قادتهم رحلتهم التالية إلى الساحل الغربي الشاسع، إلى منطقة تُعرف باسم “مقبرة السفن”. كانت هذه المنطقة عبارة عن متاهة من الخلجان الضحلة والشعاب المرجانية الخادعة، حيث كانت حطام السفن من مختلف العصور ترقد في صمت تحت المياه الهادئة. كانت الأساطير التي جمعتها آنيا تتحدث عن هذا المكان باعتباره “مكان ينام فيه البحر”، وهو مكان هادئ بشكل مخيف، حيث تتوقف التيارات وتصمت الأمواج.
كان الجو هنا مختلفاً تماماً عن الجبال البركانية. لم تكن هناك همهمة منخفضة من الطاقة، بل كان هناك صمت روحي عميق، صمت خانق تقريباً. كان الأمر أشبه بالوقوف في غرفة عازلة للصوت، حيث كان غياب الضوضاء يصم الآذان.
“هذا هو عكس قلب الجبل”، قال هاروما، وهو يحاول إرسال وعيه إلى المياه الهادئة. “هناك، كانت الطاقة تتدفق إلى الخارج. هنا، يبدو الأمر وكأن كل شيء يتم سحبه إلى الداخل”.
“الهدوء ليس دائماً علامة على السلام”، قالت سيرا، وعيناها تفحصان المياه الصافية بشكل مخيف. “في بعض الأحيان، يكون الهدوء هو القناع الذي يرتديه المفترس قبل أن يضرب”.
كانت على حق. بينما كانوا يبحرون في قارب صغير عبر المتاهة المائية، بدأوا يشعرون به. لم يكن وجوداً عدائياً، بل كان وجوداً سلبياً هائلاً. كان الأمر أشبه بفراغ روحي، ثقب أسود صغير يمتص كل الطاقة والحياة من حوله. كانت النباتات على الشواطئ القريبة باهتة ومحتضرة، ولم تكن هناك طيور في السماء أو أسماك في الماء.
“اللغز يقول “حيث ينام البحر””، قالت آنيا، وهي تدرس خريطة قديمة للمنطقة. “لكن هذا يبدو وكأنه يموت. ما الذي يمكن أن يسبب مثل هذا الشيء؟”
“ليس “ماذا”، بل “من””، همست سيرا. “هذا هو عمل “الحارس”. إذا كان حراس قلب الجبل كهنة كرسوا أنفسهم لقوة الحياة، فمن المنطقي أن يكون حارس هذا المكان شيئاً معاكساً تماماً”.
قادهم الشعور بالفراغ إلى خليج دائري كبير في قلب مقبرة السفن. في وسط الخليج، كانت هناك جزيرة صغيرة، لا يوجد عليها سوى هيكل عظمي ضخم لسفينة حربية قديمة، كانت أضلاعها الخشبية ترتفع نحو السماء مثل أصابع هيكل عظمي. وكان الشعور بالفراغ أقوى هنا، وكان يتركز حول تلك السفينة المحطمة.
رسوا بقاربهم على الشاطئ الرملي للجزيرة، وساروا نحو حطام السفينة. كان الصمت مطبقاً، ولم يكن هناك سوى صوت خطواتهم على الرمال. عندما اقتربوا، رأوا شخصاً يجلس على سطح السفينة المتحلل، وظهره إليهم. كان شخصية صغيرة وهزيلة، ملفوفة في عباءة ممزقة من أشرعة السفن القديمة.
“لقد تأخرتم”، قال صوت جاف وهامس، دون أن يستدير. “لقد كان ينام لفترة طويلة جداً”.
“من أنت؟” سأل هاروما، وهو يشعر بالبرد يسري في عروقه ليس بسبب الخوف، بل بسبب الفراغ الهائل الذي كان ينبعث من هذا الشخص.
استدار الشخص ببطء. لم يكن رجلاً أو امرأة. كان وجهه عبارة عن قناع أملس من الخشب الطافي، وكانت عيناه فجوتين فارغتين نظرتا من خلالهما إلى الفراغ. لم يكن لديه روح. أو بالأحرى، كانت روحه عبارة عن غياب، عن ثقب في نسيج الواقع.
“أنا الحارس. أنا الصدى الأخير. أنا الصمت الذي يأتي بعد أن تتوقف كل الأغاني”.
“نريد حجر الختم”، قالت آنيا بحدة، وسكينها في يدها.
“الحجر…” همس الحارس. “الحجر هو ما يبقيه نائماً. الحجر هو ما يمنع الصمت من أن يصبح صراخاً. هل تعتقدون أنكم جديرون بأخذه؟”
“لقد أثبتنا جدارتنا في قلب الجبل”، قال هاروما.
“الجبل يتحدث عن الحياة، عن الخلق، عن القوة. هذا المكان يتحدث عن الموت، عن الفراغ، عن النهاية. إنه اختبار مختلف تماماً. لاختبار الجبل، كان عليك أن تتحمل وجوده. لاختباري، يجب أن تتحمل غيابي”.
رفع الحارس يده، وأشار إلى هاروما. “أنت. روحك هي الأكثر إشراقاً. إنها مثل شمس في عالمي الصامت. تعال. أرني ما إذا كانت شمسك تستطيع أن تدفئ الفراغ، أم أن الفراغ سيبتلع ضوءك”.
