القصر.. قبل دقائق
فتاة رقيقة بملامح فاتنة، تفيض براءة وعذوبة. تمتلك عينين واسعتين بلون أزرق صافٍ كالسماء، وشعراً بنياً ناعماً ينسدل على كتفيها تزينه ربطة شعر بيضاء أنيقة.
تسير في ممر القصر ببطء بعد أن أنهت التنظيف، فتتوقف عندما لاحظت شخصاً يمسك كومة أوراق بصعوبة، بعضها في يده وأغلبها قد يقع في أي لحظة.
تعرفت عليه فتوجهت بسرعة لمساعدته واستأذنت بعد اقترابها: "سيدي هل أساعدك؟"
"أنتِ؟" نظر لها للحظة ثم أزال ورقة كانت بين شفتيه قبل أن يسأل: "من أنتِ؟"
"سيدي أنا لوليتا، الخادمة التي أرشدتك سابقاً، أتتذكر؟"
"أوه" تذكر أكيرا الخادمة لكن لا يزال يسأل وعينه تضيق: "لكن ما الذي تريدينه؟"
"ظننت أنك تحتاج مساعدة" ابتسمت لوليتا وعرضت يدها، لكن ارتجفت ملامحها عندما رأت أكيرا يسحب الأوراق إلى صدره أكثر.
"أنتِ، مجرد خادمة تريد لمس وثائق إدارية؟ هل تحاولين التجسس عليها ثم توقعين بي؟ وبعد أن يتم إمساكك تشيرين لي كشخص ساعدك في مهمتك فأقع في مشكلة بسببك ويتم إعدامنا معاً، وبذلك يتم إخفاء الجهة التي تعملين معها؟"
"..." تنهدت لوليتا وكانت تعلم أن هذا سوف يحدث: "فهمت، إذاً أعتقد أنك لا تحتاج مساعدة، أعتذر عن إزعاجك".
"لحظة" أوقفها أكيرا ومد الوثائق: "يمكنك حملها، اعتبريه شرفاً فإني سوف أراقبك".
"حسناً".
"امشي أمامي".
"أمرك".
تنهدت لوليتا وسارت أمام أكيرا الذي توقف مجدداً يمسك بذقنه وهو ينظر إلى الوثيقة التي يمسكها ويبتسم.
'هههه هذا مذهل حقاً، كما توقعت هذه إمبراطورية محكوم عليها بالفناء'
"سيد أكيرا هل هناك مشكلة؟"
عبس أكيرا ونظر إلى لوليتا: "هل تحاولين استجوابي الآن؟"
"هذه الخادمة قد تعلمت كيف تصمت".
"جيد" أومأ أكيرا راضياً عن ردها، بينما تنهدت لوليتا ونظرت أمامها تحمل الأوراق نيابة عنه.
ولا يزال أكيرا ضائعاً بين أفكاره.
'إذن... هل الإمبراطور عبقري أم مجرد أحمق؟'
'الاجتماع، البث، العدوان ضد نبلاء أقل قيمة، ومعاداة الشمال وقمع الشغب بقوة مع عدم استجابة للعديد من الأحداث.. كل ذلك من أجل تنفيذ خطة نظام الأركان السبعة صحيح... لكن ماذا الآن؟'
'إنها فوضى حقيقية لدرجة الجنون'
'لا، بل قد وصلت الفوضى لدرجة عدم القدرة على السيطرة عليها، وبشكل خاص موضوع الملف الذهبي الخاص بوزراء العشرة'
رفع أكيرا عينه للحظة ونظر إلى ظهر لوليتا وتوسعت ابتسامته، مما جعل جسدها يرتجف للحظة. لكن أفكار أكيرا كانت في مكان آخر يتساءل:
'ما يثير فضولي أكثر هو ما الذي كنت سوف أفعله إذا كنت مكان وزراء العشرة؟'
'حسناً، وزارة العدل عليها مهمة إعادة تنظيم القسم القانوني بالكامل، فحسب الملف الذهبي عليها أولاً تنظيم ديوان "تطهير القضاء"'
'هذا القسم مسؤول عن مراجعة سجلات كل القضاة الحاليين الذين كان النبلاء يعينونهم، ودور هذا القسم هو طرد القضاة المرتشين واستبدالهم بخريجي "مدرسة القادة" الجدد الذين يدينون بالولاء للإمبراطورية'
'لطيف، لكن أين الخريجون؟'
'ثم القسم الثاني وهو مصلحة "إنفاذ الأحكام" أو الشرطة القضائية أو أياً يكن اسمها، لكنها قوة أمنية تابعة للوزارة مباشرة، وبما أنها ليست جيشاً رغم أنها مسلحة، ولديها مهمة القبض على النبلاء أو المسؤولين الذين يرفضون الامتثال لأوامر المحكمة'
'إلا أنها لا تخضع للركن الثاني وتعتبر قوة خاصة بالمحكمة، مما يعني أنها مرتبطة أصلاً بوجود القسم الأول'
'بصراحة، من المغري الانضمام لهم والوقوف على أعصاب النبلاء، لكن من الغباء حقاً معاداة النبلاء في وضع الإمبراطورية الحالي والإعلان عن وجود هذه القوة'
'من يهتم؟ ليس شأني، هذا القسم مجرد إزعاج لنفسي'
'حتى قسم التشريع والرقابة الذي دوره هو كتابة القوانين الجديدة التي يمليها الإمبراطور'
'رغم أن هذا القسم لديه مهمة واحدة هي التأكد من أن القوانين "موحدة"، وأن القانون الذي يطبق على الفلاح هو نفسه الذي يطبق على الدوق، إلا أنه أكثرهم إزعاجاً وإرباكاً وصعوبة في العمل به'
