المجلد الاول
.
الفصل 12 : التقابل
.
بداية الفصل :
.
رائع.
كانت هذه الكلمة أول ما تبادر إلى ذهني وأنا أحدّق في المدينة الإلفية. يبدو أننا قد نُقلنا مباشرة إلى بواباتها. ما رأيته أمامي كان مباني تشبه أنها شُيّدت من حجر يشبه اليشم. تلك الأبنية اليشمية كانت ناعمة إلى حد الكمال، كل واحد منها يبدو وكأنه نُحت من صخرة عملاقة واحدة.
ما جعل هذا المكان أكثر إدهاشًا هو الأشجار العملاقة المتشابكة مع المباني، مانحة المدينة جوًا عضويًا مميزًا ينبض بالحياة. رفعت بصري فرأيت منازل بُنيت على أغصان ضخمة غير طبيعية تخرج من جذوع أكبر من البنايات نفسها، مع دخان يتصاعد من مداخنها.
الأرض بأكملها داخل المدينة كانت مغطاة بطبقة من الطحالب الناعمة الكثيفة، ما عدا الأرصفة الضيقة والطريق الرئيسي المرصوف بأحجار ملساء. أما شبكة الأغصان الكثيفة التي تنبثق من الأشجار فكانت تُغطي معظم المدينة بمظلة من الظلال، لكن رغم ذلك كانت هناك أنوار دافئة تتلألأ في كل زاوية وزقاق بفضل كرات الضوء الطافية.
وقفت هناك، فمي شبه مفتوح، ما زلت أستوعب المشهد الخيالي من حولي… حين مرت ظلّة بسرعة أمام عيني، أعادتني للواقع فجأة.
كانت "تيس" لا تزال ممسكة بيدي حين اقتربت مجموعة من الحراس وكأنهم خرجوا من العدم. أولئك المحاربون الإلف امتلكوا هالة من الوقار، يرتدون جميعًا زيًا أسود موحدًا بحواف خضراء، وكتف أيسر مغطى بدرع ذهبي. خمسة حراس، كل منهم يحمل سيفًا رفيعًا مثبتًا على خصره. لاحظت حينها أمرًا مهمًا… لم أستطع أن أشعر بأي هالة مانا تصدر منهم. عادةً ما يُطلق مستخدمو التعزيز والسحر هالة ضعيفة من أجسادهم، لكن هنا… لم أشعر بشيء. وهذا لم يكن إلا دليلاً على أحد أمرين: إما أن نوى المانا لديهم بلغت مستوى متقدمًا بحيث أعجز عن الإحساس بها، أو أن تحكمهم في مانا أجسادهم دقيق جدًا بحيث لا يسرّبون أي طاقة.
في كلتا الحالتين، هؤلاء الرجال كانوا على قدر فخامة مظهرهم.
تجاهلني الحراس تمامًا، ثم جثوا فجأة على ركبهم أمام "تيس" في آن واحد. "نُرحّب بالأميرة الملكية."
"..."
تذبذب بصري ما بين الحراس و"تيس"، وتذكرت تلك اللحظة حين كنت أناديها ممازحًا بـ"سموّك".
هل كانت "تيسيا" بالفعل أميرة هذا المملكة؟!
حين حاولت أن أسحب يدي من يدها، شدّت قبضتها فجأة، ثم قالت بصوت بارد وخالٍ من العاطفة لدرجة أنني بالكاد صدّقت أنه صوتها: "يمكنكم الوقوف."
نهضوا، وما زالت قبضاتهم اليمنى مرفوعة إلى صدورهم. ثم تحدث الفارس الذي يتوسطهم: "أميرة، جئنا فورًا بمجرد أن لاحظنا أن بوابة التنقّل الملكية قد استُخدمت. الملك والملكة هما..."
لكن قبل أن يُكمل حديثه، سُمع صوت صراخ قادم من بعيد:
"طفلتي! تيسيا، هل أنت بخير؟! يا طفلتي!!"
رجل وامرأة في منتصف العمر ركضا نحونا. ومن التاج الذي يعتمر رأس الرجل، والتاج الزهري المحيط بجبهة المرأة، خمّنت على الفور أنهما الملك والملكة.
