​ثلاثة أيام بعد انتشار الأسطورة..

​قصة لطيفة ظهرت واختفت في نفس اليوم، وظل الرواة يكررونها كل يوم بصيغ مختلفة، لكن مع عاصفة الأخبار كان من السهل أن تضيع في المحادثات وينتقل الاهتمام بها إلى الأطفال وبعض الجان مثل ريكا.

​فمن يرتبط بأرواح سوف يرغب بمعرفة كل شيء عنهم حتى يضيع بين الحقيقة والخيال.

​وصباح اليوم الرابع، حدث جذب اهتمام العاصمة؛ حوت وحشي يخترق غيوم السماء الكثيفة ويغوص ببطء وهدوء نحو الأرض في مشهد ساحر.

​إنها أول سفينة تجارية بقيادة سحرة البرج الأزرق تصل إلى العاصمة.

​"مذهل كم مر من وقت منذ أن رأينا سفينة تجارية!"

​"هل هذا ما ذكرته الأخبار؟"

​"هل تعتقد ذلك؟"

​نظر كل من يراقب المشهد إلى بعضهم البعض بينما تتوجه السفينة إلى مرسى الميناء.

​ذلك المكان الذي لم يتم استخدامه لعدة سنوات، لكنه الآن جاهز من أجل استقبال أسطول السفن هذا، ومع وصول الأولى في اليوم الرابع، وصلت الثانية بعدها بساعة، ثم الثالثة، ثم مجموعة.

​ووصل بعضها في المساء وفي الليل وفي الأيام التالية، بعضها حمل علم الإمبراطورية وعلم البرج الأزرق، والباقي حمل علم الإمبراطورية وعلم البرج الأزرق في إشارة، ومع عودة مالكوم (سيد البرج الأزرق) وشاشا (سيدة البرج الأحمر) إلى العاصمة، كان لديهم اجتماع سريع مع الإمبراطور.

​وبينما غرقت الأسواق في محادثات وتكهنات، توجه الاثنان بشكل منفصل نحو القلعة، وفي غرفة الاستقبال جلس مالكوم، وأمامه جلست شاشا، ينظر لها وتنظر إليه بينما تأخذ رشفة من الشاي.

​وساد صمت طويل قررت شاشا بعده السؤال: "أيها العجوز، إذا كان لديك ما تقوله فتحدث؟"

​لم يجب مالكوم، حدق فيها ثم تنهد وهز رأسه، ثم حمل الفنجان وأخذ رشفة من الشاي.

​"ماذا؟" عبس جبين شاشا.

​رفع مالكوم عينه مجدداً، نظر إلى شاشا، فتح فمه، كأنما سيقول شيئاً، لكن الكلمات لم تخرج، تنهد وهز رأسه فقط، فكادت شاشا تنفجر غضباً، لولا أن شعوراً قادماً من الباب جعلها تغير أولوياتها.

​زفرت بقوة تفرغ غضبها بينما تقف، ووضع مالكوم الفنجان أيضاً، وفتح الباب الضخم، فدخل راي بظهر منحني، وعيون سوداء وملابس مبعثرة، بينما يعبث بشعره.

​انحنت شاشا ومالكوم احتراماً فأشار لهما عرضاً بالجلوس قبل أن يأخذ مقعداً بين الأريكتين ويجلس: "أعتذر عن التأخير، كيف كان حالكم؟"

​"بخير جلالتك، أتمنى أنني لم أزعجك بطلبي" تحدث مالكوم أولاً.

​"لا مشكلة، كنت على وشك استدعائكما على أي حال، كان هناك تأخير بين الرسالة وموعد وصولكم، هل واجهتكم أي مشكلة؟"

​بحسب الرسالة كان يفترض أن تصل جميع السفن قبل عدة أيام، لكن حتى الآن لم تصل جميعها، ونظراً لأن السفن لا تأخذ طريقاً مستقيماً، ومهما كانت المشكلة، فقد اكتفى مالكوم وشاشا باعتذار فقط دون كشف ما حدث خلال الطريق، فما حدث كان ظواهر طبيعية معتادة تسببت بإجبار السفن على تغيير المسار.

​ثم دخل الاجتماع إلى النقطة المهمة.

