كانت قرية إينابا مسرحاً تم إعداده بعناية. كانت المنازل الريفية البسيطة تبدو وكأنها ديكور، وكان القرويون أنفسهم مجرد ممثلين في دراما كايتو المروعة. عندما دخل هاروما القرية، شعر على الفور بالجو الخانق. لم يكن هناك جنود في الشوارع، لكنه شعر بآلاف العيون تراقبه من الظل. كان الهواء مشبعاً بالخوف، وهو خوف منظم ومصطنع.
تم تجميع القرويين في الساحة المركزية، أمام المعبد القديم. كانوا يقفون في صمت، ووجوههم خالية من أي تعبير. لم يكونوا “فارغين” مثل أولئك الموجودين في المستوصف، لكنهم كانوا قريبين من ذلك. كانت أرواحهم قد أُضعفت باليأس، وأصبحت هشة وجاهزة للحصاد. كان بإمكان هاروما أن يشعر بضعفهم، مثل لهيب شموع يرتجف في مهب الريح.
كان كايتو ينتظره عند مدخل المعبد. لم يكن يرتدي درعه الأسود، بل كان يرتدي رداءً أبيض بسيطاً، مما جعله يبدو وكأنه كاهن أو قديس. كانت هذه هي الخطوة الأولى في مسرحيته النفسية: تقديم نفسه كمنقذ، وليس كطاغية. كانت سيرا تقف في ظله، وشعرها الفضي يبرز على خلفية المعبد المظلمة. كانت هي التهديد الصامت، التذكير بالقوة الحقيقية التي تكمن وراء هذه الواجهة الهادئة.
“أهلاً بك يا هاروما كيتاجيما”، قال كايتو، وصوته كان سلساً كالحرير. “يسعدني أنك قبلت دعوتي. كما ترى، هؤلاء الناس بحاجة إلى مساعدتك. لقد فقدوا الأمل. هل يمكنك إعادته إليهم؟”
كانت هذه هي اللحظة التي كان هاروما يستعد لها. كان يعلم أن كايتو يتوقع منه أن يبدأ في إلقاء الخطب، أو محاولة استخدام قوته الروحية لـ “شفاء” القرويين بشكل جماعي. كان هذا هو الفخ. كان كايتو يريد منه أن يستنفد طاقته في محاولة يائسة، ليصبح ضعيفاً وعرضة للهجوم.
لكن هاروما لم يفعل ما هو متوقع. بدلاً من مواجهة كايتو، أو حتى النظر إليه، سار مباشرة إلى حشد القرويين. تجاهل الجنرال تماماً، وكأنه غير موجود. كانت هذه هي الخطوة الأولى في خطته المضادة: تجاهل سيد العرائس، والتركيز على العرائس أنفسهم.
توقف أمام امرأة عجوز كانت تحدق في الفراغ، وعيناها غائمتان. لم يقل شيئاً. لقد وقف هناك ببساطة، وسمح لدرعه الروحي بالانفتاح قليلاً، ليس لإطلاق القوة، بل للسماح لها بالشعور بوجوده. لم يكن يحاول فرض إرادته عليها، بل كان يقدم لها مرساة هادئة في بحر اليأس الذي كانت تغرق فيه.
ثم بدأ في التحدث، ليس إلى الحشد، بل إليها مباشرة. “أتذكر رائحة الخبز الطازج في الصباح؟” سأل بهدوء. “أتذكر دفء الشمس على وجهك بعد شتاء طويل؟ أتذكر صوت ضحك أطفالك؟”
كانت أسئلة بسيطة، لكنها كانت مصممة لاختراق ضباب اليأس والوصول إلى الذكريات، إلى المشاعر، إلى الأشياء الصغيرة التي تشكل جوهر الحياة. لم يكن يبيعهم أملاً كبيراً في المستقبل، بل كان يذكرهم بالجمال الصغير في ماضيهم.
شعر هاروما بـ “نظرة” كايتو العقلية عليه، وهي نظرة مرتبكة وغاضبة قليلاً. لم تكن هذه هي الطريقة التي كان من المفترض أن تسير بها الأمور. كان هاروما يرفض لعب دوره في المسرحية.
ببطء، حدث شيء ما. رفعت المرأة العجوز عينيها ونظرت إلى هاروما. ولأول مرة، كان هناك بصيص من الوعي في نظرتها. وميض خافت من الذاكرة. “الخبز…” همست، وصوتها كان جافاً كأوراق الشجر.
كان هذا كل ما يحتاجه هاروما. لقد وجد شرارة. انتقل إلى الشخص التالي، وهو مزارع شاب وقوي البنية، كانت يداه معلقتين على جانبيه بلا حياة. “هذه الأيدي”، قال هاروما، وهو يلمس يدي الرجل برفق. “هذه الأيدي تعرف كيف تشعر بالأرض. تعرف كيف تزرع البذور، وتجعل الحياة تنمو من لا شيء. هذه ليست أيدي ضحية. هذه أيدي خالق”.
كان هاروما يفعل شيئاً لم يتوقعه كايتو أبداً. لم يكن يقاتل اليأس بالقوة، بل كان يتجاوزه. كان يتحدث مباشرة إلى أرواح الناس، ويذكرهم بمن كانوا، وليس بما أصبحوا عليه. كان يعيد إليهم هويتهم، قطعة قطعة.