كان الملك طويل القامة، عريض المنكبين، يرتدي رداءً مزيّنًا وفخمًا. عيناه الخضراوان تتجهان للأمام، وشفته مشدودة، ينسدل شعره القصير بتصفيفة عسكرية. ورغم أن ملامحه كانت مهيبة، إلا أنها تحمل تحفظًا هادئًا.
أما الملكة… فكانت ساحرة الجمال. رغم مرورها بسنين الشباب، لم يكن لعمرها أن يُخفي جمالها الباهر. عيناها المستديرتان تشعّان بزرقة فاتحة، تتناغمان مع شفتيها الوردية الممتلئة. شعرها الفضي المتموج يتطاير خلفها وهي تركض نحونا، وجسدها الرشيق بدا واضحًا من تحت فستانها.
خدّا الأم كانت يغمرهما الدمع، في حين أن ملامح الأب المشدودة كانت توحي بكتمانه لدموعه أيضًا.
نظرت نحو "تيسيا"، ورأيت ملامحها تلين، وعينيها تبدأان في الارتجاف. أفلتتُ يدها بهدوء، ثم دفعتُها بلطف نحو والديها، وأنا أشعر بشيء من التأثر في قلبي.
قفزت "تيس" إلى حضن والدتها، التي سقطت على ركبتيها وهي تحتضنها، وتنفجر في البكاء. وانضم الأب إليهما، ودفن الجميع وجوههم في أكتاف بعضهم البعض، في لقاء لمّ الشمل المنتظر.
كان آخر الواصلين شيخًا متقدمًا في السن. ملامحه كانت حادة كحد السيف، ونظرته وحدها كانت قادرة على قتل من تقع عليه. شعره ناصع البياض، مربوط إلى الخلف، ووجهه حليق تمامًا دون شعرة زائدة. لم ينبس الرجل العجوز ببنت شفة، لكن عيناه تلينتا قليلًا عندما وقعتا على تيسيا.
استغرق الأمر عدة دقائق حتى هدأت تيسيا ووالداها من انفعالهما. خلال هذا الوقت، كان الحراس يرمقونني بنظرات كأنها خناجر، وحتى الشيخ العجوز لم يخفِ نظرة فضول موجهة نحوي.
وأخيرًا، وقف الملك. ورغم أن عينيه كانتا محمرتين، إلا أن هيبته لم تنكسر. "بصفتي ملك إلينوار ووالد تيسيا، يجب أن أعتذر عن هذه الهيئة غير اللائقة، والأهم من ذلك، أود أن أشكرك على مرافقة ابنتي إلى بيتها بأمان." كان صوته أجشًا قليلًا وهو يواصل: "رافقنا إلى القصر لترتاح قليلاً، ثم تحدث إلينا عمّا حدث."
كان صوته لطيفًا، لكن نبرته تحمل أمرًا لا يحتمل الرفض. لذا، اكتفيت بهز رأسي موافقًا.
وقبل أن أتحرك، أتت تيسيا نحوي وأمسكت بيدي مجددًا، ما جعل الحاضرين جميعًا يُصابون بالذهول. لم أتمالك نفسي من الابتسام بحرج، أحك جانب رأسي وأنا أبحث عبثًا عن الكلمات المناسبة لموقف كهذا.
وبعد رحلة مرهقة، بدت أطول بكثير مما كانت عليه في الواقع، وصلنا إلى القصر. أو بالأحرى، ما يشبه القصر… لكنه كان شجرة عملاقة.
تلك الشجرة، التي بدا أن إحاطتها تحتاج إلى مئات الجنود مصطفّين جنبًا إلى جنب، كانت مصنوعة من حجر أبيض بدا وكأنه شجرة تحجرت بفعل الزمن أو السحر.
حين عبرنا بواباتها الضخمة، فوجئت بسرور بروعة الداخل. كان هناك سلّمان حلزونيان يتقاطعان ليشكّلا دائرة، يتدلى بينهما ثريا ضخمة تطفو في الهواء، مصنوعة من نفس كرات الضوء التي رأيتها تضيء شوارع المدينة.
أخبرت الملك والملكة أنه لا حاجة لي بالراحة، وفضلت أن أروي لهما ما حدث فورًا، فجلسنا لذلك.
على الطاولة المستطيلة في الأسفل، وقف جميع أفراد الطاقم الحاضر باستعداد وكأنهم في استقبال وفد ملكي، لا لغسل الصحون. كان والد تيسيا يجلس في رأس الطاولة، وأنا جالس قبالته. أما والدتها فجلست على الجانب، إلى جوارها تيسيا، بينما جلس الجد في الجهة المقابلة، ما ترك مسافة كبيرة بيني وبينه. أما الحراس الخمسة فكانوا مصطفّين خلف الملك في صمت.
