​مدينة لورا... بعد يومين

​في قاعة الاجتماع التي ملَّ ري من العودة إليها، حدق ري بهدوء في فورغان الذي يقرأ الوثيقة المبدئية، وأخيراً بعد يومين من التعديل والتدقيق ابتسم فورغان وأومأ موافقاً.

​"حسناً، لا أرى أي مشكلة".

​[كدت أربي لحية أكبر من خاصتك وأنا أنتظر أن تقول هذا] تنهد ري معلقاً: [إذا لم يكن هناك أي شيء آخر فقم بتوقيع الوثيقة، ومن هنا ينتقل العمل من الجانبين إلى وزارة الخارجية لتحويل الوثيقة إلى عقد رسمي].

​"لا يهمني كيف تتعاملون مع الأمر، لكن لن تتجنب مملكتكم عواقب مخالفة هذه الوثيقة ولو كانت غير رسمية"، وقع فورغان ثم سلم الوثيقة مهدداً: "خصوصاً أنت أيها الفتى المستفز".

​[لا أحب أن يمدحني رجل أقصر مني فتوقف] ابتسم ري ووقع الوثيقة أيضاً وأضاف: [على أي حال، التوقيع قبل التسليم، يرجى عدم لعب حيل بعد ذلك].

​"هذا الكلام وجهه إلى نفسك".

​[تفضل] سلم ري نسخة من الوثيقة: [بهذا أتحرر من رؤية وجهك كل يوم].

​"هذه كلماتي".

​ابتسم ري وتصافح الاثنان وبذلك تنتهي عملية التوقيع على الوثيقة المبدئية رسمياً وينتهي دور ركن الخارجية، والباقي يقع على عاتق وزارة الخارجية لكلا المملكتين لتحويل الوثيقة إلى عقد بعد مراجعة وكتابة وتأكيد الوثائق ذات الصلة.

​كما أنها فرصة للجانبين من أجل زرع فخاخ أو إزالتها.

​وبعد نهاية الاجتماع غادر الوفد عائداً إلى مملكتهم لتجهيز السفراء، وعلى قمة سور المدينة، ابتسم ري وهو يرى منطاد مملكة الأقزام يغادر، ثم توسعت ابتسامته أكثر ونظر إلى ليليا: [هيا... سوف نعود].

​أومأت ليليا بينما طُلب من ميمي التوجه إلى مدينة الضباب لمساعدة سورا.

​من ناحية أخرى

​خلال هذين اليومين لم تتوقف الشائعات عن الانتشار بل أصبحت مبالغاً فيها وتداخلت مع الأخبار المعتادة وأخبار عن مملكة الأقزام حتى رسمت توقعات وخيالات تتوسع دون حاجة لدفعها.

​في نفس الوقت استمرت تحركات مملكة جورد في التعمق ليصل الخبر الذي يؤكد ظن راي.

​"تم التأكيد"، داخل المكتب انحنى الظل مؤكداً: "لقد استولت مملكة جورد على أكثر من 13 قرية و3 مدن وقلعتين قبل أن تنتشر الشائعات".

​"استمر بمراقبة الوضع"، أجاب راي ببرود دون رفع عينيه عن الوثائق أمامه فقد توقع ذلك.

​وعلى جانب آخر من القصر، بدأت مورغانا العمل أيضاً؛ حيث قسمت العمل لتهتم هي وأورورا بتجهيز العاصمة من أجل استقبال الوفد، بينما تركت مهمة إعداد القلعة إلى كاديتا وأوديت.

​خلال ذلك، وبعد وصول سؤال من القصر إلى وزير الداخلية عن جاهزية حرس الإمبراطورية، بدأ سيدريك الذي كان يتحرك بوتيرته الخاصة يشعر بضغط حقيقي.

​رافقه رين خلال هذه الأيام لمراقبة الوضع وفهمه، لكنه لم يفهم شيئاً، وفي النهاية وقف ممسكاً بملف ذهبي ونظر إلى سيدريك بجدية: "هل يمكنني السؤال؟".

