ذلك اليوم عندما نزل الفرسان من القصر، لا للحرب، بل للمسح. وبعد تلك الذكرى، تنفّس ببطء وتابع السير.
مر على بائع يعد النحاس في يده مرتين، ثم ثالثة، وكأنه يختبر نفسه لا العملة. كان يعرف أن السوق في الداخل، وأن اليوم—مثل أغلب الأيام—لن ينتهي عند هذا الحد.
"فرانكو، كيف الحال يا رجل؟"
أشار فرانكو بيده مرحباً وتوقف عند الكشك الذي يعرفه بعد دخول السوق مع الموجة فنظر إليه البائع متسائلاً:
"ماذا لديك اليوم؟"
"ليس كثيراً" وضع الكيس فوق المنضدة وفتحه "34 ناب و20 نواة، وبعض قشور أفاعي ماندالا"
"لا بلورات مانا اليوم؟"
ابتسم فرانكو و أجاب "أنت تعلم لا أملك جرأة على التعمق ومن النادر أن تخرج الوحوش السحرية ضعيفة إلى أطراف الغابة"
ظل البائع صامتاً يحاول فحص جودة ما في الكيس قبل أن يوافق برأسه برضى وينظر إلى فرانكو: "حسناً، من الأفضل ألا تحاول التعمق، لديك عناصر جيدة هنا، ما رأيك؟"
توقف قليلاً يحسب ثم تابع: "230 نحاسية"
توقف فرانكو لحظة، لا ليفكر في الرقم، بل ليقارنَه بما كان عليه بالأمس. لم يرفع حاجبه، ولم يعلّق فوراً؛ الأرقام لم تعد تعني الكثير إذا تغيّرت كل صباح.
"أقلّ بسبع" قالها بهدوء، كمن يسجّل ملاحظة لا يعترض، وهزّ البائع رأسه ثم أخرج نحاساً قديماً بأطراف مستهلكة من بين فضة جديدة تلمع أكثر مما ينبغي، وبلورة مانا صغيرة موضوعة جانباً، بعيدة عن اليد.
"اليوم هكذا." توقفت يد البائع وسأل: "النحاس كالعادة، صحيح؟"
"أجل" حتى الآن، النحاس هو الوحيد الذي لم يفقد قيمته، ورغم أن الذهب استعاد بعض الثقة إلا أن العملات الفضية الجديدة غالباً ما يقوم فرانكو بتجاهلها.
وبعد لفّ النحاس في القماش، وهو يعرف أن الغد قد يكون أفضل… أو أسوأ، ولا شيء يضمن أيّهما، ودع فرانكو البائع متوجهاً لنقابة النجوم...
"أبلغ سلامي لميا"
"سوف أفعل"
تحرّك فرانكو مبتعداً عن الكشك، اندمج مع الموجة البشرية دون أن يسرّع خطوه. السوق يبتلع الناس بسرعة، ثم يعيدهم بأشكال مختلفة.
لم يقطع أكثر من صفّين من الأكشاك حتى سمع صوت صراخ غاضب مألوف جداً، ثم لاحظ التجمع فتوجه إليه، ليس فضولاً لكن لأنه تعرّف على صاحب الصوت قبل أن يراه، "عذراً، اسمحوا لي بالمرور"
متخطياً الصف وصل فرانكو بسرعة لبداية الصف حيث يقف الجميع يشاهدون العرض دون أي نية للتدخل، فقط ابتسامة وبعض تعليقات هنا وهناك:
— «هذه الثالثة هذا الأسبوع… نفس الورشة.»
— «لا، الرابعة. الثالثة كانت بسبب الأجر، هذه بسبب طريقة الدفع.»
— «فضة اليوم أم فضة أمس؟»
— «اليوم طبعاً. أمس كانت أغلى.»
— «كان أحمقاً إن قبل أصلاً.»
— «أو شجاعاً. ليس الجميع يستطيع أن يقول لا.»
— «قول "لا" لا يطعم الأطفال.»
— «لكن القبول يعلّمهم أنك ستقبل دائماً.»
— «انظر إلى وجهه… لن يمرّ الأمر بهدوء.»
— «لن يتدخّل أحد.»
— «لماذا؟»
— «لأنه لم يرفع يده بعد.»
— «وإن رفعها؟»
— «حينها سيتذكر الجميع أن الشجار ممنوع.»
ابتسم بعض من في الحشد، بينما كان صوت الرجل المشدود يعلو دون أن يتحول إلى صراخ.
"لا تلعب معي" قالها مارك بحدّة، وهو يميل إلى الأمام. "الاتفاق كان واضحاً. فضية واحدة أو ما يساوي ذلك."
"وأنا ألتزم به."
"تسمي هذا التزاماً؟"
"هذا ما تستحقه."
نظر مارك إلى الكيس، ثم أعاد بصره إليه. "ليس هكذا اتفقنا."
