​بينما يتوجه ري نحو نقابة النجوم مع ليليا، وبينما تتحرك الظلال من أجل جمع المعلومات، وفي إحدى المدن الغائمة، كان هناك سائق ينتظر بهدوء الشخص الذي أرسل رسالة عودته.

​يراقب الحشد بتركيز ويبحث ثم لم يصعب عليه تمييزها؛ فما إن لاحظ الشعر الأخضر حتى رفع يده، لتلاحظ ليلى مكانه فتتقدم بسرعة إلى العربة:

​"هل… احم، هل عاد والدي؟"

​"أجل سيدتي، لقد وصل والدكِ قبل ساعة."

​ابتسم السائق لنبرة صوت ليلى المحترمة، وساعدها على صعود العربة، ثم انطلق عائدًا إلى القصر بعد تلقي أمرها. ومن خلال النافذة، كانت ليلى شاردة وهي تراقب الشوارع؛ ضاقت عيناها قليلاً قبل أن تتنهد. لاحظ السائق ذلك، فنظر إلى الحشود والقلق المرسوم على وجوههم، ثم استمر بالتقدم دون تعليق.

​سرعان ما وصلت العربة إلى القصر، وكان والد ليلى في انتظارها، وخلفه صفوف من الخدم؛ بدا أن عددهم أكثر مما يحتاجه القصر. تقدم بسرعة وفتح باب العربة قبل نزول السائق، وبدا السائق معتادًا على ذلك.

​"عزيزتي، لم أتوقع عودتكِ بهذه السرعة، هل حدث شيء؟"

​"ليس حقًا." نزلت ليلى وشرحت الوضع "بما أن الوزارة التي كُلفت بمهامها تتطلب تأسيسًا شاملاً من نقطة البداية، فإنني بحاجة ماسة إلى فريق عمل. لكن لقلة خبرتي بتفاصيل العاصمة، قررت العودة والبدء من هنا."

​"خيار جيد، لكن هل هذه المشكلة الوحيدة؟ يبدو مزاجكِ سيئًا." نظر كلاود حوله وتابع "دعينا ندخل أولاً ثم أخبريني ماذا حدث."

​"لم يحدث شيء في القصر." ذكرت ليلى ذلك، لكن لم يبدُ أن كلاود يصدقها. تحركا معًا، ثم تنهدت وهي تتابع:

​"لقد لاحظت أن عدد سكان المدينة قد تضاعف عن آخر مرة. أعلم أن ليلة القمر قادمة، وأن أهل القرى يجب أن يحتموا داخل المدن، لكن بهذا المعدل لن تتمكن المدينة من استقبال المزيد. فما مصير من لم يتمكن من الدخول؟"

​"هل هذا ما يقلقكِ؟ لم تهتمي بهذا سابقًا."

​"حسنًا… خطر السؤال في رأسي فجأة."

​ابتسم كلاود وطمأنها "حسنًا، لا تقلقي، هناك محميات تحت الأرض، والمدن قادرة على استقبال المزيد. أما الناس، لا تستخفي بهم؛ فالجميع يعلم ما عليه فعله خلال سنوات القمر الأحمر."

​فكر قليلاً ثم تابع "أما سبب تدفق سكان القرى بهذه السرعة، فهو علمهم أن الإمبراطور رفع الضرائب. وكل مدينة نفذت المرسوم تواجه حاليًا المشكلة ذاتها."

​"إذًا أنت…" لم تكمل ليلى سؤالها، لكن كلاود ابتسم وأومأ برأسه، وبصوت هادئ، رزين، ودافئ قال:

​"كيف لا أوافق على التغييرات وابنتي أصبحت وزيرة الصحة؟"

​"ما هذا؟ أشعر أنني سأتعرض للاستغلال!"

​"بالطبع."

​"إذًا هل يمكنني استغلالك أيضًا؟"

​"حسنًا، لا أعلم بخصوص هذا." ابتسم وسأل "ما الأمر، صغيرتي؟ كيف أساعدكِ؟"

​"أحتاج موظفين، الكثير منهم، وكذلك مساعدين. سلمني الإمبراطور نظام الوزارة وطلب مني بناءه. وبالنسبة للميزانية… لنبدأ بما لدينا لتسريع الأمر، ثم نرسل الفواتير إلى القصر لتحويلها."

​"نظام إداري؟ هل هو مختلف عما أعلنه في الاجتماع؟"

​"لم أحضر الملف معي، لكن دعنا نناقش الأمر بالتفصيل."

​"جيد."

​انحصر حديثهما بعد ذلك في حالة ليلى النفسية وخططها، حتى وصلا إلى المكتب. طرح كلاود بعض الأسئلة، بل واختبر قدرتها على التعامل مع الوضع، وكيف سوف تتعامل معه، ثم أشار إلى نقاط ينبغي أن تنتبه لها.

​توقفت المحادثة قليلاً عند دخول خادمة تحمل الشاي. شكرها كلاود وطلب منها الانسحاب، قبل أن يدخل النقاش مع ليلى في مسار أعمق.

