---

بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k

"البكاء لن يُجدي! أليس من المفترض أن تكونِ معتادةً على الماء بحلول الآن، يا سيلفي؟"

"كيووووو..." هربت سيلفي أخيرًا من قبضتي وهرولت خارج الحمّام، وهي لا تزال تقطر ماءً.

"ها..." هززتُ رأسي وأنا أنهي استحمامي وحدي.

ارتديتُ قميصًا بسيطًا وسروالًا، وألقيتُ نظرةً أخيرة على الغرفة التي كنتُ أسكنها خلال الأشهر الماضية، لأحفر صورتها في ذاكرتي. ثم ارتديتُ قفّازي وخاتمي، وحزمتُ المعطف والقناع مع بعض الضروريات الأخرى في حقيبتي. شددتُ حزام "أغنية الفجر" وسيفي القصير على خصري قبل أن أخرج.

"ثِقْ بجازمين حين تشتدّ الأمور. قد تكون الأصغر سنًّا، لكن لا تشكّك في قوّتها وخبرتها كمغامرة." نصحني والدي وهو يضمّني إلى عناقٍ أخيرٍ قويّ.

"لماذا سيغادر أخي وسيلفي؟ لا! ابقيا هنا!" أصابت أختي الآن صدمة إدراك أنني لن أكون في البيت لمدّةٍ ما. كانت تتمسّك بخصري وترفض التراجع، مستخدمةً ثقل جسدها لإثباتي في مكاني.

"عزيزتي، سيعود أخوكِ، حسنًا؟" حاولت أمي مواساتها.

"لا لا لا لا! ابقَ!" طالبت أختي. رفضت الاستماع إلى الأعذار وبدأت بالصراخ ودموعها تملأ عينيها.

انحنيتُ على ركبتيّ وضممتُ إلي بين ذراعيّ، وأنا أربتُ على ظهرها. "أعلم أنكِ أصبحتِ فتاةً كبيرةً الآن. هل تستطيعين حماية أبي وأمي بينما أنا غائبٌ قليلًا، يا إلي؟"

"أوووو...حِق...أستطيع حمايتهم..." أجابت بصوتٍ مكتوم، ووجهها مدفون في كتفي.

تركتُها ودرستُ وجه أختي الصغيرة، ماسحًا الدموع التي كانت تجري على خدّيها.

"فتاةٌ شجاعة. أخوكِ الكبير سيغيب لمدّةٍ قصيرة، لكنني سأعود. أشعر بارتياحٍ أكبر لأن لدينا شخصًا قويًّا مثل أختي الصغيرة هنا لحماية المنزل."

"نعم!" أيدّت بحماس، وعيناها تشرقان بعزيمةٍ جديدة.

ربتّ على رأسها وضممتُ أمي وأبي إلى عناقٍ أخير.

"سنشتاق إليك. لا تنسَ أن تبقي الخاتم في إصبعك، حسنًا؟" ضمّتني أمي بقوّة.

"احذر نفسك واعرف حدودك يا آرثر." وضع والدي يدًا على كتفي وأمعن النظر فيّ، منتظرًا ردًّا.

"اعرف حدودي." كرّرتها في نفسي وأنا أومئُ لوالدي إيماءةً حازمة.

بعد انتهاء الوداعات، نزلتُ الدرج الأمامي إلى حيث كانت جازمين تنتظر.

لوّحت لهم وداعًا للمرة الأخيرة، ملمّحًا لأختي التي كانت تلوّح بيديها وهي تعضّ شفتيها لتمنع نفسها من البكاء، أن تبتسم.

"لننطلق يا جازمين." أعلنتُ وأنا أرتدي القناع والمعطف.

أجابت بإيماءةٍ مقتضبة، وبدأنا نتجه نحو وسط المدينة، إلى قاعة نقابة المغامرين.

---

لم تكن قاعة النقابة كما توقّعت. كنتُ أتخيّل مكانًا مليئًا بالبلطجيّة جالسين حول داولات خشبيّة يشربون البيرة. لكنها بدلاً من ذلك كانت مبنىً يفوح بالرقيّ والفخامة. هيكلٌ رخاميٌّ شامخٌ كمتحفٍ مقدّس. وما إن دخلتُ، اتّضح لي مقدار العمل المبذول في تصميمها الداخليّ المتقن. كانت هناك داولات مصنوعة من المعدن، ورأيتُ مغامرين آخرين يلقيون علينا نظراتٍ عابرة. كان المكان يفيض بجوٍّ من البذخ لا يناسبني، ناهيك عن بعض المغامرين ذوي المظهر الهمجيّ هنا، لكنني واصلتُ مسيري.

