بعد أن أنهى راي استخدامهم كوسيط لضخ دماء في إمبراطورية جافة… جاء الطعن فجأة.
ليس طعناً في الظهر… بل أمام أعينهم، وعلى طاولة ما زالت دافئة من مديحه قبل لحظات.
توقف عقل مالكوم للحظة.
ومن ناحية أخرى كانت شاشا أكثر حماساً من هدوئها الظاهر ، فقد حفظت النقوش التي تم عرضها فضاع عقلها في محاولة عدم نسيانها حتى أصبح هذا المكسب غير المتوقع له أولوية أكبر ولم تهتم لما سوف يأتي بعدها، فعلى كل حال توقعت أن يفعل الإمبراطور ذلك منذ اللحظة التي وافقت فيها على أن تتعاون في بيع الكنوز.
اختلاف منظور واختلاف خلفية وقيود جعل أولوياتهم مختلفة لكن قرر راي تهدئة الوضع أولاً وأكد أنه لا ينوي ولن يتجاهل مساهماتهم وأكد أنه ممتن لكل ما فعلوه.
أومأت شاشا بابتسامة وعبرت عن تفهمها وكذلك فعل مالكوم لكن ذلك الكلام ظل كلاماً من وجهة نظر اثنين، مهما كان الوضع فقد تخطى هذا الشاب الخط الأحمر.
فقد كشف عن امتلاكه شيئاً لم يكن يجب أن يكشفه، خصوصاً في هذه اللحظة، الأمر أشبه أن يجلس الجميع على طاولة مفاوضات ثم يكتشف اثنان أنه تم ربطهم قبل أن يتم وضع مسدس على طاولة المفاوضات.
هل نتفاوض الآن ؟
مهما تم تلطيف العبارة بعد ذلك فلم تكن سوى كلمات تستخدم لاحقاً للدفاع عن النفس، لم يعد التراجع بعد الآن شيئاً ممكناً ولم يكن راي ينوي ذلك، لقد أوضح فقط أنه شخص يقدر أعمالهم ثم وضع زر أمان للمستقبل قبل التطرق إلى صلب الموضوع.
"سوف أكون واضحاً، ما أريده هو معرفة خطط البرج الأحمر والبرج الأزرق والخيار الذي سوف يتم اتخاذه أثناء عملية إعادة هيكلة النظام".
"جلالتك هل لي إذن الحديث بشفافية؟" سألت شاشا.
"تفضلي".
"هل تحاول السيطرة واستغلال واستخدام الأبراج السحرية؟ إذا كان الأمر غير هذا فكل شيء آخر قابل للتفاوض ".
"كما قلت أنا أعرض خيارات فقط، كيف تقومون بتفسيرها هو أمر راجع لكم" كرر راي بهدوء.
"ما هي هذه الخيارات؟" سأل مالكوم.
توقف راي قليلاً عن عمد ثم تابع: " أولاً : يستمر البرج بالعمل كما هو، صحيح أن نظام الإمبراطورية سوف يتغير لكن كيف تتكيف معه هو أمر يخصك، وهذا خيار مطروح على جميع الأبراج".
بما في ذلك البرج الأسود والبرج الأخضر، أي أنه خيار متاح عند رفض الخيارات التالية، فلا يكون هناك رفض قد يمس كرامة العرش.
'إذاً تجعل الرفض خياراً' ابتسمت شاشا وانتظرت راي أن يتابع كلامه، كذلك مالكوم.
"الخيار الأول واضح، كذلك الثاني وهو أن تتحول الأبراج السحرية من منطقة محايدة داخل الإمبراطورية تستقطب المواهب وتعلم السحرة إلى أكاديمية عليا للسحر لها مكانة داخل الإمبراطورية".
"هل تعني أن نتخلى عن الحياد ونصبح جزءاً من الإمبراطورية ؟" سأل مالكوم حتى يتأكد لأن الاقتراح بدا أسخف من أن يقال.
أبراج السحر ليست كيانات مستقلة بل هي تشكل شبكة ذات نظام مستقل تمتد عبر القارة بأكملها ، وهذا الخيار لا يختلف عن ترك تلك الشبكة والتحول إلى ملكية حصرية للإمبراطورية مثل برج السحر الإمبراطوري .
"أعلم ما تفكر به".
تابع راي: "لكن ما أقصده هو أن تتعاون الأبراج السحرية الخاصة بكم مع سياسة برج السحر الإمبراطوري بصفتها أكاديميات للبحث ومن أصول إمبراطورية ".
