بينما كان هاروما ومجلسه يكافحون من أجل إرساء أسس السلام، كانت سيرا تسير في رحلة خاصة بها عبر الأراضي الشمالية المقفرة. لم تكن تبحث عن السلطة أو الانتقام. لقد فقدت كل شيء أعطى حياتها معنى، وكانت الآن شبحاً يطارده الماضي. قادتها غريزتها إلى أماكن الموت، إلى ساحات المعارك حيث حصدت آلاف الأرواح باسم كايتو، وإلى القرى التي تحولت إلى غبار تحت قيادتها.
لم تكن تشعر بالذنب بالمعنى التقليدي. لقد تم تدريبها منذ الطفولة على قمع المشاعر، على رؤية الأرواح كأرقام في دفتر حسابات. لكن الآن، مع رحيل كايتو وتلاشي قوته، بدأت تلك المشاعر المكبوتة في الظهور. لم تكن تشعر بالندم على أولئك الذين قتلتهم، بل كانت تشعر بفراغ هائل، بفقدان الهدف الذي كان يوجه كل أفعالها.
في إحدى القرى المدمرة، وجدت شيئاً غير متوقع. تحت كومة من الأنقاض، وجدت دمية خشبية صغيرة، متفحمة ولكنها لا تزال سليمة. التقطتها، وشعرت بشيء غريب، شيء لم تشعر به منذ أن كانت طفلة صغيرة، قبل أن يأخذها كايتو. شعرت بصدى لذكرى، بصورة باهتة لطفلة تلعب تحت شجرة كرز، قبل أن يتحول عالمها إلى رماد.
كانت هذه هي روحها، أو ما تبقى منها. كانت قد دفنتها بعمق لدرجة أنها نسيت وجودها. الآن، كانت تلك الروح المدفونة تهمس لها، وتدعوها للعودة إلى حيث بدأ كل شيء.
قادتها رحلتها إلى جبال التنين الشائكة، إلى معقل أبناء الرماد، المكان الذي ولدت فيه وتدربت فيه. كان المكان مهجوراً الآن، حيث فر معظم الأعضاء بعد سقوط كايتو. لكن سيرا لم تكن تبحث عنهم. كانت تبحث عن شيء آخر.
في أعماق المعبد، في الغرف الخاصة التي كانت مخصصة لكايتو فقط، وجدت مكتبه. كان كل شيء كما تركه، مغطى بطبقة رقيقة من الغبار. على الحائط، كانت هناك خريطة للقارة، مليئة بالعلامات والخطط الاستراتيجية. لكن ما جذب انتباهها كان صندوقاً صغيراً مقفلاً على المكتب.
كسرت القفل بسهولة. في الداخل، لم تجد أسراراً عسكرية أو كنوزاً. وجدت شيئاً أكثر إثارة للقلق بكثير: مجموعة من المخطوطات القديمة، مكتوبة بلغة لم ترها من قبل، ومجموعة من الرسائل الشخصية التي كتبها كايتو على مر السنين.
بدأت في القراءة. كانت المخطوطات تتحدث عن “الصدع”، ليس كآلة، بل ككيان. وصفته بأنه جرح في نسيج الواقع، بوابة إلى عالم من الفوضى الخالصة. وتحدثت عن “الحاصدين”، كائنات يمكنها استغلال هذا الجرح، واستخدام طاقته لتمديد حياتهم، ولكن بثمن باهظ: فقدان إنسانيتهم تدريجياً.
ثم قرأت رسائل كايتو. لم تكن رسائل جنرال، بل كانت رسائل رجل خائف. في البداية، كان كايتو باحثاً، عالماً كان مفتوناً بأسرار الروح. لقد اكتشف الصدع عن طريق الصدفة، ورأى فيه مفتاح الخلود. لكن مع مرور الوقت، تغيرت نبرة كتاباته. بدأ يتحدث عن “صوت” يهمس له من الصدع، صوت يعده بالقوة، ولكنه يطالب بالمزيد والمزيد من الأرواح في المقابل. لقد أدرك أنه لم يكن يسيطر على الصدع، بل كان الصدع يسيطر عليه. لقد أصبح عبداً لقوته الخاصة.
