أصبح تحذير لوكا المشؤوم حقيقة واقعة بعد يومين. في الصباح الباكر، وصل رسول إلى بوابات السوق. لم يكن جندياً، بل كان طفلاً صغيراً، لا يتجاوز عمره عشر سنوات، يرتدي ملابس رثة ويحمل راية بيضاء. كان وجهه شاحباً ومذعوراً، لكنه تلا رسالته بوضوح ميكانيكي، وكأنه يحفظها عن ظهر قلب.

“رسالة من الجنرال العظيم كايتو إلى قائد المتمردين هاروما كيتاجيما”، قال الطفل بصوت عالٍ ومرتعش. “لقد أظهرت شجاعة غير متوقعة. لكن شجاعتك جلبت الموت والمعاناة لشعبك. أنا، في رحمتي، أقدم لك فرصة لإنهاء هذا الحصار. لقد استولت قواتي على قرية قريبة، قرية إينابا. سكانها الآن تحت حمايتي. ومع ذلك، فإن أرواحهم هشة، وقد بدأت تتلاشى تحت وطأة اليأس”.

توقف الطفل للحظة، وأخذ نفساً عميقاً. “الجنرال كايتو يعرض عليك صفقة. تعال بمفردك إلى معبد القرية عند الظهيرة غداً. لا أسلحة، لا حراس. تعال فقط بقوتك الروحية التي تتباهى بها. إذا تمكنت من “شفاء” أرواح القرويين، وإعادة الأمل إليهم، فسأعتبر ذلك دليلاً على أن قضيتك عادلة، وسأرفع الحصار. إذا فشلت، أو إذا حاولت خداعي، فسيتم حصاد أرواح كل رجل وامرأة وطفل في إينابا، وستضاف أرواحهم إلى مجموعتي. لديك حتى ظهر الغد لتقرر”.

بعد أن أنهى رسالته، استدار الطفل وركض عائداً نحو خطوط كايتو، تاركاً وراءه صمتاً مذهولاً.

كان الفخ واضحاً وضوح الشمس. كان كايتو يستخدم نفس التكتيك الذي استخدمه هاروما مع بورغو: تحويل نقطة قوة الخصم إلى نقطة ضعف. كان يستخدم تعاطف هاروما ورغبته في إنقاذ الأرواح كطعم لإخراجه من حصنه.

“لا يمكنك الذهاب!” قالت آنيا على الفور، عندما اجتمع مجلس الحرب. “إنه فخ واضح. سيقتلك في اللحظة التي تطأ فيها قدمك خارج هذه المدينة”.

“إنها ليست مجرد فخ، إنها ابتزاز”، أضاف جارو، وقبضته تضغط على مقبض سيفه. “إنه يستخدم أرواح الأبرياء كرهائن. هذا الرجل ليس له شرف”.

“أنا أعلم أنه فخ”، قال هاروما بهدوء. كان يحدق في الخريطة، في النقطة الصغيرة التي تمثل قرية إينابا. “لكن ما هو الخيار الآخر؟ إذا لم أذهب، سيموت هؤلاء الناس. سيتم حصاد أرواحهم، وستصبح آلته أقوى. وسيعرف شعبنا أنني تركت الأبرياء يموتون لإنقاذ نفسي. كيف يمكننا أن نطلب منهم الاستمرار في القتال بعد ذلك؟”

“إذن، ماذا نفعل؟” سأل ريو، وصوته يعكس الارتباك الذي يشعر به الجميع. “إذا ذهبت، تموت. إذا بقيت، يموتون هم. لا يوجد مخرج”.

“هناك دائماً مخرج”، قال هاروما، ورفع عينيه من الخريطة. كان هناك تصميم جديد في نظرته، تصميم بارد ومحسوب. “كايتو يعتقد أنه يعرفني. يعتقد أنني مثالي ساذج سيسير مباشرة إلى فخه. حسناً، سنستخدم هذا الاعتقاد الخاطئ ضده. سأذهب إلى المعبد. سألعب لعبته. لكنني لن أذهب وحدي”.