هزّ الرجل كتفيه ببرود: "الاتفاق لا يوقف السوق."
شدّ مارك فكه: "دائماً تقول هذا بعد أن تنتهي أنت من الحساب."
"وأنت دائماً تتذكر الاتفاق بعد أن يتغيّر الرقم."
ضرب مارك الطاولة مرة واحدة، الصوت كان كافياً لجذب الانتباه… لا لإخافة أحد.
كاد أن يصرخ بشيء قبل أن يلفت صوت الحشد انتباهه، فعبس صاحب العمل وتوقف مارك ونظر إلى الخلف حيث وقف الجنود على مسافة، يراقبون بصمت. لم يتدخلوا، لكن وجودهم كان كافياً.
ساد صمت قصير. صمت ثقيل يعرفه السوق جيداً، فسحب مارك الكيس وترك كلماته تتردد خلفه: " احتفظ بعملك. لن أعود."
"هناك غيرك."
"أجل، لكن ليس اليوم."
انسحب مارك بهدوء، وحين تفرّق الحشد، تقدّم أحدهم أخيراً نحو صاحب المتجر… بينما يسير مارك بعيداً، لاحظ فرانكو الذي يتقدم نحوه فتنهد مفرغاً غضبه وعدل نبرته قبل أن يسأل "هل كنت في الجوار؟"
"منذ لحظة فقط، دعنا نغادر المكان أولاً."
بعد ابتعاد عن مجال الجنود سأل فرانكو: "إذاً، ما الأمر اليوم؟"
"لا شيء كبيراً، لقد اتفقنا على فضية جديدة عندما كانت تساوي 25 فضية قديمة، والدفع سيكون فضية قديمة" صرّ مارك على أسنانه ونظر إلى الكيس غاضباً.
"لكنه يريد الدفع بما تساوي فضية جديدة لهذا اليوم وهو 18 فضية قديمة فقط."
"إذاً باختصار، كالمعتاد."
تنهد مارك ولم يجب فسأل فرانكو: "ماذا سوف تفعل؟"
"سوف أبحث عن عمل آخر، ماذا يمكنني أن أفعل؟"
"لما لا تأتي معي إلى نقابة النجوم، على الأقل تحصل بقدر ما تعمل هناك."
"الشتاء الأسود قادم يا رجل، المدن سوف تغلق ولن يكون للنقابة فائدة، أنا أحاول تأمين عمل مستمر وليس عملاً مؤقتاً، انظر إلى نفسك تعمل طوال اليوم بشكل مستمر من أجل تخزين طعام للشتاء لكن ماذا لو حدث شيء ولم يكفك ما قمت بتخزينه؟"
"سوف آتي إليك."
"عادل، مرحباً بك في أي وقت."
ابتسم فرانكو وربت على ظهر مارك: "هيا سوف تأتي معي، اعتبرها استراحة فقط."
"أقدر لك هذا لكن من الأفضل أن أبحث عن عمل آخر، أو أعود إلى هناك بعد أن أهدأ."
تنهد فرانكو بصمت، لم تكن هذه أول مرة يحاول فيها إقناعه، سارا قليلاً دون أن يتحدثا وابتعد صوت السوق خلفهما، وبقيت خطواتهما وحدها قبل أن يتوقف فرانكو فجأة عند زاوية شارع ضيق، وأشار برأسه.
رجلان يتجادلان عند باب مخزن، ثم تحول الجدال إلى شجار حقيقي وسحب العامل صاحب العمل نحو الزقاق ثم بدأ كلاهما بلكم وضرب دون أن يصرخ أحدهما لطلب مساعدة، لكن انتهى الشجار بسرعة، وبسبب فرق الحجم كان الانتصار من نصيب صاحب العمل.
قام ورمى بعض عملات على الفتى الملقى على الأرض ثم بصق عليه وغادر، "انظر هناك."
أشار فرانكو إلى صاحب العمل العائد إلى مكانه قبل وصول الجنود، وقبل أن يصل صاحب العمل إلى متجره، ركض العديد من الفتيان طلباً للعمل لديه بما أنه طرد الشخص الذي تشاجر معه.
لم يتردد، نظر حوله ثم اختار شخصاً متوسط البنية وسحبه للعمل معه، شدّ مارك قبضته ثم أرخاها ببطء، تنهد مدركا أن ذلك الشخص مثله، لم يخسر العمل فحسب، بل شاهد كم كان سهلًا أن يُستبدل.
"تعال معي إلى النقابة، على الأقل يمكنك العمل بينما تبحث عن عمل أفضل، عندما يصل الشتاء الأسود لنعمل معاً على النجاة."
"لا تنظر لي بهذه الطريقة سوف أذهب"
"لا تغير كلامك مجددا في منتصف الطريق"
إبتسم مارك ولم يجب على ذلك...
...
______________
نهاية الفصل
_______________
[مع بداية الجزء تاني لدي كلمة واحدة...