"أهلاً بكما! كيف يمكنني مساعدتكما؟" ابتسامة الموظّفة المدربة أشرقت بلؤلؤيّ بياض.

وقبل أن تتاح لي فرصة الرد، دفعت جازمين قطعةً من الرقّ نحو المرأة.

"أرغب في رعايته لامتحان رتبة." كان وجهها بلا تعبير وهي تقول باقتضاب.

"ن-نعم! فهمتُ." أجابت الموظّفة وهي تهزّ رأسها بحماس وأعادت الورقة إليها. "تفضّلا من هنا."

نهضت المرأة من مقعدها وفتحت الباب المجاور لنا من الجانب الآخر. وبينما دخلنا، لم أستطع إلا أن ألحظ الهمهمات الخافتة حولنا.

"يا له، هناك من يؤدّي امتحان رتبة." همس أحدهم.

"إنها مجرّد فتاة وقزمٌ مقنّع، مع ذلك." سخّر صوتٌ آخر بخشونة.

كتمتُ أيّة أسئلة في بالي وتبعتُ الكاتبة في صمت. عبرنا الباب واقتيدنا خلف صفّ المقاعد وراء المنضدة الزجاجيّة حيث كانت الموظّفات في مواقعهنّ، وإلى غرفةٍ صغيرة.

كان المكتب مزخرفًا بأقلّ قدرٍ ممكن، بأريكتين جلديّتين متقابلتين. وفي أقصى الغرفة كان مكتبٌ خشبيٌّ داكن يواجه الباب؛ خلفه رجلٌ نحيفٌ يجلس وراء كومةٍ من الأوراق المرتّبة، يدوّن شيئًا بقلمٍ مبطن.

أيقظه صوت باب مكتبه وهو يُفتح، فرفع الرجل رأسه وكشف عن وجهٍ حادٍّ زاوي. كان رأس الشعر الأسود الذي كنتُ أحدّق فيه مفرّقًا من المنتصف ويصل إلى ما بعد رقبته النحيفة. خلف نظّارته السميكة بدون إطار كانت عينان حادّتان تنظران إلينا بتمعّن.

"المغامرة من الدرجة A، جازمين فليمزوورث، طلبت..." تلعثم صوت الكاتبة وهي تنظر إليّ بحذر. "...هذا السيّد لإجراء امتحان رتبة."

"نعم، أنا على درايةٍ تامّة بالآنسة فليمزوورث. يمكنك الانتظار بالخارج يا ماري." لوّح الرجل النحيف لها بعيدًا وهو ينهض من مقعده. "الآنسة فليمزوورث، كيف حالكِ هذه الأيّام؟ لقد التقيتُ بوالدكِ منذ وقتٍ ليس ببعيد."

اكتفت جازمين بإيماءةٍ مقتضبة بالكاد تشبه انحناءة، بينما اقترب منّا الرجل. كان تعبيرها قد اشتدّ منذ دخولها هذه الغرفة، لكن عند ذكر والدها، قبضت جازمين يديها في قبضتين.

"على أيّة حال، يسعدني لقاؤك." حوّل الرجل انتباهه إليّ، معترفًا بوجودي أخيرًا. "اسمي كاسبيان بليد هارت، وأنا المسؤول عن هذا الفرع. أفترض أن لك علاقةً وثيقةً بالآنسة فليمزوورث. هل هناك اسم يمكنني مناداتك به؟" تحدّق نظره فيّ صعودًا وهبوطًا وهو يقيّمني بسرعة.

"كيو!" أجابت سيلفي نيابةً عنّي.

كنتُ قد جعلت سيلفي تعود إلى شكلها الأصليّ خلال فترة عملي كمغامر، لذا كانت قرونها بارزة وأشواكها الحمراء ظاهرة.

"يُنادى باسمي نوت." أجبت بخشونة. لم يكن للاسم معنى كبير، وقد اخترته بلا تفكيرٍ كبير بناءً على الخطّ الأزرق الذي يمرّ عبر شقّ العين اليسرى؛ ذكّرني بينغمةٍ موسيقيّةٍ مفردة.