وبينما شبّك الملك أصابعه فوق المائدة، كان أول من تحدث:
"يا بني، ما اسمك قلت؟"
أجبته بانحناءة بسيطة، ناظراً نحوهم جميعًا:
"أعتذر على تأخري في التعريف بنفسي. اسمي آرثر ليوين، وأنا من مدينة نائية تابعة لمملكة سابين. تشرفت بلقائكم، جلالة الملك، جلالة الملكة، سيدي الكبير، أيها السادة."
وقفت وقدّمت انحناءة خفيفة لكل منهم على حدة، قبل أن أعود إلى مقعدي.
لم يكن النقاش سيتقدم إذا ظلوا يعاملونني كطفل.
تبدلت نظرات الملك والملكة والحراس إلى دهشة واضحة من سلوكي الناضج، وحتى الجد بدا عليه ابتسامة خفيفة تحمل شيئًا من التسلية. أما تيسيا فقد رمقتني بابتسامة خجولة.
وبعد لحظة، استعاد الملك جديته وقال:
"يبدو أنك أكثر نضجًا بكثير من عمرك. أعذرني لأنني افترضت عكس ذلك. أنا ألدوين إيراليث، وهذه زوجتي، ميريال، وهذا والدي، فيريون إيراليث. والآن، أخبرنا بما حدث. نودّ أن نسمع قصتك."
بدأت بسرد القصة، متجنبًا الخوض في تفاصيل دخولي إلى غابة إلشير، فقط أوضحت أنني انفصلت عن عائلتي بعد مواجهة مع قطاع طرق، ونجوت بصعوبة.
لكن عاجلًا أم آجلًا، كان عليّ أن أذكر لهم أنني ساحر. وبالطبع، تسببت هذه المعلومة بموجة جديدة من نظرات الدهشة، حتى من تيسيا نفسها. طوال رحلتنا، لم أكن مضطرًا لاستخدام المانا، لذا لم أشرح لها سابقًا.
أحد الحراس لم يتحمل الأمر، واتهمني بالكذب، مطالبًا بالدليل. لكن قبل أن أفتح فمي، قطع الجد عليه الكلام، مُسكته بكلمة حازمة. ثم شبك يديه فوق الطاولة، وراح يحدق فيّ بنظرة اهتمام جديدة وغريبة.
تابعت حديثي بسرعة، وشرحت كيف لاحظت وجود عربة تحمل طفلًا مربوطًا في الخلف، وعندما اقتربت منها بدأت المواجهة.
عند هذه النقطة، ضرب الملك كفيه على الطاولة بقوة، وعيناه تضيقان بغضب كامن.
"كان عليّ أن أعرف أنهم كانوا بشرًا..."
صححتُ تعليقه الذي كان يحمل لمحة عنصرية طفيفة وقلت: "هؤلاء كانوا تُجّار رقيق. هم وقطاع الطرق لا يقتاتون على اختطاف الإلف فقط، بل البشر أيضًا." تحدثت بذلك بوصفي ضحية مثلهم.
أغلق الملك فمه إثر ذلك، ثم جلس مجددًا مطلقًا سعالًا خفيفًا.
"لم أسأل تيس…
أهم
عندها بدا الملك وكأنه شعر بالحرج قبل أن يقول: "كنت أنا وزوجتي في خلاف بسيط مع تيسيا، وقد قررت أن تتمرد علينا بالهرب. قررنا أن نمنحها بعض الوقت لتفرغ عن غضبها قبل أن نعيدها، لأننا كنا نعرف المكان الذي تذهب إليه عادة عندما تكون غاضبة، لكن للأسف، التقت بـ… تُجّار الرقيق."
أه… إذًا، أميرة هاربة. أرسلتُ ابتسامة صغيرة نحو تيس، فردت عليّ بإخراج لسانها وقد احمر وجهها خجلًا.
مررتُ سريعًا على تفاصيل المواجهة مع تُجّار الرقيق. "لحسن الحظ، باغتُّهم وتمكنت من التخلص منهم قبل أن أفك قيود الأميرة وأرافقها إلى هنا."