لكن الاكتشاف الأكثر ترويعاً جاء في النهاية. في إحدى الرسائل الأخيرة، كتب كايتو عن “الخطة النهائية”. لقد أدرك أن الصدع كان ينمو، وأنه في النهاية سيبتلع العالم بأسره. لقد رأى نفسه ليس كفاتح، بل كمنقذ. كان يعتقد أنه من خلال توحيد العالم تحت سيطرته الحديدية، ومن خلال حصاد كل الأرواح، يمكنه “إطعام” الصدع، وإشباع جوعه، وتأخير النهاية الحتمية.
“إنهم لا يفهمون”، كتب كايتو. “إنهم يرونني طاغية. لكنني الراعي الذي يذبح قطيعه لإنقاذه من الذئب الأكبر. هاروما كيتاجيما، بقوته النقية وغير الملوثة، هو الأمل الوحيد. لكنه ساذج. إنه يعتقد أنه يستطيع شفاء العالم. إنه لا يرى أن العالم مصاب بمرض عضال. يجب أن أوقفه. يجب أن أكمل عملي، قبل أن يفوت الأوان”.
أدركت سيرا الحقيقة المروعة. لم يكن كايتو مجرد وحش متعطش للسلطة. لقد كان رجلاً مجنوناً، رجلاً رأى نهاية العالم وحاول إيقافها بأكثر الطرق وحشية يمكن تخيلها. وهاروما، بهزيمته لكايتو، ربما يكون قد أزال الراعي، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام الذئب.
في تلك اللحظة، تغير شيء ما في سيرا. لم تعد تشعر بالفراغ. شعرت بشيء جديد: الخوف. ليس الخوف على نفسها، بل الخوف على العالم. لقد فهمت أخيراً ما كان على المحك. لقد فهمت أن الحرب لم تنته بسقوط كايتو. لقد بدأت للتو.
غادرت المعبد، حاملة معها المخطوطات والرسائل. كان لديها الآن هدف جديد. لم تكن تعرف ما إذا كان بإمكانها الوثوق بهاروما. لقد كان عدوها. لكنها كانت تعلم أنها لا تستطيع تجاهل هذا التهديد. كان عليها أن تحذره. كان عليها أن تجعله يفهم أن هناك عدواً أكبر بكثير من أي جيش أو أمير حرب، عدواً يتربص خلف حجاب الواقع، وينتظر وقته.
في العاصمة، كان هاروما قد حقق للتو انفراجاً دبلوماسياً كبيراً. بعد أسابيع من المفاوضات المتوترة، التي قادتها آنيا بمهارة، وافق معظم أمراء الحرب المتبقين على الانضمام إلى مجلس إعادة الإعمار. لقد وافقوا على نزع سلاح جيوشهم الخاصة، والمساهمة في قوة حفظ سلام موحدة، والعمل معاً لإعادة بناء القارة. بدا السلام أخيراً في متناول اليد.
كانوا يحتفلون بهذا النصر الهادئ في قاعة المجلس عندما دخل حارس وهو يلهث. “سيدي”، قال للحاروما. “هناك زائر عند البوابة. إنها… إنها سيرا”.
ساد صمت مذهول في الغرفة. نهض جارو على الفور، ويده على سيفه. “إنه فخ! لقد جاءت لتقتلك!”.
“دعوها تدخل”، قال هاروما بهدوء، متجاهلاً احتجاجات جارو.
دخلت سيرا إلى القاعة. كانت وحدها، وغير مسلحة. كانت ملابسها ممزقة ومغطاة بغبار السفر. لم تعد تبدو كقائدة جيش لا يرحم، بل كرسول يحمل أخباراً سيئة. سارت مباشرة إلى هاروما، وتجاهلت النظرات العدائية من حولها. توقفت أمامه، ووضعت كومة من المخطوطات القديمة على الطاولة.
“لقد هزمنا كايتو”، قالت بصوت واضح وثابت. “لكننا لم نهزم عدوه الحقيقي. وهذا العدو قادم من أجلنا جميعاً”.
كانت هذه بداية تحالف غير متوقع، وولادة تهديد جديد. لقد انتهت الحرب الأهلية، لكن حرباً أكبر بكثير كانت تلوح في الأفق، حرب من أجل بقاء العالم نفسه. وكان على الأعداء السابقين أن يتعلموا كيف يثقون ببعضهم البعض، إذا كانوا يريدون أن يكون لديهم أي أمل في مواجهة الظلام القادم.