اتّسعت عينا كاسبيان دهشةً، لكنه سرعان ما تمالك نفسه، مجيبًا بابتسامةٍ عاديّة. بخلاف ذلك، لم يبدُ أن رؤية وحش مانا تُفاجئه، وهو ما افترضتُ أنه بسبب طبيعة عمله. "نعم! حسنًا... السيّد نوت، سنمضي قدمًا مع الآنسة فليمزوورث هنا كراعيتك. هل تعرف كيف سيسير الأمر؟"

هززتُ رأسي، وتركتُه يشرح. "للمغامر من الدرجة B أو أعلى الحقّ في رعاية مغامر جديد لامتحان. وفقًا لأدائك، سيمنحك هذا الامتحان فرصة الحصول على رتبة مناسبة. وبهذا، يمكنك تجنّب الصراعات غير الضروريّة للبدء من الصفر. سيتكوّن امتحان الرتبة من جزء عمليّ فقط. الآن، وبالحكم على أسلحتك، يمكنني افتراض أنك إمّا مقاتل أو معزّز، صحيح؟" نظر باستفهام إلى العصا السوداء المربوطة بخصري تحت سيفي القصير.

"نعم."

"حسنًا! عادةً، سيكون هناك طلبٌ سريعٌ مع فحص نواة المانا قبل الامتحان، لكن بما أن الآنسة فليمزوورث هنا هي راعيتك، سأتجاوز ذلك." تابع وهو يفتح بابًا آخر في أقصى مكتبه. "ماري، خذي هذين إلى قاعة الامتحان."

"ن-نعم!" دخلت الموظّفة التي كانت تنتظر خارج الغرفة على عجَل، وقادتنا نحو الباب الخلفيّ. "من فضلكما، السيّد نوت، الآنسة فليمزوورث، من هذا الطريق."

حدّقتُ في جازمين من خلال قناعي ونحن نسير في الممرّ الطويل. ألهذا السبب أرادت أن تكون هي من يرافقني؟ ذُكر منزل فليمزوورث بدرجةٍ من الاحترام، لكن ما هو منزل فليمزوورث بالضبط؟

أجبرتُ على التحديق حين حاولت عيناي التكيّف مع التغيّر المفاجئ في الإضاءة ونحن نخرج من الممرّ المظلم. وبعد أن خفتّ البهجة العمياء، تمكنتُ من تمييز تفاصيل القاعة التي كنّا فيها. كانت المنطقة المضاءة جيدًا ساحةً داخليّةً مغطاةً بالتراب، مع مقاعد مسرحيّة قياسيّة بدت أشبه بدرجات مبالغ فيها. وبينما كانت معظم المقاعد فارغة باستثناء عشرة أشخاص أو نحوهم متفرّقين، كان هناك جوٌّ متوتّر حيث تركّزت عيون الجميع على الشخصَين في وسط الساحة.

"تفضّلا، اتبعاني إلى مقاعدكما. هناك عددٌ لا بأس به من الممتحنين اليوم، لذا إذا بقيتما جالسين حتى ينادي الممتحن اسمكما، سيساعد ذلك في تسريع العمليّة." أعطتنا الموظّفة انحناءةً سريعةً أخيرة قبل أن تعود مسرعةً إلى أسفل صفوف المقاعد الحجريّة.

وضعتُ سيلفي بيني وبين جازمين، وانحنيتُ للأمام للحصول على رؤيةٍ أفضل للمقاتلَين على وشك المبارزة. أما جازمين فاكتفت بالاستلقاء بلا مبالاة وساقاها متقاطعتان.

"ها!" زأر الرجل الأصلع الأكبر حجمًا وهو يهوي برمحه الطويل. كان من الواضح أنه في موقفٍ ضعيف مقابل خصمه. كان الرجل الذي يقاتله متوسط البنية بشعر أسود قصير وندبةٍ خشنة على خدّه، لكنه كان يتفادى بسهولة جميع هجمات الرجل الأصلع العريضة.

كان وجه المقاتل المندّب بلا تعبير، شبيه بتعبير جازمين. لم يكلف نفسه عناء استخدام السيف العريض الذي في يده اليمنى وهو يواصل التلويح حول هجمات خصمه الأصلع المندفعة.