"إذن، طفل في الرابعة من عمره، استطاع أن يقتل، عن طريق الحظ كما تقول، أربعة بالغين، أحدهم كان مستخدمًا للتعزيز، وتتصرف وكأن الأمر لا يستحق الذكر؟" قال والد الملك، الجالس مقابل تيسيا، مائلًا بكرسيه حتى لم تبقَ منه سوى رجلين على الأرض.
"نعم. نصفهم كانوا نائمين، والاثنان الآخران لم يكونوا منتبهين، لذا لم يكن القضاء عليهم صعبًا جدًا." رددتُ عليه بهدوء.
اكتفى العجوز بهز كتفيه بكسل دون أن يرد.
وبعد أن أنهيت سرد الأحداث، تنحنحتُ قليلًا وطرحت سؤالي الحقيقي: "كما ذكرت، لقد مضى قرابة شهرين منذ أن رأيت والديّ. لا أريد البقاء في مملكتكم أكثر من هذا، فكل ما أريده هو أن أطمئن عليهم وأخبرهم أنني بخير. لذا، كنت أتساءل، هل توجد بوابة تنقلي إلى مدينة زيرُس أو أي مكان في مملكة سابين؟"
"سترحل بالفعل، آرت؟!" قالت تيسيا وهي تقف فجأة من مقعدها، والذعر مرسوم على ملامحها.
تبادل والداها النظرات بدهشة، مرددين بصوت منخفض: "آرت؟"
وأطلق الجد ضحكة ساخرة بينما تأرجح على كرسيه، وكأن الأمر يسليه.
"لا أظن أن من المناسب لبشري مثلي أن يبقى في هذه المملكة طويلاً، أيتها الأميرة." قلت، محاولًا رسم ابتسامة معتذرة على وجهي. "ثم إنني أرغب في أن أطمئن على عائلتي، وأخبرهم أنني بخير."
أجاب الملك نيابةً عن تيسيا: "لقد مضى أكثر من مئتي عام منذ أن وطأت قدم إنسان أرض إلينوار، وأنت، آرثر، أول بشري يدخل عاصمة المملكة، مدينة زيستير. لكن إنقاذك لابنتنا، ومرافقتها طوال هذا الطريق إلى الوطن، يمنحنا الحق في أن نقدم لك مكافأة تليق بذلك…"
نظرت سريعًا إلى تيسيا، فرأيتها وقد خفضت رأسها، وشعرها الفضي البرونزي يغطي وجهها.
"للأسف، البوابة التي تربطنا بمملكة سابين لا تُفتح إلا مرة واحدة كل سبع سنوات، وذلك من أجل القمة التي تجمع الأعراق الثلاثة. وبما أن آخر قمة كانت قبل عامين، فسيكون علينا الانتظار خمسة أعوام أخرى قبل أن تعمل البوابة من جديد."
لم أتمالك نفسي من إطلاق تنهيدة ثقيلة من خيبة الأمل.
"مع ذلك، نحن على استعداد تام لإرسال مجموعة من الحراس لمرافقتك إلى ديارك. لقد كنت محقًا في قولك إن بقاؤك هنا قد لا يكون حكيمًا. فرغم وجود بعض المتسامحين، إلا أن الكثيرين ما زالوا يحملون ضغينة تجاه البشر، بسبب الحرب القديمة." ثم أطلق الملك ابتسامة حزينة وسريعة.
أومأت برأسي موافقًا، على الأقل، سأعود إلى منزلي بأمان.
"أما الآن، فاعتبر هذا المكان منزلك. سنقوم بتجهيز مرافقيك في صباح الغد. ولكنني لا أنصحك بالتجول في المدينة، للأسباب التي ذكرتها لك."
ثم صفق الملك بأصابعه، فظهرت فجأة عجوز إلفية ترتدي زي خادمة بلون بني داكن، فأشارت لي أن أتبعها، وقادتني إلى غرفتي.
الغرفة التي قادوني إليها كانت فسيحة، لكنها أنيقة في بساطتها. رغم أن الأثاث اقتصر على أريكة وطاولة شاي وسرير وخزانة، إلا أن كل قطعة بدت وكأنها صُنعت يدويًا من الخشب على يد حرفيين مهرة. ما إن دخلت الغرفة، حتى أغلقت الباب خلفي، وخلعت ملابسي، ثم توجهت مباشرة إلى الحمّام.