​أخذ راي رشفة من الشاي واستمع لتقرير مالكوم بينما يضع الكوب ويحمل التقرير.

​"كما أمرت جلالتك، بالنسبة لكتاب (الجسد والروح والعقل) فقد حولت كل الأرباح إلى سلع قابلة للاستهلاك؛ معادن، ذهب، مؤن وموارد متنوعة بما في ذلك السفن التجارية نفسها، بمجموع 21 سفينة متوسطة".

​توقف مالكوم يراجع الأوراق وتابع: "بالنسبة للكنوز فقد تم تحويل الأرباح فوراً إلى 98 سفينة متوسطة، وقد تم تلبية كل العناصر التي ذكرتها في القائمة".

​"إذن المجموع 119 سفينة متوسطة".

​"بالضبط، بالنسبة للأرباح من الكتاب فهذا كل ما يمكن الحصول عليه حالياً والباقي لا نزال نعمل عليه، ومن بين الكنوز فقد تم بيع كل شيء بسرعة".

​هذا طبيعي، كل كنز يحمل جزءاً من تاريخ إمبراطورية أستر العظيمة، سوف يتهافت النبلاء والعائلات الملكية للحصول عليها، والنتيجة ليست سيئة.

​119 سفينة متوسطة محملة بموارد كافية لتلبية حاجيات الإمبراطورية لمدة 7 سنوات في وضع طبيعي.

​لكن ذلك إذا كانت الإمبراطورية في وضع طبيعي.

​أومأ راي برضى وهو يراجع قائمة المؤن التي تم شراؤها قبل أن يغير الوثيقة وينظر إلى شاشا: "ماذا عنكِ؟"

​"بالنسبة لي، تم بيع جميع الكنوز بمجموع 240 سفينة متوسطة و3 سفن كبيرة، جميعها محملة بالمؤن التي أشرت لها، وقد تم استخدام الباقي لعقد اتفاق تزويد سلاح للإمبراطورية وسوف تصل الدفعة الأولى قريباً".

​ابتسمت شاشا ورمقت مالكوم بنظرة جانبية وتابعت: "أيضاً بالنسبة لشيء آخر، فقد تم إحضار مجموعة من العتاد السحري، حوالي 300 مجموعة، يجب أن تكون قد وصلت قبل يومين".

​"نعم سمعت بذلك" أومأ راي بينما يمسك ذقنه ويتأكد من كل شيء، بينما تابعت شاشا سرد التفاصيل قبل أن يتنهد راي بارتياح.

​"أفهم، شكراً لكم، أحسنتم عملاً أيضاً، مساهماتكم في إحياء الإمبراطورية لن أنساها".

​"لا تقل ذلك، لقد استفدنا أيضاً" ابتسمت شاشا وتابعت: "نحن من ندين لك بالشكر على هذه الفرصة، لكن أتمنى حقاً ألا تطلب استعادة الكنوز التي اشتراها البرج في المستقبل".

​"لا تقلقي بخصوص ذلك" حتى لو كانت إرثاً عائلياً فلن أطلب استعادتها بشكل غير قانوني.

​"ثم أخبروني كيف كانت رحلتكم؟"

​كيف كان الاتفاق مع الممالك؟ هل كانت هناك أي رسائل؟ وما هي الأخبار المتداولة حول الإمبراطورية؟ وحيث أن سحرة البرج الأحمر والأزرق كان عليهم حضور العديد من حفلات النبلاء لعقد اتفاقيات، فكان بمقدورهم الحصول على الكثير من المعلومات، وبينما لخص مالكوم الكلام في عشر دقائق، ظلت شاشا تتحدث لمدة ساعة قبل أن تأخذ نفساً.

​"وهذا ما حدث".

​"أرى... حدث الكثير حقاً".

​سقوط الإمبراطورية ليس حدثاً سوف يتم تجاهله، لكن مما تقوله شاشا، فحالياً الإمبراطورية من الخارج يُنظر لها كأنها حفرة سوداء، أو غابة مظلمة، لا أحد يتوقع منها شيئاً، والاهتمام منصب على الحرب بين مملكتين على جانب آخر من القارة.. وهذا في حد ذاته شيء غريب.