احمرّ وجه الرجل الأصلع إحباطًا، وزأر: "خذ هذا!" كانت حقيقة إعلانه عن هجومه التالي تعني أنه إمّا واثقٌ من نفسه أو مجرّد هاوٍ. وفي هذه الحالة، بدا أنه الأخير.

بدأ الرمح الطويل الذي رفعه عاليًا فوق رأسه يتوهّج بلون برتقاليٍّ باهت، وموجة حرارة تحيط بسلاحه. تغيّر تعبير الرجل المندّب من الملل إلى الدهشة الخفيفة.

"تحطيم الجحيم!" زأر الرجل الأصلع وهو يهوي بضربته. وكما يردّد المستحضرون التعاويذ لتركيز نيّتهم، يختار العديد من المعزّزين فعل شيءٍ مماثل، كالتلفّظ باسم هجومهم. لكن بالنسبة لحركةٍ بسيطة كهذه، بدا الأمر مبالغًا فيه.

حتّى من هذا العلوّ، استطعتُ تمييز تنهيدة الرجل المندّب الساخرة وهو يرفع سيفه العريض ببساطة ليتلقّى الهجوم.

دوّى صوت الرنين الحادّ للمعدن يصطدم بمعدن في أرجاء الساحة. لكن منظر الرمح الطويل وهو يدور عاليًا في الهواء جعل من السهل تحديد الفائز في المناوبة.

كان الرجل الأصلع محدّقًا في يديه الخاويتين، مندهشًا على ما يبدو من أنّ هجومه الأقوى قد تمّ التعامل معه بهذه السهولة.

"مهاراتك كحامل رمحٍ معدومة، وحواسك القتاليّة رديئة... وهذا كلامٌ لطيف. تعتمد كثيرًا على القوّة البدنيّة مقارنةً بتعزيزك بالمانا، مما يخلّ بتوازن هجومك. يقول إنّك بلغت الخامسة والثلاثين للتوّ، لكنك الآن فقط في المرحلة البرتقاليّة الداكنة. عادةً، سأصنف شخصًا بمستواك في الدرجة E، لكن بما أن لديك ألفةً ناريّة، وإذا كان من الممكن تسمية حركة المدفأة الصغيرة التي قمت بها بالنار، فسأمنحك الدرجة D... بالكاد." كان تقييم الممتحن المندّب مقتضبًا ومباشرًا، لكنني لم أستطع إلا أن أتّفق معه تمامًا.

"التالي! ديان وايت هول!" زأر الرجل المندّب بينما عاد الممتحن الأصلع إلى مقعده مثبطَ الهمّة، والتقط رمحه في الطريق.

"نعم! قادمة!" هرولت امرأة على الجانب الآخر من الملعب إلى أسفل صفوف المقاعد، وكادت تتعثّر في الطريق.

كانت فتاةً منمّشةً تبدو في أواخر مراهقتها. شعرها البنيّ المجعّد مربوط للخلف، وكانت ترتدي رداء مستحضرٍ قياسيًّا بدا أشبه برداء حمّامٍ فاخر. تلمست عصاها من حزامها بصعوبة، لكنها تمكنت من الوصول إلى موقعها دون أن تسقطها.

انتشرت القهقهات والضحكات في أرجاء الساحة من الجمهور القليل، مما جعل الفتاة – ديان – تنكمش أكثر خجلًا.

"مضيعةٌ للوقت. فقط ارفضوا هذه الفتاة." جذبني صوت فتى على يساري، ورأيته يهزّ رأسه بسخرية.

لم يبدُ الفتى أكبر منّي بكثير، مما فاجأني. لم أكن أتوقّع وجود شخصٍ في مثل صغره يحاول أن يصبح مغامرًا. ورغم أنه كان يرتدي رداء مستحضر أيضًا، كان على مستوى مختلف؛ فجعل رداء ديان يبدو كرداء حمّام بالمقارنة. من زخارفه وتحفّه، كان من الواضح أنه نبيل. بشعر أشقر متوسط الطول يغطّي أذنيه ومقصوص ليستقرّ فوق عينيه الخضراوين الباهتتين، كان من السهل تمييز أنه فتى وسيم. وبالابتسامة المتجبّرة الدائمة على وجهه وطريقة رفعه لذقنه قليلًا لينظر دائمًا إلى كلّ شيء من أعلى، أنا متأكد من أنه كان يعتبر نفسه نجمًا.

