كانت الأيام التي تلت النصر على كايتو غريبة وهادئة بشكل مقلق. لقد اعتاد هاروما ورفاقه على إيقاع الحرب المستمر: التوتر قبل المعركة، الأدرينالين أثناء القتال، الراحة المنهكة بعد ذلك. أما السلام، فقد كان له إيقاع مختلف تماماً، إيقاع بطيء ومحبط ومليء بالتحديات غير المتوقعة.
كان التحدي الأول هو الجوع. لقد دمرت سنوات من الحرب الأراضي الزراعية، وأدت سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها كايتو في الأشهر الأخيرة إلى تفاقم المشكلة. كانت مخازن الحبوب في العاصمة فارغة تقريباً، وبدأ شبح المجاعة يلوح في الأفق.
لمواجهة هذه الأزمة وغيرها من الأزمات التي لا تعد ولا تحصى، أنشأ هاروما “مجلس إعادة الإعمار”. لم يكن مجلساً للحرب، بل كان مجلساً للبناء. ضم المجلس حلفاءه المقربين - ريو، الذي تولى مسؤولية الخدمات اللوجستية وتوزيع الموارد الشحيحة؛ وجارو، الذي كان مسؤولاً عن الأمن وتدريب قوة حفظ سلام جديدة منضبطة؛ وآنيا، التي أصبحت وزيرة خارجيته غير الرسمية، مستخدمة شبكتها الاستخباراتية للتفاوض مع الفصائل المختلفة.
والأهم من ذلك، أن المجلس ضم أيضاً ممثلين عن المجموعات التي كانت في السابق على طرفي نقيض: قادة المتمردين من مختلف المناطق، وممثلين عن جنود الكايبا السابقين الذين اختاروا الانضمام إلى قضيتهم، وحتى بعض البيروقراطيين من نظام كايتو القديم الذين أثبتوا كفاءتهم وولاءهم للنظام الجديد.
كانت الاجتماعات الأولى للمجلس صاخبة وفوضوية. كانت سنوات من عدم الثقة والكراهية تطفو على السطح. اتهم المتمردون جنود الكايبا السابقين بالجرائم، واتهم الجنود المتمردين بالانتهازية. كان الجميع يطالبون بحصة أكبر من الموارد الشحيحة لمناطقهم.
في خضم هذه الفوضى، ظهر عدو جديد، عدو أكثر غدراً من أي جيش واجهه هاروما: الجشع والخوف. بدأ أمراء الحرب المحليون، الذين كانوا قد انحنوا أمام قوة كايتو، في تأكيد سلطتهم مرة أخرى. لقد رأوا في فراغ السلطة فرصة لتوسيع أراضيهم وملء خزائنهم. بدأوا في مصادرة قوافل الطعام التي أرسلها ريو، وتخزين الحبوب في مستودعاتهم الخاصة، وترك الناس في المناطق المجاورة يتضورون جوعاً.
“يجب أن نسحقهم!” هدر جارو في أحد اجتماعات المجلس. “أرسلني مع ألف رجل، وسأجعلهم يندمون على اليوم الذي ولدوا فيه”.
“إذا فعلنا ذلك، فسنبدأ حرباً أهلية جديدة”، اعترض ريو. “ليس لدينا الرجال أو الموارد اللازمة لخوض حرب أخرى. يجب أن نتفاوض”.
“التفاوض مع هؤلاء الجرذان؟” سخر جارو. “إنهم لا يفهمون سوى لغة القوة”.
استمع هاروما إلى النقاش، وشعر بثقل المسؤولية على كتفيه. كان يعلم أن جارو كان على حق جزئياً. كان هؤلاء الرجال يفهمون القوة. لكنه كان يعلم أيضاً أن ريو كان على حق. حرب أخرى ستدمر ما تبقى من القارة.
كان عليه أن يجد طريقة ثالثة. طريقة لا تعتمد على القوة الغاشمة، ولكن أيضاً لا تستسلم للابتزاز.
“سأذهب بنفسي”، قال هاروما أخيراً، مما أدى إلى صمت في الغرفة. “سأذهب للتحدث معهم”.
“بمفردك؟” قالت آنيا، والقلق واضح في صوتها. “سيقتلونك”.
“لن أذهب كمحارب”، أوضح هاروما. “ولن أذهب كقائد جيش. سأذهب كرجل جاء ليطلب المساعدة”.
كانت خطة تبدو ساذجة، لكنها كانت تستند إلى فهم عميق لما تعلمه هاروما عن هذا العالم وعن طبيعة القوة. لقد هزم كايتو ليس بتجاوزه في القوة، بل بتجاوزه في الإرادة. ربما يمكن استخدام نفس المبدأ لهزيمة الجوع والجشع.
كان هدفه الأول هو لورد يدعى أوشيما، وهو رجل قاسٍ كان يسيطر على إحدى أكثر المناطق خصوبة في القارة، وكان الآن يخزن ما يكفي من الحبوب لإطعام العاصمة لمدة شهر.
