أصبح المستوصف مركز الزلزال الجديد في السوق. تحول المكان، الذي كان يوماً رمزاً للشفاء، إلى نصب تذكاري صامت لليأس. كان الناس يتجنبون المرور بالقرب منه، وكأن وباء اليأس يمكن أن ينتقل عبر الهواء. في الداخل، كان الأطباء والممرضات العاجزون يراقبون الأجساد الحية ولكن الفارغة، ويستمعون إلى الإيقاع الرتيب لتنفسهم، “لحن الصمت” كما أطلق عليه السكان.
أثر هذا الرعب الجديد على هاروما بعمق. لم يكن هذا عدواً يمكن مواجهته بالسيف أو بالاستراتيجية. كان هذا عدواً ينمو في الظل، ويتغذى على الحزن والخوف. لقد أدرك أن كل خطاباته عن الأمل كانت مجرد كلمات في مهب الريح إذا لم يتمكن من حماية أرواح شعبه.
أمضى أيامه ولياليه في المستوصف، جالساً بجانب “الفارغين”، كما أصبحوا يُعرفون. كان يحاول استخدام شفرة روحه، ليس للهجوم، بل للتواصل. كان يرسل خيوطاً رقيقة من إرادته إلى عقولهم الصامتة، محاولاً العثور على أي أثر متبقٍ من وعيهم، أي شرارة يمكن إشعالها من جديد. لكنه لم يجد شيئاً. كانت عقولهم كمدن مهجورة، شوارعها فارغة، ومبانيها مظلمة. كانت الأرواح قد رحلت بالفعل.
“أين تذهب؟” سأل الطبيب العجوز في إحدى الليالي، وصوته أجش من الإرهاق. “أين تذهب الأرواح؟”
نظر إليه الطبيب بحزن. “في الأساطير القديمة، يقال إن الأرواح التي تفقد إرادتها في الحياة تنجرف ببساطة، وتذوب مرة أخرى في بحر الطاقة الكوني. لكن هذا… هذا ليس انجرافاً. هذا حصاد. شيء ما يأخذهم”.
في هذه الأثناء، كانت آنيا تتعامل مع الأزمة بطريقتها الخاصة. لقد صدمها رعب الوباء الروحي، وأجبرها على الاعتراف بأن القوة الغاشمة ليست هي الحل. لكن بدلاً من الانضمام إلى هاروما في تأملاته اليائسة، وجهت غضبها إلى هدف عملي: العثور على الجناة.
“إذا كانوا يسرقون الأرواح، فلا بد أنهم يأخذونها إلى مكان ما”، قالت لفرقتها الصغيرة من القتلة. “لا يمكن أن تختفي الأرواح في الهواء. إنها طاقة. والطاقة يمكن تتبعها”.
بدأت هي وفريقها في العمل كصيادي أشباح حقيقيين. لقد استخدموا تدريب هاروما على الوعي الروحي، ليس للدفاع، بل للكشف. كانوا يقومون بدوريات في المدينة ليلاً، ليس بحثاً عن أشخاص، بل بحثاً عن تموجات في النسيج الروحي للمدينة. كانوا يبحثون عن “المناطق الباردة”، الأماكن التي تشعر فيها طاقة الحياة بالضعف، أو عن “التيارات”، التدفقات الخفية للطاقة الروحية.
كانت هذه هي الخيانة الثانية، والتحول الثاني. لم تكن خيانة للمبادئ، بل كانت خيانة للأدوار. أصبح هاروما، الرجل العملي، هو المتصوف، الذي يبحث عن إجابات في عوالم غير مرئية. وأصبحت آنيا، القاتلة، هي المحققة، التي تبحث عن أدلة مادية في العالم الحقيقي. لقد تبادلا الأدوار، مدفوعين بضغوط الحصار الذي لا يطاق.
أدت بهما مساراتهما المختلفة إلى مزيد من الصراع. “بينما أنت تتأمل هنا، الناس يموتون!” قالت له في إحدى المرات، بعد عودتها من دورية ليلية محبطة. “نحن بحاجة إلى إجابات الآن، وليس إلى فلسفة!”.
“والإجابات التي تبحثين عنها لن توقف هذا!” رد هاروما، وهو يشير إلى الأجساد الفارغة. “يمكنك قتل كل أتباع أبناء الرماد في هذه المدينة، لكن هذا لن يعيد هذه الأرواح. هذا وباء من اليأس، يا آنيا. والطريقة الوحيدة لمحاربته هي بإعادة الأمل. يجب أن نجد طريقة لكسر الحصار. يجب أن نظهر للناس أن هناك ضوءاً في نهاية هذا النفق”.