​عبس رين ولم ينتظر حتى موافقة سيدريك فرفع رأسه نحوه واستجوبه مباشرة:

​"وزارة الداخلية من المفترض أنها الأعصاب، صحيح؟ وبعد دراسة النظام أعلم أن الشيء الوحيد المطلوب منك هو إعادة تنظيم أقسام سابقة لتتوافق مع الأقسام التي قدمها جلالته".

​الملف الذهبي يشير حرفياً لكل شخص بما عليه أن يفعله دون تعقيدات.

​"وزارة الداخلية لم يُطلب منها سوى ثلاثة أقسام حتى الآن":

​مصلحة "سِجلِّ النفوسِ والهويَّات":

[إحصاء كل مواطن في الإمبراطورية، وإصدار "وثائق تعريفية" لا يمكن تزويرها من أجل ربط هذه البيانات بـ "البطاقة الصحية"، لتعرف من هو المريض، ومن هو الجندي، ومن هو الغريب الذي دخل المدينة].

​"ومن أجل هذا القسم كان هناك نظام مفصل لطبيعة البطاقة الوطنية الجديدة التي سيتم إصدارها، والأمر ليس معقداً؛ فدورك فقط هو تحويل الورقة الكبيرة التي يحملها كل مواطن إلى بطاقة صغيرة، ومن أجل هذا لم يتم استعجالك".

​"أنا أعلم" عبس سيدريك: "أعلم ولكن..".

​"ولكن ماذا؟" سأل رين: "هناك بالفعل موظفون في هذا القسم لهم خبرة سنين في العمل وأُضيف مزيد من خلال اختبار الأركان، لكن بعد مرافقتك لمدة يومين لم أرَ سوى جثث مرمية فوق كومة أوراق تقوم بما لا أفهمه".

​"لا أثر لوجود هذا القسم حتى" توقف رين وسأل "لماذا؟".

​"نحن نراجع الوثائق أولاً، لنعلم ما يمكننا التخلص منه وما يمكن أن ينفعنا مما يسهل علينا ويقلل الميزانية" أجاب سيدريك وصبره ينفد من تعليقات رين المستمرة.

​"باختصار أنت تضيع الوقت" قاطع رين وتابع: "ثم ماذا عن القسم الثاني وهو الأهم حالياً؟".

​فيلق "الحرسِ المدنيِّ" (حراس الإمبراطورية):

[قوات أمنية داخلية مسؤولة عن حماية المدن والأسواق، ومهمتها تطهير المدن من العصابات التي يتم تمويلها والتحقيق في جرائم التجسس الداخلي إلى آخره].

​"القسم المفترض أن يكون شرطة المدينة كان من المفترض أن يكون منظماً لكن هو حالياً عبارة عن أشخاص يحملون لقب حراس يتجولون لفرض هيبتهم في المدن دون أي أوامر ثابتة".

​"هل يمكنك التوقف؟" نظر سيدريك بجدية إلى رين "لا تكرر ما أعرفه بالفعل".

​"كوني مساعد جلالته لدي حق في السؤال" أجاب رين بعناد "حتى لو كان هناك عوائق لما سبق فماذا عن قسم ثالث؟".

​إدارة "الأقاليمِ والمراقبينَ المحليين":

"وظيفة هذا القسم هي تعيين 'محافظين' يتبعون الوزارة مباشرة بدلاً من حكام الأقاليم التابعين للنبلاء، ومن المفترض أن هذا القسم كان موجوداً من قبل ولم يُطلب منك سوى إعادة تشغيله، فلماذا أصبح أكثر فوضى مما تشير المعلومات إليه؟"

​"توقف عن استجوابي" نظر سيدريك ببرود إلى رين: "ألا ترى بنفسك ما يحدث؟".