بمعنى أن تكون جزءاً من الإمبراطورية وليس مجرد ضيف عليها، وهذا يعني تعديل قوانين البرج لتكون مستعدة لتتحول لأحد التروس التي تعمل من أجل الإمبراطورية .
'إذاً تطلب الخضوع' احتفظ مالكوم بأفكاره لنفسه لكن شاشا عبرت عما في قلبها.
"إذاً تقول لن نصبح جزءاً من الإمبراطورية بل سوف نصبح ملكها" ابتسمت شاشا وسألت: "أليس هذا أسوأ؟".
"ويعني أيضاً أنه لو نمت الإمبراطورية ، سوف تنمو الأبراج السحرية معها وإن سقطت فسوف تسقط معها" أضاف راي.
"وهذا يقودنا إلى الخيار الأخير، أن تقسم بالولاء للإمبراطور ويستمر نظامها كما هو دون تدخل، ولا حق لها في التدخل السياسي أو في قرار تعيين الوريث لكن للإمبراطور سلطة على الأبراج وعلى السحرة بداخل البرج السحري".
"سلطة حقيقية وليس احتراماً متبادلاً" أضاف راي.
"ما الذي يستفيده البرج من هذا الخيار جلالتك؟" حاولت شاشا تلطيف كلامها "إن سمحت لي بسؤال".
"سوف تدعم الإمبراطورية البرج السحري مادياً بشكل مباشر وتستثمر في أبحاث ومواهب وأفكار السحرة، هذا عدا عدداً من المزايا التي سوف تزيد مع نمو البرج السحري لكن هذا على المدى البعيد".
"من الممكن أن تعتبروها هدايا لكن إذا قررتم فلكم بعض مزايا فورية، أولها، البرج الأزرق، مالكوم، سوف أتخلى عن جميع حقوق كتاب الجسد والروح والعقل الذي سلمته لك إذا اخترت الخيار الأول".
"الخيار الأول؟" عبس مالكوم.
"كما سمعت، وفوق ذلك سوف أمنحك 3 رونيات كل رونة فيها تتكون من 4 حروف قديمة (حقيقية) كتعويض للكشف عن درع البرج السحري الخاص بك".
"جلالتك" تنهد مالكوم وسأل: "هل تعني بذلك قطع العلاقة مع البرج الأزرق؟".
كلام واضح، مالكوم ليس غبياً، ما يقدمه راي هو وداع أخير للبرج الأزرق إذا اختار الخيار الأول وذلك لطف راي الأخير وامتنانه على كل مساهمات البرج السابقة.
الكتاب وحده أصبحت قيمته أكبر مما كانت عليه وهو مجمع، فقد يستطيع البرج السحري رفع نفسه من برج من مستوى 6 إلى برج من مستوى 3 على مستوى القارة خلال 20 سنة قادمة لكن الرون... تلك قصة مختلفة فكل حرف يساوي ثلاثة كتب من نفس مستوى كتاب المثلث.
إذاً الخيار الأول في حقيقته هو قطع العلاقة مع البرج.
تنهيدة مالكوم كانت تعكس قسوة الخيار لشخص يحمل ولاءً لهذه الإمبراطورية لكن دون اهتمام بأفكار مالكوم تابع راي بنفس النبرة.
"أما البرج الأحمر" أعلن، فعادت شاشا إلى وعيها واستقامت دون وعي منها.
"الخيار الأول مقابل 5 رونيات من نفس المستوى".
"يا له من إغراء كبير" ابتسمت شاشا ساخرة: "لكن هل جلالتك تختبرنا الآن أو تملك حقاً هذا العدد من الرونيات الخاصة؟".
"لا أحتاج إلى أن أثبت نفسي، يمكنني وضع سيف الفتح أمامكم والرهان عليه، فإذا لم يتم تأكيد حقيقة الرونيات التي سوف أقدمها يمكنكم أخذ السيف".
اختفت ابتسامة شاشا وابتلعت ريقها، كانت تمزح فقط لتخفيف التوتر حتى لا يتصاعد لشيء لا يمكن السيطرة عليه، لكن هل وصل الأمر لوضع سيف الإمبراطور الأول وقلب وروح الإمبراطورية في الواجهة؟
'هل هو جاد؟'
وتابع راي: "الخيار الثاني يعني أنكم جزء من الإمبراطورية، إذا سقطت سوف تسقطون معها وإذا علت سوف ترافقونها، مقامرة باختصار".