وكانت المفاجأة السارة في انتظاري: الدُش لم يكن كالدُشات المعتادة، بل كان شلالًا صغيرًا يتساقط من السقف وينساب إلى فتحة في الأرض، وكأن الماء يتدفق بشكل طبيعي. لكن الأغرب أن تدفق الماء لم يتوقف أبدًا، وكان بدرجة حرارة مثالية، دافئًا بما يكفي لاسترخاء جسدي ومسام بشرتي.
بعد أن انتهيت من الاستحمام، ارتديت رداءً حريريًا ناعمًا وسروالًا قصيرًا، ثم وضعت الحجر الذي أعطتني إياه "سيلفيا" في جيب الرداء، وجربت مجددًا التأمل في نواتي السحرية.
مرت نحو ثلاثين دقيقة ولم أحقق سوى تقدم ضئيل، قبل أن أسمع طرقًا على الباب.
"قادِم!"
فتحت الباب، لأجد "تيسيا" واقفة أمامي، عابسة، وتوجهت إليّ بضربة خفيفة على صدري.
"أيها الغبي! لماذا تصرفت ببرود أمام عائلتي هناك؟" تذمرت وهي تدفعني جانبًا وتجلس على سريري.
"أولًا، لم تخبريني أنكِ أميرة هذه المملكة!" هززت رأسي، ثم أمسكت يدها وسحبتها بلطف خارج الغرفة. أطفال كنا أم لا، لم أظن أن والديها سيكونان مرتاحين لفكرة وجودها داخل غرفة صبي.
"هيا، أريني القصر! لن أجد فرصة كهذه مرة أخرى." وما إن قلت تلك الجملة، حتى ندمت.
سمعت شهقة خفيفة، قبل أن تنفجر "تيسيا" بالبكاء فجأة، وهي تحاول الكلام بين شهقاتها:
"آرت! لا أريدك أن
هف
"أنت أول شخص
هف
"..."
ربّتُّ على رأسها بلطف، فيما كانت تمسح دموعها بذراعها الأخرى وهي لا تزال تمسك بيدي.
تابعنا السير بصمت، لا يقطعه سوى شهقاتها الخافتة، حتى خرجنا إلى الفناء الخلفي للقصر. كانت الكرات الضوئية المعلقة تطلق وهجًا ناعمًا مضيئًا الحديقة المصمّمة بعناية، مما أضفى جوًا ساحرًا وهادئًا.
لم أستطع إلا أن أتخيل كم كانت هذه اللحظة لتكون مختلفة... لو كنا أكبر بعشر سنوات.
لكن، قبل أن تكتمل فكرتي، اجتاحتني موجة قاتلة من نية القتل، واضحة وجلية لدرجة أنني شعرت بها تهزّ حواسي. وفي اللحظة التالية، رأيت وميضًا خافتًا يكشف عن مقذوفٍ موجه مباشرة نحو "تيسيا".
دفعتها فورًا جانبًا، كانت لا تزال تبكي، ثم استعددت لصدّ المقذوف بيدي المعززة بالمانا.
في تلك اللحظة، رأيت هيئةً ترتدي السواد تقف خلفي، ذراعها ممدودة بوضعية هجومية. التقطت المقذوف ودار جسدي تلقائيًا لصدّ المهاجم بما التقطته... ولدهشتي، وجدت نفسي وجهًا لوجه مع جدّ "تيسيا".
قفزت للخلف مبتعدًا، ثم صرخت بغضب: "ما هذا بحق الجحيم!؟ لماذا تحاول قتلنا؟!"
قال بضحكة خافتة: "يا فتى… قد تؤلم قليلًا، لكنني أشك أن ما بيدك قادر على قتل أحد."
نظرت إلى يدي، لأجد المقذوف بحجم قلم رصاص، ذو نهايات مطاطية مستديرة. لقد خُدعت!
"هاها! رد فعل رائع، ممتاز حقًا!" ضحك بمرح، ثم أردف: "لم أتوقع أن تلتقط هديتي الصغيرة وتستخدمها لصدّ هجومي التالي! مذهل حقًا! لكن استخدامك للمانا كان… في أفضل الأحوال، ضعيفًا جدًا!"
ثم رمى إليّ بسيف خشبي يناسب حجمي، بينما تناول واحدًا آخر أكبر قليلًا.