​موظفون قدامى يعرقلون التغيير.

​فوضى ورقية وبيروقراطية.

​قوات أمن بلا قيادة واضحة، تتحرك بالهيبة لا بالقانون.

​تضارب بين المركز والسلطات القديمة.

​توسع في القرارات دون جهاز قادر على التنفيذ.

​"كل تلك الأشياء التي تشير إليها أنا أعلم منك بها"، اعترف سيدريك لكن انزعاجه كان واضحاً: "النظام ليس سيئ التصميم، لكنه يبقى ممتازاً نظرياً وكارثياً عملياً، فبالكاد ألحق بهذا التقدم السريع".

​"..." صمت رين ثم أغلق الملف وتنهد: "سوف أرفع تقريراً إلى جلالته، هل هناك ما تريد أن تضيفه؟".

​"لا يوجد" نفى سيدريك بغضب واضح.

​فغادر رين دون مزيد من التعليقات، لقد أضاع يومين من أجل لا شيء وذلك أزعجه. وبشدة.

​وبما أنه لا فائدة من وجوده هنا فقد قرر العودة إلى القصر. لكن على عكس توقعه، بعد وصوله إلى القصر وإدلائه بالتقرير إلى راي، ما كان من راي سوى أنه ابتسم متوقعاً ذلك:

​"لا بأس، إنه محق؛ النظام ليس سيئ التصميم، لكنه مريض بالترهل والفساد وفقدان الانضباط، وهذا شائع في الممالك التي تحاول التحديث بسرعة".

​"لكن جلالتك، أعتقد أن هناك طرقاً أفضل للتعامل مع الأمر، إذا كان هناك مرض فسيدريك حالياً يحاول علاجه وليس استئصاله"، ضاقت عينا رين وعبر عن أفكاره.

​"لا أحد منكم مخطئ، لكن... دعه يفعل ما يراه مناسباً، لم يمر الكثير من الوقت منذ إمساكه زمام سلطة وزارة الداخلية، فلا حق لأحد بمن فيهم أنا، أن ينتقد أو يقيم كفاءته.. حالياً على الأقل".

​"..." صحيح... لم يمر كثير من الوقت.

​تنهد رين متذكراً ثم انحنى معتذراً؛ ربما بسبب رؤيته أن هناك مسارات أسهل للتعامل مع الوضع خلال مراقبته لعمل سيدريك ضاقت نظرته.

​فلوح له راي عرضاً: "لا بأس، طالما أن سبب انزعاجك لم يكن بسبب خلفية سيدريك فلن أقول شيئاً".

​"أبداً.. ليس كذلك" لوح رين بسرعة بيده.

​"إذاً هذا جيد، سوف أترك لك مهمة التعامل مع وثائق شركات تجارية ونقابات خلال الأيام التالية، لا تتوقع العودة إلى منزلك ما لم تنهِ تلك الكومة من الأوراق"، أشار راي فنظر رين خلفه وابتسم متعباً: "أمرك".

​جلس رين على مكتبه بعد انتهاء تقريره، وقربه كان فايل يجلس أيضاً؛ فبعد عودته عُينت له مهمة التعامل مع وثائق أراضٍ تابعة للإمبراطورية وتجديد سيطرة العرش على تلك الأراضي التي أرسل بعض النبلاء وثائق متعلقة بها. وبذلك انشغل كلاهما بينما ظل أكيرا غائباً عن المكتب.

​بعد دقائق أتى طرق من الباب ودخل الغائب.. أكيرا.

​"جلالتك لدي لك خبر مزعج وخبر أكثر إزعاجاً أيهما تريد سماعه أولاً" أعلن أكيرا فور حصوله على إذن الدخول دون حتى أن يقوم بالتحية فتنهد راي وتوقف عن عمله ورفع عينه نحوه.

​"تحدث".

__________

نهاية فصل

__________

2026/04/28 · 12 مشاهدة · 1174 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026