كانت هذه هي الخيانة الأخيرة، والتحول الأخير في هذا الجزء من رحلته. لم تكن خيانة لصديق أو عدو، بل كانت خيانة لجزء من نفسه. لقد أدرك هاروما أن البقاء على قيد الحياة في هذا العالم، وهزيمة وحش مثل كايتو، يتطلب منه أن يصبح شيئاً آخر. لم يعد بإمكانه أن يكون مجرد بطل. كان عليه أن يصبح استراتيجياً، ومخادعاً، وحتى قاسياً عند الضرورة. كان عليه أن يخون مثاليته من أجل إنقاذها.

“آنيا”، قال هاروما، “أريدك أن تأخذي أفضل قتلة لديك، فرقة الأشباح، وتتسللي إلى قرية إينابا الليلة. لا تهاجموا. لا تكشفوا عن وجودكم. أريدكم أن تكونوا عيوني وآذاني. أريدكم أن تعرفوا موقع كل جندي، وكل فخ، وكل طريق للهروب. أريدكم أن تكونوا الظل الذي يراقب كايتو”.

“جارو”، تابع، “أنت وريو ستقودان قوة هجومية رئيسية. ستتمركزون على بعد ميل واحد من القرية، مختبئين في التلال. في اللحظة التي أعطي فيها الإشارة، أريدكم أن تهاجموا بكل ما لديكم. لا تهدفوا إلى احتلال القرية، بل إلى خلق الفوضى، وتوفير غطاء لي وللقرويين للهروب”.

“وما هي الإشارة؟” سأل جارو.

ابتسم هاروما ابتسامة باهتة. “عندما ترون السماء تنفجر”.

ثم التفت إلى لوكا، الذي كان قد تم إحضاره إلى الاجتماع. “لوكا، لقد قلت إنك تعرف كايتو. أريدك أن تخبرني بكل شيء. نقاط ضعفه، غروره، عاداته. كيف يمكنني إيذائه ليس جسدياً، بل روحياً؟ كيف يمكنني زعزعة استقراره؟”

لأول مرة، رأى هاروما بصيصاً من الاحترام في عيني لوكا. “إنه يرى نفسه إلهاً. إنه يعتقد أن الأرواح مجرد قطع على رقعة الشطرنج الخاصة به. إنه لا يتوقع أبداً أن تقاوم القطع. إذا تمكنت من قلب إحدى قطعه ضده، إذا تمكنت من استخدام قوته ضده، فسوف يصاب بالصدمة. غروره هو أكبر نقطة ضعف لديه”.

قضى هاروما بقية اليوم في التحضير. لم يكن يتدرب على القتال، بل كان يتأمل، ويصقل سيطرته على شفرة روحه. لم يكن يستعد لمعركة جسدية، بل لمواجهة إرادات. كان يعلم أنه لا يستطيع هزيمة كايتو بالقوة. كان عليه أن يتفوق عليه دهاءً.

عندما غادرت آنيا وفرقتها في تلك الليلة، كان هناك تفاهم جديد بينها وبين هاروما. لم تعد تراه مثالياً ساذجاً. لقد رأته قائداً مستعداً لاتخاذ قرارات صعبة، ومخاطرة محسوبة. ولقد وثق بها لتكون سيفه في الظلام.

في صباح اليوم التالي، سار هاروما بمفرده خارج بوابات السوق. كان أعزل، ويرتدي ملابس بسيطة. سار عبر المنطقة الحرام، تحت أنظار الآلاف من جنود كايتو. لم يظهر أي خوف. كان وجهه هادئاً، وعيناه مركزتان.

كان يسير نحو فخ، وكان يعلم ذلك. لكنه لم يكن الضحية. لقد كان الطعم. لقد كان جزءاً من فخ أكبر بكثير، فخ من صنعه هو. لقد تحولت الحرب من صراع من أجل البقاء إلى لعبة خداع معقدة. وكان هاروما، الشاب الذي جاء من عالم آخر، على وشك أن يلعب أخطر دور في حياته، ليس كبطل، بل كخائن لمبادئه القديمة، من أجل مستقبل أفضل. لقد انتهى فصل الخيانة والتحولات، وبدأ فصل المواجهة النهائية.

2026/02/08 · 8 مشاهدة · 839 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026