لم يكن مارك غاضبًا وهو يسير؛ فالغضب طاقة، وهو لم يعد يملك منها شيئًا. كان الأمر أسوأ من ذلك بكثير.
لكن عندما يفكّر في عدد المرات التي مرّ فيها بمثل هذا المشهد، حيث أصبح العمال فيه أقل قيمة من العبيد، أدرك أن المشكلة ليست أنهم يُستغلّون… بل أنهم يتعلّمون العيش مع ذلك.
وهو أيضًا تعلّم.
تعلّم كيف يقبل أي طريق يمنحه فرصة للبقاء، حتى لو كان يعرف أن ذلك الطريق يقوده إلى نفس الحلقة المفرغة.
خلال الطريق، وأثناء السير، شرح له فرانكو المزيد عن نقابة النجوم. ليس لأن مارك كان يجهلها، بل ليمنعه من تغيير قراره—كعادته.
مع ذلك، لم يكن مارك منتبهًا هذه المرة أيضًا؛ كانت عيناه تفحصان الأزقة اليوم أكثر مما تفعلان عادة.
تلك المشاهد تتكرر، وبعضها أسوأ، لكن هناك شيء واحد مشترك بينها جميعًا: صاحبُ العمل يسدّد ما عليه للعامل… إمّا بلطفٍ قاسٍ لا يترك له خيار الرفض، أو بقوّة.
مرّ بجانب صبيّ يفرك يده المتورّمة بكمّ قميصه، والعملات في قبضته ترتجف أكثر مما ترتجف أصابعه.
صراخٌ آخر انزلق إلى أذنه بلا معنى، فتركه يمرّ وأعاد انتباهه إلى فرانكو.
"لذا بعد التسجيل ما عليك سوى…"
تنهد مارك وأومأ برأسه، ثم شرد من جديد.
النقابة… حسنًا، لم يكن يحب هذا حقًا.
حتى لو انتهى الأمر بقتالٍ مع صاحب العمل، فعلى الأقل لن تخسر حياتك هناك، وستحصل على ما تستحق—خوفًا من أن يُغلق الحراس محلّه.
أمّا مهام النقابة… فكانت قصةً أخرى.
لم يثق بالنقابة، ولا أرادها يومًا، لكنه كان يحتاج إلى العيش، وتلك النقابة كانت تقدّم طريقةً للعيش… حتى لو عنى ذلك المخاطرة بحياته.
غارقًا بين فكرة وأخرى، سرعان ما وصلا إلى مبنى النقابة: باب خشبي عريض، مفتوح على الدوام، وحشد يدخل ويخرج بلا توقف.
فوقه لوح خشبي قديم يحمل اسم النقابة؛ لا مبهرج، ولا مميّز، فقط معلّق هناك كأنها لا تهتم إن دخلت… أو لم تدخل.
ورغم أنها لم تكن أول مرة يأتي فيها إلى هنا، لكنها بدت—بطريقة ما—كأنها الأولى.
دخل مارك مع فرانكو، ثم توجه كل واحد منهما ليقف في صف خاص به، مارك من أجل التسجيل وفرانكو من أجل تأكيد نهاية المهمة، وبعد نصف ساعة عاودا الاجتماع.
"هل تم تسجيلك؟"
"نعم" حمل مارك ورقة وقطعة نحاس برونزية مستغربًا "هل الرتب مثل نقابة المغامرين؟"
"تقريباً، لكن عليك أن تنهي سلسلة من مهام ناجحة من أجل الترقية وهنا الاختلاف" أخرج فرانكو لوحته وابتسم مشيراً "أنا من الرتبة E أحتاج مهمة ناجحة واحدة وسوف أدخل الرتبة D، هناك الكثير من فوائد تأتي مع الترقية."
"سمعت إشاعات عن ذلك، ماذا أفعل الآن؟"
"ابحث عن المهام من نفس رتبتك وحاول إنهاء 10 مهام دون فشل، سوف تجدها متوفرة هناك" أشار فرانكو نحو لوحة عملاقة محفور على قمتها رتبة F.