كان الاختبار واضحاً. كان على هاروما أن يواجه هذا الكيان، ليس في معركة جسدية، بل في معركة وجودية. كان عليه أن يملأ الفراغ بروحه، دون أن يستهلكه هذا الفراغ.
سار هاروما نحو الحارس. مع كل خطوة، شعر بقوته الروحية وهي تُسحب منه، وتتدفق إلى الفراغ الذي كان هو الحارس. كان الأمر أشبه بالنزيف حتى الموت، ولكن ليس من الدم، بل من الروح.
وقف أمام الحارس، ووضع يده على قناعه الخشبي. في تلك اللحظة، لم يرَ رؤى. لم يشعر بشيء. لقد غاص في بحر من العدم المطلق. لم يكن هناك ضوء، ولا صوت، ولا فكر، ولا شعور. لقد كان مجرد… لا شيء.
في هذا الفراغ، شعر هاروما بنفسه وهي تتفكك. بدأت ذكرياته، وعواطفه، وحتى إحساسه بذاته في التلاشي، مثل الحبر في الماء. كان هذا هو الاختبار الحقيقي: هل يمكنك أن تظل “أنت”، عندما لا يكون هناك شيء آخر؟
كان على وشك أن يضيع، على وشك أن يصبح مجرد صدى آخر في صمت الحارس. لكن بعد ذلك، حدث شيء غير متوقع. في أعماق ذلك العدم، وجد شيئاً. لم يكن شيئاً منه، بل كان شيئاً تركه شخص آخر وراءه. لقد وجد صدى لروح أخرى، روح كانت قد واجهت هذا الاختبار من قبل وفشلت. لقد وجد بقايا روح لوكا.
شعر هاروما بأسف لوكا، ويأسه، ولكن الأهم من ذلك، شعر بإرادته التي لا تتزعزع في البقاء، في التمسك بهويته حتى في مواجهة الفناء. لقد ترك لوكا وراءه مرساة صغيرة، ليس لنفسه، بل لمن قد يأتي بعده.
أمسك هاروما بهذا الصدى، بهذه الشمعة الصغيرة في الظلام اللامتناهي. استخدمها لتذكر من هو. لم يكن مجرد روح مشرقة. لقد كان هاروما كيتاجيما. لقد كان صديقاً، وقائداً، ورجلاً أحب الكتب والأحلام الصغيرة. لقد كان مجموع كل تجاربه، كل أفراحه، وكل أحزانه.
لم يحاول ملء الفراغ. لقد أدرك أن هذا مستحيل. بدلاً من ذلك، قبل الفراغ. لقد فهم أنه جزء من الوجود، تماماً مثلما أن الصمت جزء من الموسيقى. لكنه رفض أن يذوب فيه. لقد أعلن وجوده، ليس كقوة معارضة، بل كحقيقة موازية.
“أنا هنا”، همس في الفراغ. ولم تكن الكلمات موجهة إلى الحارس، بل إلى نفسه.
ببطء، بدأ الفراغ في الانحسار. وجد هاروما نفسه مرة أخرى على سطح السفينة المحطمة، ويده لا تزال على قناع الحارس. كان الحارس يرتجف.
“أنت…” همس الحارس، ولأول مرة، كان هناك شيء آخر في صوته غير الفراغ. كان هناك أثر من الدهشة. “أنت لم تقاوم. لقد فهمت. لقد قبلت الصمت، ومع ذلك لم تدعه يستهلكك”.
تصدع القناع الخشبي، وكشف عن وجه تحته. لم يكن وجهاً على الإطلاق، بل كان مجرد دوامة من الظل. من وسط الدوامة، طاف حجر أزرق غامق، بحجم قبضة اليد. كان بارداً عند اللمس، وكان يمتص كل الضوء من حوله. كان هذا هو حجر الختم الثاني.
“خذه”، قال الحارس، وصوته يتلاشى. “لقد كنت حارساً لفترة طويلة جداً. لقد حان وقت نومي الحقيقي”.
مع هذه الكلمات، انهار جسد الحارس إلى غبار، وانجرف مع النسيم. ومع رحيله، بدأ العالم يعود إلى الحياة. شعر هاروما بالتيارات وهي تبدأ في التحرك مرة أخرى تحت الماء. سمع صوت طائر نورس يصرخ في السماء. لقد عاد البحر إلى الحياة.
وقف الثلاثة في صمت، وهم ينظرون إلى الحجر الأزرق الغامق في يد هاروما. لقد نجحوا مرة أخرى. لكن هذا الاختبار كان أكثر صعوبة، وأكثر خطورة. لقد نظر هاروما في وجه العدم، ونجا بالكاد.
“حجران”، قالت آنيا، وهي تكسر الصمت. “بقي واحد”.
“حيث تلمس السماء الأرض”، أكمل هاروما، وصوته لا يزال ضعيفاً. نظر إلى الأفق، حيث كانت الشمس تبدأ في الغروب، وتلون السماء باللون البرتقالي والأرجواني. كانت رحلتهم لم تنته بعد، وكان الاختبار الأصعب لا يزال في انتظارهم.