37 - حين تتحدث الارض

كانت رحلتهم الأولى صامتة ومتوترة. سافر هاروما وآنيا وسيرا شمالاً، نحو سلسلة جبال تُعرف باسم “العمود الفقري للعالم”. كانت هذه هي المنطقة التي أشارت إليها معظم الأساطير التي جمعتها آنيا على أنها “مكان تتحدث فيه الأرض”. كانت منطقة بركانية نشطة، مليئة بالينابيع الحارة والكهوف العميقة، وموطناً للقبائل المنعزلة التي كانت تعبد أرواح الجبال.

كان التحالف بين الثلاثة هشاً. كانت آنيا تراقب سيرا بعيون لا تغفل، محللة كل حركة، كل كلمة، بحثاً عن أي علامة للخيانة. أما سيرا، فكانت منعزلة، وتقدم المعلومات فقط عند الطلب، وكأنها لا تزال غير متأكدة من دورها في هذه المجموعة الغريبة. وكان هاروما هو الجسر بينهما، محاولاً بناء الثقة حيث لا يوجد سوى الشك، ومحاولاً الحفاظ على تركيزهم على المهمة التي بين أيديهم.

“اللغز يقول ‘حيث تتحدث الأرض’”، قالت آنيا في إحدى الليالي وهم يجلسون حول نار المخيم. “هذا يمكن أن يعني أي شيء. هزة أرضية، انفجار بركاني، أو حتى صدى في كهف”.

“إنه ليس صوتاً تسمعه بأذنيك”، قالت سيرا فجأة، وعيناها تحدقان في النار. “إنه شعور. اهتزاز في روحك. لقد شعرت به من قبل، بالقرب من معاقل كايتو. إنه مثل همهمة منخفضة، طاقة خام تنبعث من الأرض نفسها”.

أعطت ملاحظتها لهاروما فكرة. لقد أمضى سنوات في تعلم كيفية الشعور بالطاقة الروحية للناس. ربما يمكنه استخدام نفس المهارة للشعور بطاقة الأرض.

في اليوم التالي، بينما كانوا يسافرون عبر ممر جبلي ضيق، توقف هاروما وأغمض عينيه. تجاهل ضوضاء الريح، وأصوات الحيوانات البرية، والوجود المتوتر لرفيقيه. بدلاً من ذلك، أرسل وعيه إلى الأسفل، إلى الصخور تحت قدميه. في البداية، لم يشعر بشيء سوى البرودة والصلابة. لكنه ثابر، متذكراً تدريبه على يد لوكا، متذكراً كيف تعلم أن يجد الروح الهشة لشخص “فارغ”.

ببطء، بدأ يشعر به. همهمة منخفضة، تماماً كما وصفتها سيرا. لم تكن قوية، لكنها كانت ثابتة، مثل نبض قلب عملاق نائم. “بهذا الاتجاه”، قال، وهو يشير إلى مسار جانبي غير واضح يؤدي إلى أعلى الجبل.

قادهم المسار إلى كهف ضخم، كان مدخله مخفياً خلف شلال متجمد. كان الهواء في الداخل دافئاً ورطباً، وكانت الجدران تتوهج بضوء أخضر خافت من الفطريات الفسفورية. كانت الهمهمة أقوى هنا، وكان بإمكان هاروما أن يشعر بها الآن ليس فقط في روحه، بل في عظامه.

“هذا هو المكان”، همست سيرا، وعيناها تتفحصان الظلال بقلق. “لكنه ليس فارغاً”.

كانت على حق. بينما توغلوا أعمق في الكهف، بدأوا يرون علامات على وجود سكان. كانت هناك نقوش غريبة على الجدران، وأدوات حجرية بدائية، وبقايا نيران قديمة. ثم سمعوا صوتاً، صوت ترانيم منخفضة قادمة من أعماق الكهف.

وصلوا إلى قاعة ضخمة في قلب الجبل. في وسط القاعة، كان هناك عمود من الكريستال الأخضر، وهو مصدر الضوء والهمهمة. كان هذا هو “قلب الجبل”. وحول العمود، كانت هناك دائرة من الشخصيات الملثمة، وهم الكهنة أو الحراس لهذا المكان المقدس. كانوا يرتدون أردية مصنوعة من الصخور المنسوجة والطحالب، وكانت أقنعتهم منحوتة من نفس الكريستال الأخضر للعمود.

عندما دخل الثلاثة إلى القاعة، توقفت الترانيم. استدار الحراس الملثمون لمواجهتهم، وفي أيديهم رماح مصنوعة من حجر السج. لم يتكلموا، لكن هاروما شعر برسالتهم العقلية بوضوح: “الدخلاء. هذا المكان محظور”.