وتابع: "المهام من الرتبة F تكون داخل المدينة غالباً، ورغم أن العائد ليس كبيراً إلا أنها بكميات كبيرة."
"لمَ لا نشكل فريقاً ونأخذ مهمة عالية المستوى، ألن يساعد هذا على الترقية السريعة؟"
"حاول العديد فعل ذلك لكن لم ينجح أحد" ابتسم فرانكو وتابع، "أيضاً سوف تعلم لاحقاً سبب عدم السماح بتكوين فرق في المهام تحت رتبة C."
عبس فرنكو"لقد شرحت ذلك لكن دعني أعيد الشرح.."
أخرج مارك زفيراً طويلاً وأدرك أن فرانكو لن يتوقف عن الكلام اليوم، ورغم أنه شخص هادئ في عادة فعندما يبدأ بالكلام يصبح من صعب تصديق ذلك، لذا قرر الاستماع دون التعليق على كلامه.
وبينما يتوجه فرانكو ومارك إلى لوحة المهام أثناء حديثهم، مر بجانبهما شخص ملثم بغطاء أسود وخرج من النقابة ببطء دون أن يلاحظه أحد، قبل أن يختفي في الظلال متوجهاً إلى الكنيسة.
.....
في قاعة الاجتماعات الخاصة بالقلعة... وبعد استقرار الوزراء العشرة في مقاعدهم، دخل ري برفقة سيسلين ومورغانا وألكسندر، حيث أُعلن رسمياً عن تولي مورغانا "ركن الروح" مؤقتاً لحين انتهاء الاختبارات.
وبادر ري بتوزيع ملفات ذهبية على الحاضرين، ساد صمت ثقيل، وانهمك الحاضرون في دراسة محتواها بانتظار وصول راي. مر الوقت ببطء قبل أن تُفتح الأبواب أخيراً ليدخل بخطوات هادئة.
"هل راجعتم الملف؟" سأل راي بينما يجلس، مشيراً للبقية بالاستقرار في أماكنهم بعد أن أدوا التحية. هنا، رفع دوق الجنوب الملف الذهبي متسائلاً، ليكون أول من يكسر حاجز الصمت..
"جلالتك، هذا ليس مجرد إصلاح بسيط. هل يمكنني السؤال إن كانت لدينا الإمكانيات لتطبيق ما ورد في هذا الملف؟"
"لقد ذكرت ذلك سابقاً نحن لا نقوم بإصلاحات بسيطة في النظام ثم نضيف عليه بل نعيد هيكلته من الأول" ابتسم راي وأشار إلى ري الذي مد يده وأظهر خريطة الإمبراطورية فوق الطاولة.
"لكن أفهم ما تقصده، ليس لدينا ميزانية لتغطية مساحة تصل إلى خمسة ملايين كلم مربع تقريباً" هذه مساحة الإمبراطورية بعد أن فقدت نصف مساحتها، سيكون من المزعج التفكير في كيفية ربطها بالكامل.
"حتى لو كان لدينا فنحن نفتقر إلى الوقت أيضاً."
توقف راي قليلاً ونظر إلى الخريطة وابتسم وهو يمسك بذقنه: "لو حاولت تطبيق هذا النظام بالطرق العادية فدعنا نرى... خمس، ست، أو 10 سنوات."
عشر سنوات هي تقدير ري الدقيق من أجل دخول النظام للعمل فقط "لكن لا نملك كل هذا الوقت، خصوصاً أن الأعداء على الحدود لن يلتزموا الصمت في انتظار شفائنا."
وهذا واقع قد بدأ بالفعل "لذلك ما نحتاجه هو الوقت، وسرعة التنفيذ، وأساليب جديدة؛ لذلك ما بيدكم ليس النظام الكامل بل مجرد المرحلة الأولى منه، تبدأ من العاصمة ثم تنتشر في بقاع الإمبراطورية."
شيء آخر "لدينا ثلاثة شهور فقط، إذا لم يتم إنهاء المرحلة الأولى والثانية خلال ثلاثة شهور فمن المتوقع أن تكون هناك حرب واسعة النطاق."
ابتسم راي وأشار: "حرب من أجل تقاسم أراضي إمبراطورية أستر."