هزت شاشا رأسها وطردت فكرة سيف الفتح من عقلها وعاد انتباهها للتركيز على راي، أما الخيار الثاني فلم ينظر له أبداً لأنه يلمس أساس وجود البرج السحري.
ولم ينتظر راي، استمر بهدوء: "والخيار الثالث يعني كذلك أنكم جزء من الإمبراطورية ومكانتكم سوف تساوي مكانة النبلاء، وسيتم اعتبار البرج السحري جهة تعليمية خاصة داخل الإمبراطورية وسوف تتلقى الدعم كما قلت وعليها الخضوع لنظام وقوانين الإمبراطورية".
'الكلمات... مهما تم تلطيفها فإن الخيار الأول هو قطع علاقة ثم الخضوع، والخيار الثاني هو الخضوع، والخيار الثالث هو الولاء للعرش'.
'إذاً ما يريده هو خضوع أو خضوع أو ولاء' تزامنت أفكار مالكوم مع شاشا.
نظر الاثنان بصمت إلى راي الذي أخذ كوب شاي وانتظر بصمت... أخذ رشفة ثم قرر كسر هذا الصمت بنفسه: "لقد أصبح الشاي بارداً، فدعونا ننهي اجتماع اليوم هنا".
هل هذا يعني أنه لا حاجة للقرار الآن؟
للحظة شعرت شاشا ومالكوم بارتياح، ما ظنوه تهوراً يبدو أنه يكشف عن ذكاء خفي.
وقف راي بعد أن أنهى كوب الشاي ووضع خاتمة لكلامه: "بعد أن تقرروا يمكنكم التواصل معي، سوف أكون ممتناً إن قررتم قبل حلول ليلة القمر الأحمر".
"سوف نناقش ذلك مع شيوخ البرج" تحدث مالكوم وهو يقف وكذلك شاشا وتابع: "وأتمنى من جلالتك ألا ينسى مساهمات البرج خلال 1050 سنة الماضية".
ابتسم راي وسأل: "ألم أوضح أنني لا أحاول السيطرة على قوة البرج السحري؟".
"ليس هذا ما قصدته" لوح مالكوم بيده.
"إذاً تسيء فهمي، هذه الخيارات أمنحها للبرج الأحمر والأزرق بسبب الامتنان وتاريخ طويل وعدم نسيان الإمبراطورية عندما احتاجت لمساعدتكم".
ابتسم راي بينما يأخذ أوراقاً من على الطاولة ويستعد للمغادرة وهو يضيف: "بالنسبة لي فقد اختار البرج الأسود والبرج الأخضر الخيار الأول دون الحصول على مقابل، لذلك فكروا بالأمر من جهة أخرى فنظام الإمبراطورية الجديد لا يقبل تروساً لا تناسبه".
"سوف نأخذ هذا بعين الاعتبار " تحدثت شاشا.
أومأ راي وأنهى الاجتماع قبل أن يغادر، انحنى مالكوم وشاشا قليلاً حتى غادر، وبعد إغلاق الباب تنهد مالكوم بصوت مسموع، قبل أن يسأل: "ما رأيكِ؟".
"همم أتمنى أن يزور البرج الأحمر".
"أسألك عن الخيارات".
وقفت شاشا وهي تبتسم: "ما الأمر أيها العجوز ألم تتوقع ذلك أيضاً؟ إذا لم ترد الخضوع أو الولاء فأعتقد أن برج السحر سوف يتحول إلى كهف أبحاث يتم إهماله تدريجياً قبل أن يختفي".
"هذا هراء".
"حقاً؟" سألت شاشا: "يبدو أنك لم تراجع تفاصيل نظام الأركان السبعة، اذهب لمراجعته، أما أنا فسوف أذهب لإيصال رسالة لأولئك العجزة ذوي التفكير المغلق".
"قبل ذلك، بالنسبة لحروف الرون" ضاقت عين مالكوم لكن ابتسامة شاشا توسعت.
ثم سألت: "ما بها؟".
"فلتكن سراً بيننا حتى نتوصل إلى قرار".
"لا أعلم، أحياناً لا أستطيع السيطرة على فمي" ابتسمت شاشا فتنهد مالكوم قبل أن يسأل عما تريده في المقابل.
"الآن نتحدث".
___________
نهاية الفصل
___________