لكن ما لفت انتباهي كان العصا البيضاء المصقولة من الخشب بجانب الفتى. كانت في قمّتها حجرٌ كبيرٌ بلون الياقوت يتلألأ تحت أضواء الملعب.

كان مثالًا رائعًا لشخصٍ يثير استيائي، لذا فضّلتُ أن أعيد انتباهي إلى المنصّة.

كان الممتحن المندّب الذي فحص المعزّز الأصلع جالسًا، وحلّت محلّه امرأة. من افترضتُ أنها ممتحنة المستحضرين كانت ترتدي قبعة مستحضرٍ على شكل مخروط كبير يُلقي ظلًّا يغطّي معظم وجهها.

أمالت قبعتها للخلف، فتمكنتُ من رؤية وجه المدرّبة الشاحب. دارت عيناها الرفيعتان حول الجمهور قبل أن تُطلق سعالًا عاليًا ليهدأ الجميع.

"آهم! ديان وايت هول، الثامنة عشرة من عمرها، مستحضرة في المرحلة البرتقاليّة الصلبة، بتخصّصٍ واحدٍ في الماء. لنبدأ." ألقت الممتحنة الأنثى دفتر الملاحظات نحو الممتحن المندّب ورفعت عصاها الرماديّة.

حالما يصل المستحضر إلى المرحلة البرتقاليّة، يتّضح أين يكمن تخصّصه. بدلاً من إضاعة الوقت في محاولة التبحّر في جميع العناصر الأربعة، كان من الأكثر كفاءة التركيز فقط على العنصر ذو الألفة الأعلى. التخصّص الواحد، في حالتها، يعني أنها تعتمد بشكلٍ أساسيّ على تعاويذ الماء. أما التخصّص المزدوج وما فوق، فسيكون هناك اختبارٌ صارم لمعرفة ما إذا كنت حقًّا بارعًا في عنصرين.

على الفور، تمتمت الممتحنة المنمّشة بتعويذة، مستحضرةً فقاعةً مائيّةً تحيط بها.

كانت أساسيات القتال كمستحضر هي إقامة تدابير دفاعيّة. يفعلون ذلك لأن معظمهم ليسوا بارعين في تعزيز أجسادهم بالمانا.

لكن ممتحنة ديان، بدلاً من ذلك، لم تلقي تعويذةً دفاعيّةً بل اختارت الهجوم.

"عاصفة رمليّة!" صرخت الممتحنة الشاحبة بينما دوّامةٌ من الرمال حلّقت حول الفتاة المنمّشة وفقاعتها المائيّة الدفاعيّة.

امتزجت عاصفة الرمال بالماء، محوّلةً تعويذة ديان الدفاعيّة إلى كرةٍ كبيرةٍ من الطين. "انحلال!" انفجرت فقاعة الطين بأمر الممتحنة. وقفزت للخلف، متمتمةً بتعويذةٍ أخرى بينما بدأت كرةٌ مضغوطةٌ من الماء تتشكّل عند طرف عصاها.

[مدفع مائي]

انطلقت كرة الماء بسرعةٍ ملتهبة نحو الممتحنة الشاحبة.

بدلاً من الدفاع ضدّ التعويذة، تفادتها الممتحنة برشاقة. وبالتفكير، أدركتُ أن هذه كانت المرّة الأولى التي أشاهد فيها مبارزة بين مستحضِرَين. ستكون هذه المباراة التمثيليّة طريقةً جيّدة لدراسة الاختلافات في أساليب القتال بين المستحضرين طويلي المدى والمعزّزين في الاشتباك المباشر.

"انفجري!" صرخت المراهقة المنمّشة وهي تهوي بعصاها. انفجرت كرة الماء المكثّفة حالما تخطّت الممتحنة، ممتلئةً الملعب بسحابةٍ من الغبار.

كان الوغد النبيل الذي كان يسخر من الفتاة سابقًا يهزّ رأسه بازدراء.

"إنها ليست سيئة." تمتمت جازمين بجانبي.

بدأت سحابة الغبار الصغيرة التي حجبت المدرّبة عن الأنظار تتلاشى لتكشف أنها ليست هناك.

فجأة، ظهرت الممتحنة من تحت الأرض خلف ديان، وضربت عصاها برفق أعلى رأس الممتحنة.