'بعيداً عن ذلك، يمكنني التفكير ببعض الطرق من أجل نهوض هذه الوزارة، لكن بجدية؛ القرارات المرتجلة أدخلت الوزارة بأكملها في بحر الفوضى وأغرقها ضغط الوقت، ولا سبيل من أجل إنقاذها'
'أنا حقاً أتساءل ما الذي سوف يفعله، فالحل الوحيد المتبقي هو استخدام القوة، والذي سوف ينعكس أثرها بقوة على العرش مباشرة'
'أتساءل إذا كانت تلك الابتسامة على وجه الإمبراطور سوف تختفي عندها؟'
'ثم بعيداً عن وزارة العدل، ماذا عن وزارة الداخلية؟'
'الأمر هناك أكثر فوضى من وزارة العدل... لا ربما وزارة العدل أكثر فوضى'
'في كلتا الحالتين لا أريد التورط مع هاتين الوزارتين'
'فعلى عكس وزارة الصناعة التي قادها الدوق لتنمو بعيداً عن العاصمة، ووزارة الصحة التي تحتاج إنشاءً من الصفر وبذلك تتقدم بوتيرتها الخاصة، فالباقي في حالة فوضى حقاً'
'بتفكير بالأمر، هناك وزارة أخرى تسير بشكل جيد'
'وزارة الزراعة؛ مهمتها بسيطة وهي تخزين فائض المحاصيل في سنوات الرخاء لاستخدامه في سنوات القحط أو الحروب، وبما أن الإمبراطورية لا تملك هذه الأشياء حالياً فيمكنه التركيز على بناء أقسامه بحرية دون الانضمام إلى الفوضى'
'بالنسبة للقسم الثاني، مصلحة "إدارة الأراضي والمشاعات" والمسؤول عن مسح كل الأراضي الصالحة للزراعة في الإمبراطورية، لا يحتاج لفعل أي شيء أيضاً'
'فمع قدوم الشتاء ليس لديهم أي عمل'
'تسك، أشعر بالغيرة'
'في النهاية يبقى قسم واحد وهو قسم "التطوير الزراعي والسلالات"، أتذكر أن وظيفته هي التنسيق المباشر مع ركن (المصباح) لابتكار أسمدة أو بذور قوية تقاوم الآفات والبرد إلخ.. كما أن من مهامه هي توزيع هذه البذور والتقنيات على الفلاحين لزيادة الإنتاج'
'كما توقعت، وزير الزراعة أكثر راحة من الباقين، وبمساعدة دوق الشمال فليس لديه أي تعقيدات، وبما أن القسم الثالث يعتمد على الركن الخامس فيمكنه الاختباء خلف عذر أن الطرف الآخر غير جاهز'
'أتساءل إن كان من الممكن أن أنضم له حتى يعود المستشار'
'ثم لدينا وزارة الدفاع... أحد مسببي الفوضى'
'لديها ثلاثة أقسام أساسية صحيح؟'
'مصلحة التجنيد والإحصاء العسكري، والتي وظيفتها هي إدارة سجلات كل الجنود والضباط، وتنظيم عمليات "التجنيد الإلزامي" أو التطوع'
'كل ذلك من أجل تحويل الجيش من "تجمع لرجال القبائل والنبلاء" إلى "جيش وطني احترافي"، ولذلك هذا القسم يضمن أن كل جندي له سجل طبي، سجل تدريبي، ورقم تعريفي موحد'
'مما يعني أنه بدون وزارة الداخلية ووزارة الصحة فهذا القسم ناقص، لكن حتى مع ذلك، ألن ينزعج الإمبراطور عندما يعلم أن هذا القسم لم يبدأ حتى باختيار المبنى؟'
'حسناً من يهتم'
'ثم لدينا إدارة "الإمداد والتموين المركزي"، والتي وظيفتها تأمين الطعام، الملابس، والخيام للجيش بالتعاون مع وزيري الزراعة والصناعة'
'قسم من المفترض به دعم الركن الثاني بالكامل، لا يعلم حالياً يمينه من يساره'
'أنا متأكد أن الركن الثاني سوف يتأخر فقط بسبب وزارة الدفاع، لكن على الأقل القسم الثاني أقل إزعاجاً'
'رغم أنه قسم المنشآت والقواعد العسكرية، مما يعني أن وظيفته هي الإشراف على صيانة القلاع، الثكنات، والتحصينات الحدودية'
'والذي بدوره يرتبط بوزير الأشغال، إلا أنه مع اقتراب الشتاء الأسود فلا حاجة لتسريع بناء هذا القسم'
'في كلتا الحالتين لا أريد لمس هذه الوزارة أيضاً'
"أنتِ أيتها الخادمة" تحدث أكيرا فجأة بعد الانتهاء من قراءة الوثيقة الأولى.
"اسمي لوليتا".
"لوليتا" اقترب أكيرا من لوليتا ودون كلام وضع الورقة بيده ثم بحدّها قبل أن يستخرج ورقة أخرى: "حسناً لنتابع السير".
أومأت لوليتا واستمرت بالسير أمامه.
'ماذا عن باقي الوزارات؟'لمعت عين أكيرا وهو يسأل نفسه.
______________
نهاية الفصل
______________