“نحن لا نريد إيذاء أحد”، قال هاروما، رافعاً يديه في إشارة للسلام. “نحن نبحث عن حجر الختم”.

عند ذكر “حجر الختم”، اهتز الحراس. انطلق همس عقلي بينهم. ثم تقدم أحدهم، وهو الأكبر سناً على ما يبدو.

“لقد انتظرنا طويلاً”، قال صوته في عقل هاروما. “لقد أخبرتنا النبوءات أن الغرباء سيأتون بحثاً عن الحجر عندما يستيقظ الجوع العظيم مرة أخرى. لكن النبوءات تقول أيضاً إنه يجب اختبارهم. يجب أن يكونوا جديرين”.

“ما هو الاختبار؟” سأل هاروما.

“يجب على أحدكم أن يلمس قلب الجبل، وأن ينجو من حديثه. لقد حاول الكثيرون على مر العصور. لقد استمعوا إلى قوة الأرض الخام، وجُنوا بسببها. إذا كانت روحك نقية وقوية بما يكفي لتحمل الحقيقة، فسيتم منحك الحجر. إذا لم تكن كذلك، فسوف تستهلكك الأرض”.

نظر هاروما إلى آنيا وسيرا. كانت آنيا مقاتلة وجاسوسة، لكنها لم تكن لديها تدريب روحي. كانت سيرا قوية روحياً، لكن روحها كانت ملطخة بسنوات من خدمة الصدع. كان من المحتمل أن يؤدي لمسها للقلب إلى تدميرها أو إعادتها إلى الظلام. كان هو الوحيد الذي لديه فرصة.

“سأفعل ذلك”، قال هاروما.

سار نحو العمود الكريستالي. كانت الطاقة المنبعثة منه هائلة، وشعر وكأنه يسير في مهب عاصفة روحية. وضع يده على سطحه البارد والأملس.

في لحظة، غمرته الرؤى. لم تكن رؤى للمستقبل أو الماضي، بل كانت رؤى للأرض نفسها. رأى تكوين الجبال، وتدفق الأنهار، والنمو البطيء للغابات. شعر بالضغط الهائل في قلب الكوكب، والغضب الناري للبراكين، والصبر اللامتناهي للصخور. لقد شعر بآلاف السنين من الحياة والموت، والنمو والاضمحلال. لقد “تحدثت” الأرض إليه، ليس بالكلمات، بل بالأحاسيس الخام.

كان الأمر ساحقاً. شعر بنفسه الصغيرة والتافهة وهي تتلاشى في هذه العظمة الجيولوجية. شعر بإغراء التخلي عن كل شيء، والاندماج مع هذه القوة الأبدية. لكن بعد ذلك، تذكر لماذا كان هناك. تذكر وجه المرأة العجوز في إينابا، وتصميم جارو، وذكاء ريو، والولاء الهادئ لآنيا. تذكر عالمه الخاص، وأحلامه الصغيرة التي كانت تبدو الآن ثمينة للغاية.

تمسك بهذه الذكريات، وبهذه الروابط. استخدمها كمرساة في محيط القوة هذا. لم يحاول محاربة الأرض، أو السيطرة عليها. لقد استمع إليها ببساطة، واحترم قوتها، لكنه تمسك بإنسانيته.

ببطء، تلاشت الرؤى. وجد نفسه مرة أخرى في الكهف، ويده لا تزال على الكريستال. كان يرتجف، والعرق يتصبب منه، لكنه كان سليماً. كان لا يزال هاروما.

انحنى الحراس الملثمون في انسجام تام. “أنت جدير”، قال صوت الكاهن الأكبر في عقله.

توهج الكريستال بشكل أكثر إشراقاً، ثم انقسم جزء صغير منه، بحجم قبضة اليد، وطاف في الهواء نحو هاروما. كان يتوهج بنفس الضوء الأخضر، وكان ينبض بنفس الهمهمة المنخفضة. لقد حصلوا على حجر الختم الأول.

عندما غادروا الكهف، حاملين معهم الحجر الثمين، شعروا بتفاؤل حذر. لقد نجحوا في الاختبار الأول. لكنهم كانوا يعلمون أن هذا كان مجرد البداية. كان لا يزال هناك حجران آخران يجب العثور عليهما، وكانت الألغاز التي تقود إليهما أكثر غموضاً. وكانت الساعة تدق، والصدع ينتظر.

2026/02/08 · 12 مشاهدة · 920 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026