"إييك!" قفزت ديان للأمام مفزوعة.

"يجب أن أقول، تحكّمك جيّدٌ إلى حدٍّ ما يا آنسة وايت هول. كنتِ واثقةً قليلًا في سلسلة تعاويذك الأخيرة، ولم تعدّي أيّ تدابير دفاعيّة، لكن بشكلٍ عام، كانت كفاءة التحكّم بالمانا وسرعة الإلقاء جيّدة. الدرجة C!"

أطلقت ديان تنهيدةً من الارتياح. كونها مغامرة من الدرجة C في سنّها كان إنجازًا يمكنها أن تفخر به.

"التالي! إيليا نايت!" أعلنت ممتحنة المستحضرين.

"هنا..." على بُعد صفّين إلى يميني، وقف فتى بدا أصغر من النبيل الأشقر. بدا منعزلًا نوعًا ما، بشعر أسود حالكٍ مقصوصٍ ليغطّي نصف جبهته. كان لديه تعبيرٌ جادٌّ جدًّا تحت نظّارته المزيّنة، مما جعله يبدو أكثر نضجًا من عمره الحقيقيّ. كان الفتى يرتدي قميصًا بيجًّا بسيطًا طويل الأكمام وسروالًا أسود، ولم يكن يحمل أيّ أسلحة. توقّعتُ نصفًا أن يكون معزّزًا، لكن حقيقة أن الممتحنة لم تستبدل تشير إلى عكس ذلك.

فجأة، ركض كاتبٌ كان يدوّن الملاحظات جانبًا إلى الممتحنة وهمس بشيءٍ في أذنها.

اتّسعت عينا الممتحنة الشاحبة الرفيعتان قبل أن تستعيد رباطة جأشها بسرعة.

"إيليا نايت، العاشرة من عمره. لقد أُبلغت للتوّ بوضعك الخاص. اعتبارًا من الآن، أنت مغامر من الدرجة B."

الدرجة B في عمره، ولم يحتج حتّى إلى الاختبار؟ رأيتُ نظرات عدم التصديق على وجوه الجميع. حتّى وجه ممتحن المعزّزين كان متفاجئًا وهو يمدّ رقبته للحصول على رؤيةٍ أفضل للفتى المعنيّ.

اكتفى الفتى الجادّ بانحناءةٍ صغيرة وجلس مجددًا دون كلمة.

"التالي! لوكاس وايكس!" تابعت الممتحنة.

"همف! أظنّ أن دوري قد حان أخيرًا!" قفز الفتى النبيل الأشقر من مكانه الجالس وتوجّه بتثاقل إلى المنصّة، وعصاه في يده.

نظرت الممتحنة إلى ملاحظاتها، لكن هذه المرّة، بدا صوتها متفاجئًا بوضوح. "لوكاس وايكس، الحادية عشرة من عمره. مستحضر في المرحلة... البرتقاليّة الفاتحة! تخصّصٌ واحدٌ في النار."

ماذا؟ هو بالفعل في المرحلة البرتقاليّة الفاتحة؟ كيف يمكن لذلك أن يكون ممكنًا؟

دون أن ينحني حتّى، اتّكأ لوكاس بتكاسل على عصاه.

"لنبدأ." أعلنت الممتحنة، منزعجةً بوضوح من افتقار الفتى للاحترام.

عند إشارتها، قفز لوكاس إلى الخلف فورًا وهو يردّد تعويذةً. "انهضي يا حامي!"

[حامي النار]

انبعث عمودٌ من النار أمامه، وتلاشى ليكشف عن كائنٍ بشريٍّ طوله متران مصنوعٌ من اللهب.

"يبدو أن لدينا موهبةً خاصّةً اليوم. كما يُتوقّع من شخصٍ من عائلة وايكس." صفّر ممتحن المعزّزين بإعجاب.

اندفع حامي النار نحو الممتحنة، تاركًا آثار أقدامٍ متفحّمة في طريقه، بينما بدأ لوكاس بإلقاء تعويذةٍ أخرى.

إذاً لديه بعض المهارة لتبرير غروره.

كانت الممتحنة الأنثى معجبةً قليلًا بوضوح، لكنها ردّت بمهارة بموجةٍ من عصاها الرماديّة وبضع كلمات لإشعال تعويذتها.