كيف، متى، أين، ولماذا؟ لم يطلب أحد الإجابة. الجميع يعلم أنه بحلول فصل الربيع سيتحدد مصير الإمبراطورية..
لكن هل هذا ممكن... تذكر راي الورقة التي قرأها وتنهد.
"على أي حال" صفق راي بيده وأيقظ الجميع واختفت الخريطة في نفس الوقت "يبدأ تطبيق النظام من العاصمة والأراضي المتعاونة."
"لا تناقش ولا تتفاوض مع أحد، من يحاول تأخيرك لسبب منطقي أو غير منطقي فقم بتجاهله وركز على مناطق أخرى، المرحلة الأولى أحتاج وأريد أن تكون جاهزة في العاصمة والمدن حولها قبل ليلة القمر الأحمر."
"هل هذا ممكن؟" سأل ماركوس ليس اعتراضاً بل مجرد فضول، لكن توقف فضوله عند نظرة راي: «لا تتفاوض قبل أن تحاول».
"بالنسبة للميزانية فقد وضعت تقديراً أولياً، راجعوا التقرير وأرسلوه بعد التعديل إلى وزارة المالية. سوف نعمل على عدم تأخير الإجراءات، لذلك يا سويفت.."
توقف راي ونظر إلى وزير النقل: "أريد أن تكون مصفوفات النقل، الاتصال، والإرسال والاستقبال جاهزة في أسرع وقت، كلما أسرعت كلما توفر لدينا مزيد من الوقت."
أومأ سويفت، وكذلك تابع راي بتسليم أوامر خاصة لكل وزارة مشيراً إلى إلينا كثيراً من أجل تسليمها الميزانية، ثم دخل النقاش مرحلة التوضيح لما هو في الملف الذهبي.
وركز التوضيح على ليلى في البداية؛ كيف سوف تبدأ ومن أين تبدأ، قبل أن يشير راي إلى كل وزارة بما عليها استخدامه من النظام القديم وبما عليها التخلص منه أو دمجه وكيف سيتم تنسيق بين كل شيء.
"جلالتك" تحدث دوق الجنوب بعد نهاية شرح "سؤال أخير، بالنسبة لهذا النظام، قلت إنك تخطط لنشره، ألا يعني ذلك كشف كل الثغرات فيه؟"
"هممم" نظر راي إلى الدوق وأجاب بهدوء: "من أجل تطبيق هذا النظام نحتاج لمساعدة الجميع، من المتسولين إلى المجرمين، أؤمن أن لكل شخص فائدة يمكنه تقديمها؛ لذلك لن تكون إصلاحات سرية بل علنية، لكن أخطط لنشر القالب فقط.."
توقف راي وعدل نبرته وابتسم: "في الواقع لا يهم إذا تم نشر النظام بالكامل فهو مثل التروس، إذا تعطل أحدها يمكن استبداله فقط دون تأثير على الإمبراطورية، إذا حاول أحد استغلال النظام ضدنا فذلك يساعدنا فقط."
نظر الجميع إلى الملف وبدا ارتباك واضح عليهم، كيف يساعدهم وجود أعداء، هذه الفكرة حتى ري لم يفهمها من ري ومورغانا ولم يشرحها راي
"حاليا ليعمل الجميع بعقلية البناء وليس التجديد، سوف أكون المهندس، فقط قم بما تراه مناسباً وعندما يظهر الخطأ سوف أقوم بتصحيحه، هل هذا جيد؟"
أومأ الحاضرون دون اعتراض، فتابع راي: "بالنسبة لباقي الإجراءات فسوف تجدون التفاصيل في انتظاركم في المكتب، هذا كل شيء بخصوص الاجتماع الأول، يمكن للوزراء الانسحاب لدي كلمة مع الأعمدة."
"أمرك."
وقف الوزراء جميعًا، وانحنى كل منهم بخفة، كإقرار ضمني بالمهام التي تنتظرهم. كل خطوة تثقل على عاتقهم ثقل القرارات القادمة.
_____________
نهاية الفصل
_____________
[هل تعلم: في غابة الحجر أسود تقع أحد مداخل المتاهة العظيمة]