"استعد، أنا قادم!" ولم يمنحني حتى فرصة اتخاذ وضعية قتالية أو حتى قبول التدريب المفاجئ، إذ اندفع نحوي مباشرة.
هذا العجوز المجنون!
خفضت جسدي، وبدلًا من أن أكون في موقف دفاعي، قررت الهجوم بالمثل، زدت من سرعتي لأقطع توقيت ضربته. استهدفت أصابع يده الممسكة بالسيف، وضربت للأعلى بعد أن عززت جسدي بالكامل بالمانا.
لكن، قبل أن تصل ضربتي، وجدت نفسي أضرب الهواء فقط. لقد اختفى فجأة.
استدرت بسرعة، لأجده يقف على بعد أمتار خلفي.
قال مبتسمًا بسخرية: "يا لك من فتى مخيف… يبدو أنني سأضطر لأخذ الأمر بجدية أكثر!"
ثم رفع سرعته أكثر. حتى مع خبرتي السابقة، حيث لم أفعل سوى القتال والتدريب في حياتي، بالكاد استطعت تتبعه بعيني.
لكن… الرؤية شيء، والقدرة على الرد شيء آخر تمامًا.
كنت كيس رمل حي، كل ما أستطيعه هو شتم جسدي الضعيف.
لم أكن أستطيع صدّ سوى ضربة واحدة من كل ثلاث هجمات يوجهها إليّ.
كان هذا العجوز المجنون يلعب بي فقط مستخدمًا سرعته. السبب الوحيد الذي سمح لي بمجاراة وتيرته قليلًا، هو استخدامي الدقيق لتقنيات السيف وحركات القدم لتقليل حركتي، بالإضافة إلى أني كنت هدفًا صغيرًا بسبب قصر قامتي.
وبعد حوالي عشر دقائق طويلة من كوني دمية تدريب، بدأت ألاحظ أنماطًا في هجماته...
حين مرّ خلفي وكان على وشك تنفيذ ضربة أفقية تستهدف ساقي، جمعت كل قوتي في رجليّ وقفزت إلى الخلف، وفي الوقت ذاته، وضعت سيفي تحت إبطي موجّهًا رأسه نحو رأسه.
مع صوت ارتطام خافت نتيجة هبوطي، تعثّر العجوز المجنون قليلًا قبل أن يستعيد توازنه.
"هاهاهاها! أعتقد أنني استحققت هذه!" قال ضاحكًا وهو يفرك جبينه المنتفخ.
طوال المعركة، كانت "تيسيا" في البداية مصدومة، لكنها ما إن أدركت أن الأمر مجرد تدريب حتى هدأت. ومع ذلك، اغتنمت الفرصة وقفزت نحو جدها لتبدأ في ركله.
"جدي! لقد آذيت
آرت
"آآه! يؤلم يا صغيرة. هاها… أخشى أنني لو كنت أكثر لطفًا مع آرثر، لكنت أنا من يتلقى الضرب!" رد عليها بلطف، وهو يرفع حفيدته بذراعيه.
ثم انخفض على ركبتيه أمامي، ووضع راحة يده اليمنى فجأة على صدري.
"تمامًا كما توقعت… جسدك في حالة خطيرة…"
حدّقت به بصمت. بفضل استخدامي المستمر لتقنية دوران المانا والتأمل، كان يفترض أن يكون جسدي أكثر صحة من أي طفل في الرابعة من عمره، حتى من الأطفال الذين يتغذّون جيدًا.
لكن "فيريون"، بعد أن لاحظ نظرتي المتشككة، ضغط بزاوية محددة على صدري براحة يده، لتنفجر بداخلي موجة من الألم الحارق المألوف.
"تحكمك بالمانا جيد جدًا بالنسبة لمبتدئ في سنك، وتقنياتك في المبارزة وخبرتك في القتال… كلها مخيفة بدرجة تجعلني أتساءل عن نوع الحياة التي عشتها لتتعلم كل هذا." ضيّق عينيه وأضاف: "لكن… هناك شيء بالغ الأهمية لم تذكره في قصتك سابقًا."
بدأ قلبي ينبض بعنف… بدأت أشك أنه اكتشف أمر "سيلفيا".
"لقد قررت." قال فجأة: "آرثر، كن تلميذي!"
هزّ رأسه بحزم، ليتركني مذهولًا تمامًا.
.
.
.