[قبر ترابي]

انطلقت ثلاثة أسطحٍ مثلّثةٍ من الأرض الصلبة من الأرض، محاصرةً حامي النار داخل هرمٍ من الصخر.

كان ردًّا جيّدًا. سيتلاشى حامي النار طبيعيًّا حالما يستهلك الأكسجين المحدود داخل القبر.

لكن لوكاس قهقه ردًّا، وهو يُنهي تلاوته. "متأخّر جدًّا يا آنسة الممتحنة."

[نُذُر الجمر]

أشرق الحجر الياقوتيّ المدمّج في عصاه بلون برتقاليٍّ مبهرٍ حين انبعثت شرارةٌ في الهواء. انفجرت الشرارة التي بدت غير ضارّة كالألعاب الناريّة، متفرّقةً إلى عشراتٍ من الخيوط الناريّة العائمة الصغيرة. بقيت الخيوط طافيةً في كلّ أرجاء المنصّة، محيطةً بهما معًا.

"الفتي بارع." أثنت جازمين، مُبديةً علامة نادرةٍ من الموافقة.

أصبح وجه الممتحنة جادًّا الآن.

كنتُ في حيرةٍ قليلًا من الغرض من تلك الجمرات العائمة، لكن سؤالي سرعان ما أُجيب.

"طرد!" رفع لوكاس عصاه فوق رأسه وهو يواصل الركض للخلف.

فجأة، أشرقت العشرات من خيوط النار بلونٍ أحمرٍ ساطع قبل أن تطلق أشعّةً من النار نحو الممتحنة.

وجّهت الممتحنة عصاها نحو الأرض تحتها وهي تواصل تلاوة تعويذتها بهدوء. تلالأ السطح حولها بلونٍ أصفرٍ ساطعٍ بينما بدأت قطعٌ متعدّدة من الأرض تبرز من تحت السطح.

[حقل شظايا الحجر]

انطلقت الصخور المتلألئة في تشكيلٍ لاعتراض أشعّة اللهب. لكنها لم تكتفِ باعتراضها، بل أعادت توجيهها نحو لوكاس.

"انحلال!" شحب لوكاس وهو يصرخ بيأس. اختفت الخيوط في الهواء، لكن اللهب الذي أُطلق بالفعل كان ما يزال يتّجه نحوه.

وجّه عصاه الضخمة نحو مسارات اللهب المتعدّدة التي تقترب منه بسرعة، وألقى تعويذةً أخرى.

[إعصار ناري]

تولّد إعصارٌ من النار بالكاد يكفي لإحاطته من الأرض. انجذبت مسارات اللهب في دوّامة الإعصار الناريّ، ممتزجةً به.

"اخترق." أمرت الممتحنة بحركةٍ انسيابيّة. تمايلت شظايا الحجر التي أعادت توجيه اللهب قبل أن تنطلق نحو إعصار النار الذي كان لوكاس مختبئًا بداخله. اخترقت شظايا الحجر الكبيرة إعصار النار، ومزّقته إربًا. توقّفت الشظايا على بُعدٍ يسيرٍ من لوكاس الغاضب المرتجف، الذي كان يحمي نفسه بعصاه أمامه.

"كيف تجرؤ! هذا الافتقار الشنيع للأدب في مجرّد امتحان رتبة يجب أن يُسجّل ويُعاقَب وفقًا لذلك!" صرخ لوكاس بعينين حاقدتين. كان وجهه الشاحب قليلًا أفتح درجات، وطبقةٌ من العرق تغطّي جسده.

"اهدأ يا سيّد وايكس. لديّ تحكّمٌ كافٍ لمنع نفسي من طعن الأطفال المتغطرسين." طمأنته الممتحنة بهدوء، تاركةً لوكاس يلعن المرأة بصمت.

"تحكّمك وإبداعك في دمج تعاويذك ممتازان. طالما بقيت حذرًا وعرفت حدودك، سيكون لك مستقبلٌ عظيمٌ يا سيّد وايكس. أظنّ أنه من الآمن القول أنه يمكنك وضعك في الدرجة B. أتوافق يا جورج؟" التفتت إلى ممتحن المعزّزين.

أجاب بهزّ كتفيه، مشيرًا إلى أنه ليس لديه مانع.