“الأمل! الأمل!” سخرت آنيا. “لقد سئمت من هذه الكلمة! الأمل لن يكسر جيش كايتو. الفولاذ هو ما سيفعل ذلك!”.
غادرت الغرفة غاضبة، تاركة هاروما وحيداً مع شكوكه. هل كانت على حق؟ هل كان يتمسك بمبادئ عالم لم يعد موجوداً؟ نظر إلى وجه أحد “الفارغين”، وهو وجه شاب كان يوماً ما مليئاً بالحياة. شعر بموجة من اليأس تهدد بإغراقه هو نفسه.
في تلك الليلة، قرر هاروما القيام بشيء يائس. إذا لم يتمكن من الوصول إلى الأرواح المفقودة، فربما يمكنه تتبع المكان الذي ذهبت إليه. جلس في وسط المستوصف، وأغلق عينيه، وبدأ في التأمل بعمق أكبر من أي وقت مضى. لكن هذه المرة، لم يكن يحاول حماية شعلته الداخلية. كان يفعل العكس تماماً.
بدأ في إضعاف درعه الروحي عمداً. سمح لليأس والحزن والخوف الذي يملأ هواء الغرفة بالتسلل إلى روحه. لقد جعل نفسه ضعيفاً، وجعل روحه هشة. لقد حول نفسه إلى طعم.
كانت هذه أخطر لعبة لعبها على الإطلاق. إذا فقد السيطرة للحظة واحدة، فقد ينتهي به الأمر مثل الآخرين، قشرة فارغة. لكنه كان يثق في تدريبه، وفي قوة الإرادة التي صقلها.
شعر بالبرودة تتسلل إليه، وهي نفس البرودة التي وصفها جارو. شعر بجاذبية خفية، وكأن خيطاً غير مرئي قد التصق بروحه وبدأ في سحبها بلطف. قاوم الرغبة في محاربتها. بدلاً من ذلك، استرخى، وسمح للتيار بأن يأخذه.
بدأ وعيه ينجرف بعيداً عن جسده. رأى المستوصف من الأعلى، ثم رأى أسطح منازل السوق، ثم رأى المدينة بأكملها، محاطة بنيران معسكرات جيش كايتو. ثم بدأ يرتفع أعلى وأعلى.
رأى خيوطاً أخرى من الضوء الباهت ترتفع من المدينة، ومن القرى المحيطة. كانت هذه هي الأرواح التي يتم حصادها. كانت جميعها تنجرف نحو نقطة واحدة في السماء المظلمة. نقطة لم تكن نجماً، بل كانت صدعاً في نسيج الواقع، جرحاً أسود ينبض بضوء أرجواني مريض.
ركز هاروما وعيه على هذا الصدع. شعر بقوة هائلة تنبعث منه، قوة قديمة وجائعة. وشعر بوجود آخر، وعي بارد ومسيطر ينسق هذا الحصاد. كايتو.
لم يكن كايتو يسرق الأرواح لتدميرها. كان يجمعها، ويستخدمها كوقود لشيء ما. كان هذا الصدع في السماء هو آلته، وكان أبناء الرماد هم حصادوه.
فجأة، شعر بوجود آخر يلاحظه. شعر بـ “نظرة” كايتو العقلية تلتفت نحوه. شعر بموجة من المفاجأة، تليها موجة من الفضول الشرير. “إذن، لقد تعلمت خدعة جديدة أيها الفأر الصغير”، همس صوت كايتو مباشرة في عقله. “لقد أتيت إلى عريني. دعني أريك ما أفعله بالأرواح التي أجمعها”.
شعر هاروما بقوة هائلة تمسك بروحه وتسحبها نحو الصدع. قاوم بكل ما أوتي من قوة، وأعاد بناء درعه الروحي، وقطع الاتصال. عاد وعيه إلى جسده بعنف، وسقط على الأرض وهو يلهث، ويتصبب عرقاً بارداً.
لقد رأى الحقيقة. لقد رأى آلة كايتو لحصاد الأرواح. لكنه رأى أيضاً شيئاً آخر. لقد رأى أن الأرواح لم يتم تدميرها. لقد تم تخزينها، وسجنها. وهذا يعني… أنه يمكن إنقاذها.
في تلك اللحظة، وجد هاروما الأمل الذي كان يبحث عنه. لم يكن أملاً غامضاً في مستقبل أفضل. كان هدفاً ملموساً، ومهمة واضحة. لم يعد عليه فقط كسر الحصار. كان عليه أن يدمر آلة حصاد الأرواح، ويحرر الأرواح المسجونة. لقد وجد أخيراً طريقة لمحاربة اليأس. لم تكن بالسيف، ولم تكن بالكلمات، بل كانت بمهمة إنقاذ مستحيلة.