سافر هاروما إلى قلعة أوشيما مع حارس شخصي واحد فقط: جارو، الذي أصر على المجيء، وإن كان على مضض. عندما وصلوا، استقبلهم أوشيما في قاعة عرشه، محاطاً بحراسه المسلحين تسليحاً جيداً. كان رجلاً بديناً وراضياً عن نفسه، وكان يرتدي الحرير والمجوهرات بينما كان شعبه يتضور جوعاً.
“إذن، البطل قد جاء ليتوسل”، قال أوشيما بابتسامة متعجرفة. “ماذا ستقدم لي مقابل طعامي؟ الذهب؟ الأراضي؟”
لم يرد هاروما على السخرية. نظر مباشرة إلى عيني أوشيما، وفتح درعه الروحي، ليس لإطلاق العنان للقوة، بل لمشاركة شعور. لم يحاول السيطرة على عقل أوشيما أو إجباره على فعل أي شيء. بدلاً من ذلك، أرسل إليه صورة ذهنية بسيطة: صورة امرأة عجوز في أحد أحياء العاصمة الفقيرة، وهي تحتضن حفيدها الباكي، وليس لديها ما تقدمه له سوى دموعها.
لم تكن مجرد صورة. لقد أرسل هاروما أيضاً الشعور الذي صاحبها: اليأس الجارف، والجوع المؤلم، والحب اليائس لتلك الجدة. لقد جعل أوشيما يشعر بما يشعر به ضحاياه.
تغير وجه أوشيما. اختفت الابتسامة المتعجرفة. اتسعت عيناه، وظهر العرق على جبهته. لقد رأى الحرب، ورأى الموت، لكنه لم “يشعر” بهما بهذه الطريقة من قبل. لقد كان دائماً محمياً بجدران قلعته وثروته.
“ما… ما هذا؟” تلعثم، وهو يتراجع خطوة إلى الوراء.
“هذا هو ثمن خبزك”، قال هاروما بهدوء. “هذه هي المعاناة التي تشتري بها حريرك. أنا لا أطلب منك أن تكون قديساً يا لورد أوشيما. أنا أطلب منك فقط أن تكون إنساناً”.
لم يقل هاروما أي شيء آخر. استدار هو وجارو وغادرا القلعة، تاركين أوشيما وحده مع الأشباح التي أطلقها هاروما في روحه.
لمدة يومين، لم يحدث شيء. بدأ جارو يفقد صبره. “قلت لك إنه لن ينجح. يجب أن نعود بالجيش”.
“انتظر”، قال هاروما. “لقد زرعنا بذرة. علينا أن نمنحها وقتاً لتنمو”.
في صباح اليوم الثالث، وصلت قافلة ضخمة إلى أبواب العاصمة. كانت محملة بالحبوب من أراضي اللورد أوشيما. لم تكن هناك رسالة، ولم يكن هناك طلب للمقابل. لقد كان مجرد طعام.
كانت تلك هي الشرارة التي أشعلت النار. عندما سمع أمراء الحرب الآخرون بما فعله أوشيما، شعروا بالضغط. بعضهم فعل ذلك خوفاً من أن يبدو ضعيفاً أو جشعاً، والبعض الآخر ربما تأثر حقاً بمثال أوشيما. أياً كان السبب، بدأت قوافل الطعام تتدفق إلى العاصمة من جميع أنحاء القارة.
لم يتم حل أزمة الجوع بالكامل، لكن تم تجنب الكارثة. والأهم من ذلك، أن هاروما أثبت أن هناك طريقة أخرى للحكم، طريقة لا تعتمد على السيف، بل على التعاطف.
ومع ذلك، بينما كان هاروما يحتفل بهذا النصر الهادئ، كانت آنيا تتلقى تقريراً مقلقاً من أحد جواسيسها في المناطق الشمالية البرية.
“لقد رأيناها مرة أخرى”، همس الجاسوس عبر مرآة اتصال مشفرة. “إنها سيرا، قائدة أبناء الرماد السابقة”.
“هل هي تعيد تجميع صفوفهم؟” سألت آنيا، وشعرت بالبرد يسري في عروقها.
“لا. هذا هو الشيء الغريب. إنها وحدها. إنها لا تهاجم أي شخص. إنها فقط… تتحرك. تزور ساحات المعارك القديمة، والأماكن التي تم فيها حصاد الأرواح. يبدو الأمر وكأنها تبحث عن شيء ما”.
أنهت آنيا الاتصال، وشعرت بالقلق. لقد هزموا كايتو، لكن إرثه لا يزال حياً. كانت سيرا قطعة شطرنج خطيرة لا تزال على الرقعة، ولم يكن لأحد أن يعرف ما هي حركتها التالية. لقد زرعوا بذور السلام، لكن الظلال كانت لا تزال طويلة، وكانت هناك وحوش جديدة ووحوش قديمة كامنة فيها.