كانت الغرفة التي يجتمعون فيها تحت الأرض تشعر بالبرودة أكثر من المعتاد. لم تكن برودة الصخر، بل كانت برودة الخوف والشك. جلس هاروما مع دائرته الداخلية: آنيا، التي كانت تقف في الظل كعادتها، وريو، الذي كان وجهه الشاب يحمل قلقاً يفوق سنوات عمره، وجارو، الذي كان يجلس بصمت، وكتفاه منحنيتان، وقد اختفت غطرسته تماماً وحل محلها احترام حذر.
وضع هاروما البردية المشفرة على الطاولة الحجرية. “لدينا مشكلة أكبر مما كنت أعتقد”، قال بهدوء، وشرح لهم ما اكتشفه: التحالف غير المقدس بين كايتو وأبناء الرماد، والرسالة التي تشير إلى وجود خائن في صفوفهم.
ساد صمت ثقيل. كانت فكرة أن عدويهم اللدودين يعملان معاً أمراً مروعاً بما فيه الكفاية. لكن فكرة أن أحدهم، شخص يعيش معهم، ويأكل معهم، ويتدرب معهم، كان يعمل ضدهم، كانت فكرة مدمرة.
كان جارو أول من كسر الصمت. “قلت لكم!” قال، وصوته أجش من الغضب والخوف. “قلت لكم إننا لا نستطيع أن نثق بالغرباء! لا بد أنه أحد هؤلاء التجار الرحل، أو ربما أحد المتطوعين الجدد الذين يتدفقون علينا كالفئران!”. قفز على قدميه، وعيناه تشتعلان بنار الشك القديمة. “يجب أن نستجوبهم جميعاً! سنجعلهم يتكلمون!”.
“اجلس يا جارو!” أمر هاروما، وصوته حاد كالسيف. “إذا بدأنا في تعذيب رجالنا بناءً على الشكوك، فسنكون قد قمنا بعمل الخائن من أجله. هذا بالضبط ما يريده. ‘ازرع بذور اليأس’. هل تفهم؟ مهمته ليست فقط نقل المعلومات، بل تدميرنا من الداخل. يريدنا أن نشك في بعضنا البعض، وأن نتحول إلى وحوش مذعورة. لن نمنحه هذه المتعة”.
جلس جارو بتردد، لكنه ظل يتمتم بغضب. كان ريو يبدو حزيناً. “لا أستطيع أن أصدق ذلك”، قال بصوت خافت. “لقد أنقذنا الكثير من الناس. كيف يمكن لأي منهم أن يخوننا؟”.
“الناس يفعلون أشياء غريبة من أجل البقاء، أو من أجل السلطة، أو بسبب الخوف”، قالت آنيا بهدوء من زاويتها المظلمة. “هاروما على حق. مطاردة الساحرات ستدمر معنوياتنا. لكن لا يمكننا تجاهل هذا أيضاً. يجب أن نفترض أن كل محادثة يتم التنصت عليها، وكل خطة يتم تسريبها”.
كان هاروما يشعر بأنه محاصر بين مطرقة الشك وسندان الحاجة إلى الثقة. كان جيشه الصغير مبنياً على أساس الأمل والإيمان المتبادل. إذا تآكل هذا الأساس، سينهار كل شيء. كان عليه أن يجد طريقة لاقتلاع هذه البذرة السامة دون تدمير الحديقة بأكملها.
أمضى بقية اليوم يفكر، ويعزل نفسه في غرفة صغيرة، ويراجع كل ما يعرفه عن الاستراتيجية والتجسس من الكتب التي قرأها في حياته الماضية. كانت هذه مشكلة لا يمكن حلها بالسيف أو بشفرة الروح. كانت مشكلة تتطلب المكر والخداع.
في المساء، جمع دائرته الداخلية مرة أخرى. كان هناك تصميم جديد في عينيه. “لن نبحث عن الخائن”، قال، مما أثار دهشة الجميع. “سوف نجعله يكشف عن نفسه”.
“كيف؟” سأل ريو.