​صحيح أن الإمبراطورية أغلقت على نفسها وأصبحت المعلومات غير متداولة، لكن لِمَ لم تنتشر الأخبار عن إعادة هيكلة النظام؟

​ذلك كان سوف يجلب العديد من المستثمرين.

​'إذن هناك من يحجب الأخبار' من ولماذا؟

​تنهد راي وهز رأسه ثم استعاد تركيزه على الحاضر: "سوف أنظر بخصوص ذلك لاحقاً، المهم أحتاج أن أعلمكم بالخطوة التالية للأبراج السحرية".

​بشكل أدق، كيف سوف تتعامل الإمبراطورية مع وجود الأبراج السحرية في المستقبل.

​"ماذا تقصد بذلك جلالتك؟" اختفت ابتسامة شاشا وهي تسأل. لم تكن غاضبة، هي فقط لم تفهم.

​"لننتحدث عن سياسة البرج السحري الحالية".

​عموماً يتبع البرج مبدأ "المعرفة للجميع، والولاء للسحر فقط"؛ لذلك هو كيان مستقل تماماً عن الإمبراطورية، لا يخضع لقوانينها ولا يشارك في تعيين حكامها.

​ويعتبر السحرة داخل هذا البرج أنفسهم "باحثين عن الحقيقة" وليسوا جنوداً، لكن رغم حياده السياسي، لدى البرج اتفاقيات بإعارة "وحدات سحرية" للإمبراطورية في حالات الدفاع عن النفس أو الحروب الكبرى.

​هؤلاء السحرة يعملون كمرتزقة رفيعي المستوى أو مستشارين عسكريين مؤقتين، لكن بمجرد انتهاء المعركة، يعودون للبرج ولا يحق للإمبراطور إصدار أوامر لهم.

​إلا في حالات خاصة مثل ما سبق.

​"هذا صحيح" أومأ مالكوم بهدوء، عموماً اختصر راي فلسفة البرج في ثوانٍ رغم أنها أعمق من ذلك.

​"لكن سيتم إعادة فتح البرج السحري الإمبراطوري، ومع أكاديمية عسكرية لتعليم السحرة لن تكون هناك حاجة كبيرة لسحرة البرج السحري، ومع ركن العلم سيتم فتح مدارس لتعليم السحر والفروسية ومع عدة قوانين أخرى، قد يتم طمس الأبراج السحرية وسط كل هذه التغييرات".

​توقف راي عن عمد للحظة ثم تابع: "لذا أسألكم، إذا كنتم ترغبون بالاستمرار على نفس سياستكم فلكم ذلك، وإذا أردتم أستطيع منحكم مزيداً من السلطة ليكون وجود الأبراج السحرية جزءاً من الإمبراطورية".

​"لكن جلالتك، هل يمكنك حقاً تعويض معرفة البرج السحري المتراكمة لآلاف السنين؟" سأل مالكوم وهو يأخذ رشفة من الشاي في إشارة واضحة تقول إنه يعرف ما يحاول فعله.

​"المعرفة قديمة" ابتسم راي واستخرج ورقة صغيرة من جيبه بها رمز سحري، وضعها على الطاولة وسأل: "أقصد شيئاً مثل هذا؟"

​"رون؟؟" ضاقت عين مالكوم فقد بدا هذا مألوفاً لكن سبقته شاشا وأخذت الورقة تتأكد قبل أن تبتسم وتسلم الورقة إلى مالكوم.

​"أيها العجوز، أليس هذا ملكاً لبرجك؟"

​أخذ مالكوم الورقة بسرعة يتأكد بينما نظر له راي وابتسم: "لدي واحدة من أجلكِ أيضاً".

​"لا داعي لأن تهددني جلالتك، البرج الأحمر منفتح لسماع رغباتك والنظر فيها، لكن لدي سؤال، هل تعرف ما هذا. "

"هذا…" قاطع صوت مالكوم.

حدق في الورقة… ثم رفع عينه ببطء و صمت للحظة، كأن الكلمات نفسها ترفض الخروج، ثم ابتلع ريقه وسأل.

"من أين حصلت عليه؟"

ابتسم راي… ثم قال بهدوء: "كنت أظن أنك ستتعرف عليه بشكل أسرع "

_________________

نهاية الفصل

_________________

2026/04/01 · 33 مشاهدة · 1250 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026