شعر كايتو بالسيطرة وهي تفلت من بين أصابعه. كان القرويون لا يزالون خائفين، لكنهم لم يعودوا أصدافاً فارغة. بدأوا في النظر حولهم، في النظر إلى بعضهم البعض، وفي النظر إلى هاروما. بدأوا في تذكر أنهم كانوا مجتمعاً، وليس مجرد مجموعة من الضحايا.
“كفى!” قال كايتو أخيراً، وقد نفد صبره. “ألعابك الكلامية لن تنقذهم. أرني قوتك الحقيقية!”
في تلك اللحظة، ارتكب كايتو خطأه الأول. لقد سمح لغروره بالظهور. لقد كشف عن أنه كان يرى هذا كله على أنه استعراض للقوة، وليس اختباراً حقيقياً للرحمة.
ابتسم هاروما. “قوتي الحقيقية ليست في ما يمكنني فعله، بل في ما يمكنهم فعله هم”.
ثم التفت إلى الحشد. “لقد أخذ منكم الكثير. لقد أخذ منكم منازلكم، وحريتكم، وأملكم. لكن هناك شيء واحد لا يستطيع أن يأخذه منكم، إلا إذا سمحتم له بذلك: أرواحكم. إنها ملككم. قاتلوا من أجلها”.
ثم فعل شيئاً لم يتوقعه أحد. أطلق العنان لشفرة روحه، ليس كسلاح، بل كمنارة. لم يهاجم كايتو، ولم يشفِ القرويين. لقد أطلق موجة نقية من الإرادة، موجة من الطاقة الروحية غير المشكلة، في الساحة بأكملها. كانت هذه هي الإشارة.
على بعد ميل واحد، شعر جارو وريو بالانفجار الروحي. “الآن!” صرخ جارو. اندفعت قواتهم من مخابئها في التلال، وهاجمت محيط القرية.
في الوقت نفسه، خرجت آنيا وفرقتها من الظل داخل القرية. لم يهاجموا الجنود، بل هاجموا البنية التحتية لسيطرة كايتو. قطعوا الحبال التي تدعم أبراج المراقبة، وأشعلوا النيران في مستودعات الأسلحة، وخلقوا الفوضى والارتباك.
فوجئ كايتو تماماً. لقد ركز كل انتباهه على هاروما، لدرجة أنه لم يلاحظ الأشباح التي كانت تتسلل إلى مسرحه. لقد وقع في نفس الفخ الذي نصبه لهاروما: لقد قلل من شأن عدوه.
في خضم الفوضى، أمسك هاروما بذراع المرأة العجوز. “اهربوا!” صرخ في القرويين. “اتبعوا النهر! هناك أصدقاء ينتظرونكم!”.
للحظة، تجمد القرويون، عالقين بين خوفهم من كايتو وأملهم الجديد. ثم، اتخذ المزارع الشاب قراره. أمسك بيد زوجته، وبدأ في الركض. تبعته عائلة أخرى، ثم أخرى. في غضون ثوانٍ، تحول الحشد الصامت إلى سيل من الناس يركضون من أجل حياتهم.
وقف كايتو مذهولاً وهو يرى مسرحيته تنهار من حوله. “سيرا!” صرخ. “أوقفيهم! احصدي أرواحهم جميعاً!”.
تحركت سيرا، وكانت سرعتها غير طبيعية. كانت على وشك إطلاق العنان لقوتها المروعة على القرويين الفارين، عندما ظهر شخص ما أمامها. كان هاروما.
“لن أسمح لك”، قال بهدوء.
ضحكت سيرا، وهي ضحكة باردة وخالية من المرح. “أنت؟ أنت ستوقفني؟ أنت لم ترَ قوتي الحقيقية بعد”.
“ولا أنت رأيت قوتي”، قال هاروما. ثم فعل شيئاً لم تكن تتوقعه. بدلاً من مهاجمتها، أدار ظهره لها، وواجه كايتو مباشرة.
كانت هذه هي المقامرة النهائية. لقد ترك نفسه مكشوفاً تماماً لأكثر قتلة كايتو فتكاً، وراهن بكل شيء على أن غرور كايتو لن يسمح لأي شخص آخر بقتل عدوه اللدود.
نجحت المقامرة. “توقفي يا سيرا!” أمر كايتو، وعيناه تشتعلان بغضب بارد. “هذا لي”.
سار كايتو نحو هاروما، ودرعه الأبيض يتوهج بقوة قمعية. “لقد أفسدت مسرحيتي أيها الصبي. والآن، ستدفع الثمن”.
“المسرحية انتهت يا كايتو”، قال هاروما، وشفرة روحه تتشكل في يده، وهي تتوهج بضوء أزرق ثابت. “الآن، لم يتبق سوى أنت وأنا”.
وقفا في مواجهة بعضهما البعض في ساحة القرية المشتعلة، بينما كانت الحرب تدور من حولهما. لم تكن هذه مجرد معركة بين رجلين. كانت صراعاً بين فلسفتين. قوة السيطرة مقابل قوة الإرادة. الإله المزيف مقابل البطل المتردد. وكانت السماء تنتظر الفائز.