“الرسالة تقول ‘ازرع بذور اليأس’. هذا يعني أن الخائن ليس مجرد ساعي بريد. إنه عميل استفزازي. إنه يحاول دفعنا لاتخاذ قرارات سيئة. مثل مهاجمة حصون الكايبا بشكل متهور”. نظر هاروما إلى جارو، الذي أشاح بوجهه خجلاً. “لقد كان الخائن يغذي غضبك يا جارو، ويستخدم وطنيتك ضدنا”.
“سوف نستخدم هذا ضدهم”، تابع هاروما. “سوف نستخدم الخائن كخط اتصال مباشر مع كايتو. سوف نطعمه بالمعلومات، لكنها ستكون المعلومات التي نريد أن يعرفها كايتو”.
بدأت آنيا تبتسم. لقد فهمت. “معلومات مضللة”.
“بالضبط”، قال هاروما. “سنضع خطة مزيفة، خطة تبدو معقولة ومتهورة، تماماً مثل نوع الخطط التي يريدنا الخائن أن نتبعها. وسنسرب هذه الخطة من خلال قنوات مختلفة. كل قائد خلية سيحصل على نسخة مختلفة قليلاً من الخطة، تفاصيل صغيرة متغيرة. عندما يرد كايتو على خطتنا المزيفة، فإن الطريقة التي يرد بها ستكشف لنا أي نسخة من الخطة وصلت إليه، وبالتالي، من هو الخائن”.
كانت الخطة جريئة وخطيرة. كانت تتطلب ثقة هائلة في قدرته على التنبؤ بردود فعل كايتو، وكانت تضع المتمردين في خطر إذا ساءت الأمور. لكنها كانت أيضاً خطة عبقرية. كانت تحول أكبر نقاط ضعفهم إلى سلاح.
“الخطة ستكون كالتالي”، قال هاروما، وهو ينحني فوق خريطة للسوق والمناطق المحيطة به. “سنعلن أننا سنشن هجوماً شاملاً على مستودع إمدادات الكايبا الرئيسي شمال المدينة. إنها خطوة جريئة، من النوع الذي كان جارو يقترحه. الخائن سيحبها. وسيقوم بتسريبها على الفور”.
“لكننا لن نهاجم المستودع”، تابع. “هذا هو الإلهاء. بينما يركز كايتو قواته للدفاع عن المستودع، سنقوم نحن بضرب هدف مختلف تماماً. هدف أصغر، لكنه أكثر أهمية من الناحية الرمزية”.
أشار إلى نقطة على الخريطة. “هنا. برج المراقبة القديم عند مفترق الطرق الجنوبي. إنه المكان الذي أعدم فيه الكايبا أول مجموعة من المتمردين قبل وصولنا. إنه رمز لقمعهم. من خلال تدميره، سنرسل رسالة قوية إلى كايتو وسكان السوق على حد سواء”.
نظر القادة إلى بعضهم البعض، والإعجاب يحل محل الشك في عيونهم. لم يكن هاروما مجرد مقاتل أو متحدث ملهم. لقد أصبح استراتيجياً حقيقياً، يفكر بخطوتين إلى الأمام عن عدوه.
“ريو”، قال هاروما. “أنت ستسرب المعلومة بأن الهجوم سيكون عند الفجر. جارو، أنت ستسرب المعلومة بأنه سيكون عند الظهر. وآنيا، أنت ستخبرين جهة اتصالك من التجار بأن الهجوم سيكون عند الغسق. أنا سأخبر مجموعة أخرى بأنه سيكون في منتصف الليل. كل التفاصيل الأخرى للخطة المزيفة ستكون متطابقة”.
“ثم نراقب”، أضافت آنيا، وقد فهمت دورها. “نراقب كيف يحرك كايتو جنوده. إذا استعدوا لهجوم عند الفجر، فإن الخائن في مجموعة ريو. إذا استعدوا لهجوم عند الظهر، فهو في مجموعة جارو”.
لقد تم وضع الفخ. لم يكن فخاً من الحبال والفولاذ، بل كان فخاً من الأكاذيب وأنصاف الحقائق. كان هاروما يستخدم عقل عدوه ضده، ويحول شبكة تجسسهم إلى أداة لكشفهم. لقد توقف عن محاولة اقتلاع بذور اليأس، وبدلاً من ذلك، قرر أن يزرع بذوره الخاصة في حديقة العدو. كانت لعبة خطيرة، لكنها كانت اللعبة الوحيدة التي يمكنهم الفوز بها.