أيّ اتهاماتٍ ظالمةٍ كان لوكاس قد اتّهم بها الممتحنة بدت وكأنها تلاشت في الهواء، إذ ارتدى لوكاس مجددًا ابتسامته المغرورة تجاه النتيجة النهائيّة.

"واو!"

"وحشٌ صغيرٌ آخر!"

"اللعنة، أريد فقط أن أعود إلى البيت!"

"ما بال حشود اليوم؟"

صرخ أعضاء الجمهور القلّة واشتكوا بحسد، بينما تمتم بعض الحاضرين الآخرين الذين خضعوا للامتحان بالفعل بحماس بين أقرانهم.

"ماذا توقّعتُم أيّها القردة الحمقاء؟ هل ظننتم أنني في مستواكم؟" سخر لوكاس بصوتٍ عالٍ وهو ينفض غبار ردائه.

عاد إلى مقعده قبل أن تتبادل الممتحنة، التي لم تكن متعبةً حتّى، الأماكن مع ممتحن المعزّزين المسمّى جورج.

نهض الرجل المندّب، ممدّدًا جسده كهرّةٍ كسولة. صافح الممتحن الآخر براحةٍ وهو يمّر بجانبها، ثم حدّق في ملاحظاته.

"الممتحن التالي، نوت! تفضّل بالنزول!" زأر دون أن يرفع نظره.

وضعت جازمين يدًا على كتفي. "حظًّا سعيدًا."

أومأتُ إيماءةً حازمة ردًّا، ونزلتُ الدرجات تاركًا سيلفي القلقة في رعاية جازمين.

"يبدو أنك هنا لتُختبر تحت شروطٍ خاصّة، بما أنه لا توجد أيّ معلومات عنك هنا. حسنًا! لنرى ممّ أنت مصنوع." تأمّلني جورج بنظرةٍ فضوليّة، محاولًا النظر من خلال شقّ عين قناعي ليرى من أنا.

سلّ الممتحن سيفه بانسيابيّة، وكذلك فعلتُ أنا.

"ابدأ!" أعلن وهو يندفع نحوي. كانت الطعنة موجّهة مباشرةً نحو رأسي، على الأرجح بهدف تخويفي.

بدلاً من التراجع للخلف أو الانحناء، واجهتُ طرف السيف المقبل وتقدّمت خطوةً إلى الأمام، موجّهًا المانا إلى ساقيّ. أملتُ رأسي بما يكفي ليمرّ سطح النصل بسلام على قناعي، ورفعتُ سيفي بحركةٍ واحدةٍ سريعة.

اتّسعت عينا جورج الحادّتان بسبب صدّي، وتراجع بيأسٍ آملاً أن يلحق بوقته لاعتراض تأرجحي، لكن طرف سيفي كان قد لامس حلقه بالفعل. توقّف الممتحن فورًا، خائفًا من أن أيّ حركةٍ مفاجئة قد تجعل نصل يغرس في عنقه، بغضّ النظر عن تعزيزه بالمانا.

"كفى." قاطع صوت. "تنحّ يا جورج. سأكون أنا من يختبر هذا الممتحن تحديدًا."

أدرتُ رأسي، فرأيتُ الرجل النحيف ذا النظّارة المسمّى كاسبيان يمشي نحونا من الممرّ الذي أتينا منه أنا وجازمين.

"س-سيدي؟ ستمتحن هذا المشارك شخصيًّا؟" ابتعد جورج عن نصل سيفي بأقصى قدرٍ من الهدوء، لكن نقطة دمٍ تدحرجت على رقبته.

"أعتذر إن بدا هذا متعاليًا، لكن هل هناك حقًّا حاجةٌ لأن يُخفض من الدرجة AA نفسه ليمتحن ممتحنًا؟ سأكون أكثر من كافٍ لتقييم هذا المقدّم!" تابع، ماسحًا الدم بسرعة بيده.

أخفض كاسبيان نظره إلى رقبة جورج، مما أسكت الممتحن. الرجل، بغضّ النظر عمّا اعتبره خطأً بسيطًا منه، كان مرتّبًا بشكلٍ واضح من حقيقة أنّ رئيس هذا الفرع سيكون من يختبرني.

سيكون من الكذب القول إنني لم أفاجأ أيضًا. شخصٌ يُصنّف كمغامر منغير مكتمل

2026/08/06 · 0 مشاهدة · 3162 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026