​وبالعودة إلى العاصمة، تحت سماء ليلية ملبدة ورياح باردة، توقفت عربة أخرى أمام القصر. نزل منها رجل في منتصف العمر، بدا عليه التوتر.

​وقف يتأمل القصر المشرق، ابتلع ريقه، ومسح العرق عن يده، ثم تقدم خلف الخادمة متوجهًا إلى مكتب مورغانا.

​مسار طويل وسرعان ما وصل إلى المكتب. طرقت الخادمة طرقًا خفيفًا، وحصلت على إذن بفتح الباب.

​داخل الغرفة كانت هناك ثلاثة مكاتب متقاربة؛ جلست مورغانا في الوسط خلف كومة من الأوراق. وعلى يمينها صاحبة الشعر الأشقر، التي تحمل شبهًا واضحًا بدوق الشرق، وكانت الزوجة الأولى وابنته، كاديتا.

​وعلى يسارها جلست صاحبة الشعر الأحمر، الزوجة الثانية أوديت، التي غيرت موقفها وقررت التعاون مع مورغانا للحفاظ على منصبها.

​عند صوت الطرق، أوقفن عملهن وراقبن الضيف وهو يدخل، وملامح التوتر واضحة عليه.

​لم يرفع نظره كثيرًا؛ نظرة عابرة فقط، ثم انحنى بسرعة:

​"لقد رأيت قمر الإمبراطورية."

​أومأت مورغانا وأشارت له "ممثل شعب لوتر، لقد كنت في انتظارك. تفضل بالجلوس."

​"أمركِ."

​بتعبير هادئ، أخذت مورغانا ملفًا ذهبيًا من جانبها وتوجهت إلى الأريكة. انتظر لوتر حتى جلست، ثم جلس هو أيضًا، ولم يتكلم قبلها.

​"هل علمت بمسألة إعادة هيكلة النظام؟"

​سمع. بل لا يوجد من لم يسمع؛ فالأخبار تنتشر حتى بين التجار خارج القلعة، ناهيك عمّن كان ينتظر خارج القاعة.

​تابعت بعد أن أومأ برأسه: "بالنسبة لبرلمان الشعب، فسيُعاد هيكلته أيضًا. ونظرًا لتقييم جلالته لك، فقد تقرر أن تكون المشرف الأعلى. هل لديك اعتراض؟"

​أجاب لوتر وفي نبرته رعشة مختلفة عن التوتر. "تحت أمر جلالتكِ في أي وقت."

​"لستُ المسؤولة عن قسمك. ستكون تابعًا للركن الأول، لكنني سأحتاج إلى تعاونك لتمرير وتسليم العديد من سلطات البرلمان السابقة إلى ركن الروح، لذلك سأرشدك مبدئيًا."

​مررت له الملف الذهبي، فنظر إلى العنوان:

​[نظام ميزان الشعب]

​ولم يفتحه. لم يكن في وضع يسمح له بذلك، فتابعت مورغانا: "بعد تسليم سلطتك إلى ركن الروح، ستُحصر مهمتك ومهمة البرلمان في استقبال شكاوى الشعب والنبلاء ضد الإدارة، وتصفية هذه الشكاوى وتقديم حلول سريعة، لضمان استقرار الشارع ومنع أي تمردات شعبية."

​سعلت قليلاً ثم أضافت "في الحالات العادية تُرفع التقارير إلى رئيس الوزراء. لكن في حالات الفساد الكبرى التي قد تورط رئيس الوزراء نفسه، تملك الحق في الذهاب مباشرة إلى الإمبراطور. هذا هو مستوى سلطة قسمك في النظام الجديد."

​"أليس جلالة الإمبراطور هو رئيس الوزراء؟" بدا الارتباك واضحًا على لوتر.

​"حاليًا نعم. لكن سيتم تعيين رئيس وزراء لاحقًا، وستبقى سلطة البرلمان تحت رئيس الوزراء وفوق الوزراء. وهنا يأتي دور نظام ميزان الشعب."

​تردد لوتر في فتح الملف. لاحظت مورغانا الوقت وقالت:

​"لقد تأخر اليوم. راجع النظام أولاً، غرفتك جاهزة، وسنواصل الحديث صباح الغد."

​"تحت أمركِ."

​أشارت له بالمغادرة. وقف لوتر، انحنى وخرج، وأمام المكتب كانت الخادمة التي أوصلته في انتظاره.

​"من هنا، سيد لوتر."

​أومأ برأسه، مدركًا أن بقاءه في القصر هو أمر وليس خيارًا. لكن لم يُظهر اعتراضًا، فتح الملف، وسار خلف الخادمة بخطوات بطيئة.

​وبعد خروج لوتر من المكتب سعلت مورغانا مرة أخرى.

​لم يكن سعالاً عاديًا هذه المرة.

​توقفت في منتصف الحركة، أصابعها ما تزال فوق الأريكة، قبل أن تشعر بوخزٍ حاد خلف عينيها. لم يكن ألمًا… بل ضغط. كأن شيئًا يدفع من الداخل.

​"هل أنتِ بخير؟" سألت كاديتا.

​أشارت مورغانا بيدها أنها بخير، ونهضت. خطوة واحدة.

ثم—اختفى الصوت.

​لم تتوقف الرياح… بل لم تعد موجودة أصلاً.

الورق فوق المكاتب لم يتحرك، لكنه لم يكن ساكنًا أيضًا.

الهواء صار أثقل، كثيفًا، كأنه يُملأ ببطء. وألوان بدت أخف.

​اتسعت عيناها وكانت ما تزال ممسكة بالأريكة حين تغيّر كل شيء دون أن يتحرك شيء.

مكتب، ضوء مختلف، وجو مختلف وراي جالس أمام سبع رسائل، بدا أضعف، مرهقًا، أقرب إلى الموتى منه إلى الأحياء، وجهه عابس، وملامحه حادة كأنها منحوتة من صمت. تحرك فجأة ثم رفع عينيه.

​نظر إليها مباشرة، ثم إلى ري الذي يقف قربها، قبل أن تتحرك شفتاه. هناك كلمات، ورأت الكلمة تتشكل… لكن لم يصلها صوت ولم يكن هناك صدى.

​ثم نظر خلفها فتجمد قلبها وأرادت أن تلتفت لكن لم تستطع وليس لأن جسدها مشلول—بل لأن "الخلف" لم يكن موجودًا.

​حاولت أكثر… ثم—تلاشت الصورة وعادت الألوان.

عاد الصوت فجأة.

​الهواء اندفع إلى رئتيها بعنف حتى كاد يؤلمها قبل أن تسقط على ركبتيها.

​العالم عاد… لكنه بدا أثقل.

​العرق انزلق على صدغها. جف حلقها كأنها لم تشرب منذ أيام. حاولت ابتلاع ريقها، لكن لم يكن هناك شيء يُبتلع.

شعرت بشيء فارغ في صدرها. لم يكن خوفًا ولم يكن ألمًا. كان فراغًا.

​"جلالتك!" صوت أوديت هذه المرة.

​احتاجت ثانيتين حتى تفهم أن الصوت موجه لها لكن ركزت على جسدها ونظرت ببطء إلى الداخل— هناك، عميقًا. مخزن المانا —فارغ.

​أشارت لكاديتا بيد مرتجفة أن لا تستدعي أحدًا ثم حاولت التحكم في أنفاسها التي لم تستقر بعد، دقائق بعد ذلك مرت كأنها ساعات قبل أن تتنهد وتشعر بتحسن واضح فحتى التعب قد زال.

​"أنا بخير، مجرد اضطراب مانا."

​نظرت كاديتا وأوديت إلى مورغانا ومن الواضح أنه ليس كذلك لكن لم يسألا عن شيء. ليسوا بذلك القرب للقلق على بعضهم البعض، طالما قالت أنها بخير فهو كذلك.

​لكن فضولهما زاد بعد مشاهدة مورغانا وهي غارقة في تفكير ومشتتة بعد عودتها للجلوس على المكتب.

___________________

نهاية الفصل

____________________

[ معلومات جانبية: مصفوفات النقل]

​تُصنف مصفوفات النقل إلى ثلاث فئات رئيسية حسب مداها وقدرتها:

[مصفوفات قصيرة المدى: تُستخدم للتنقل السريع بين المدن، وتتميز بكونها اقتصادية ولا تستهلك كميات كبيرة من الطاقة. تنقسم هذه المصفوفات إلى ثلاثة مستويات متفاوتة، لكنها تشترك جميعاً في قيود صارمة؛ فهي مخصصة لنقل الأشخاص فقط (فوق سن العاشرة)، ولا يُسمح عبرها بنقل أي أمتعة أو أغراض مادية.]

[​ مصفوفات متوسطة المدى: تُستخدم للارتحال بين الممالك المختلفة، وتوجد منها طرازات وأنواع متعددة تتناسب مع طبيعة المسافات بين الممالك.]

[مصفوفات بعيدة المدى: نوع نادر جداً ومحدود الاستخدام، مخصص حصراً للتنقل بين القارات البعيدة نظراً لتعقيدها وتكلفتها العالية.]

_______

[ملاحظة: بعد خسارة إمبراطورية أستر حقوق إحتكار مصفوفات قصيرة ومتوسطة المدى فتم تطويرها من طرف سحرة ممالك أخرى لعدة إصدارات مع ذلك هي ليست للإستخدام عام بسبب تكلفة عالية]

[ملاحظة: لا يتعارض هذا مع ميزة كتاب العقل وجسد والروح الذي ثم بيعه لسيد برج الأزرق، حيت يتميز بميزة إنشاء سحرة قادرين على نقش مصفوفات النقل في مخطوطات قابلة للإستخدام من طرف العامة دون حاجة لموقف تابث]

2026/03/05 · 48 مشاهدة · 1455 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026