36 - خريطة من الرماد

كانت الجلسة الأولى لمجلس الظل متوترة ومقتضبة. كانت الثقة سلعة نادرة، وكانت العداوات القديمة كامنة تحت سطح التحالف الهش. كان جارو يجلس متصلباً، ويده لا تبتعد أبداً عن سيفه، وعيناه تراقب كل حركة تقوم بها سيرا. أما سيرا، فكانت هادئة بشكل مخيف، ووجهها قناع لا يمكن قراءته، لكن هاروما شعر بالتوتر المكبوت في روحها. كانت مثل ذئب محاصر، خطير ومستعد للهجوم في أي لحظة.

بدأ ريو، بأسلوبه العملي، في تنظيم المعلومات. نشر المخطوطات ورسائل كايتو على الطاولة، وبدأ في إنشاء جدول زمني، وربط الملاحظات، ومحاولة العثور على نمط في الجنون.

“وفقاً لهذه النصوص”، قال ريو، وهو يشير إلى مخطوطة قديمة متداعية، “الصدع ليس ثابتاً. إنه ينجرف، مثل تيار في محيط غير مرئي. لكن يبدو أن هناك أماكن معينة ينجذب إليها، أماكن ذات صدى روحي قوي”.

“ساحات المعارك”، قالت سيرا، وكان هذا أول ما نطقت به منذ بداية الاجتماع. “الأماكن التي مات فيها الكثيرون. الأماكن التي تم فيها حصاد الأرواح. هذه الأماكن تترك ندوباً في العالم، والصدع يتغذى على هذه الندوب”.

“هذا يتوافق مع تحركات كايتو”، أضافت آنيا. “لقد بنى قلاعه ومعاقله دائماً في مواقع مذابح قديمة أو كوارث طبيعية. كنا نعتقد أن ذلك لأسباب تكتيكية، لكن ربما كان يبحث عن نقاط ضعف في نسيج الواقع”.

“إذن، نحن نبحث عن خريطة من الألم”، قال هاروما بهدوء. “خريطة من الأماكن التي عانى فيها العالم أكثر من غيرها. هذه هي الأماكن التي من المرجح أن يظهر فيها الصدع مرة أخرى”.

قضوا الساعات القليلة التالية في تجميع هذه الخريطة المروعة. استخدموا سجلات كايتو، وتقارير آنيا الاستخباراتية، وحتى معرفة جارو بالتاريخ العسكري للمناطق القبلية. ببطء، بدأت الخريطة تتشكل. لم تكن خريطة جغرافية، بل كانت خريطة من المآسي. كانت هناك نقاط تمثل مدناً دمرتها الحرب، وغابات أحرقتها النيران، وأنهاراً سممتها الكيمياء القديمة.

عندما انتهوا، نظروا إلى عملهم في صمت. كانت الخريطة كابوساً، شبكة من المعاناة تمتد عبر القارة بأكملها. وفي وسط هذه الشبكة، كانت هناك ثلاث نقاط تتوهج بشكل أشد من غيرها، ثلاث نقاط ذات صدى روحي هائل.

النقطة الأولى كانت “وادي الأرواح الضائعة”، وهو مكان وقعت فيه مذبحة قديمة بين القبائل المتحاربة، ويقال إن أرواح الموتى لا تزال تصرخ في الريح. كان هذا هو المكان الذي بنى فيه كايتو أول معقل له.

النقطة الثانية كانت “أطلال سيلينوس”، وهي مدينة قديمة تم تدميرها في انفجار غامض منذ قرون، وتركت وراءها حفرة زجاجية سوداء حيث لا ينمو شيء. كانت هذه هي المنطقة التي كان كايتو يجري فيها تجاربه الأكثر خطورة.

والنقطة الثالثة… كانت أكثر إثارة للقلق. لم تكن مكاناً قديماً، بل كانت مكاناً حديثاً. كانت قرية إينابا، المكان الذي هزم فيه هاروما كايتو. المكان الذي تم فيه إطلاق سراح آلاف الأرواح في انفجار هائل من الطاقة.

“لقد فعلناها بأنفسنا”، همس ريو، وعيناه متسعتان من الرعب. “بتحريرنا للأرواح، ربما نكون قد خلقنا أقوى منارة للصدع على الإطلاق”.

“إذن، هذا هو المكان الذي سيضرب فيه بعد ذلك”، قال جارو، وصوته قاتم. “يجب أن نخلي القرية ونحشد قواتنا”.

“لا”، قالت سيرا فجأة. “أنتم لا تفهمون. الصدع لا “يضرب”. إنه يستهلك. إذا ظهر في إينابا، فلن تكون هناك معركة. ستختفي القرية ببساطة، وستصبح جزءاً من جوعه. لا يمكنكم محاربته بالسيوف والجيوش”.

“إذن كيف نحاربه؟” سأل هاروما، وهو يوجه السؤال إلى سيرا مباشرة.

نظرت إليه، ولأول مرة، رأى هاروما شيئاً آخر في عينيها غير البرود أو الخوف. رأى بصيصاً من المعرفة القديمة، معرفة ورثتها من سنواتها كأداة للصدع.

“لا يمكنك تدميره”، قالت. “لكنك ربما تستطيع إغلاقه. أو على الأقل، إغلاق الجروح التي يتغذى عليها. هذه المخطوطات تتحدث عن “أحجار الختم”، قطع أثرية قديمة تم استخدامها في دورة الدمار الأخيرة لاحتواء الصدع. إنها لا تدمر الصدع، لكنها تقوي نسيج الواقع من حوله، وتمنعه من التوسع”.

“أحجار الختم؟” سأل ريو، وهو يقلب صفحات المخطوطات بلهفة. “هل تقول أين هي؟”

“النصوص غامضة”، اعترفت سيرا. “إنها تتحدث عن ثلاثة أحجار، مخبأة في “أماكن القوة القديمة”. مكان “حيث تتحدث الأرض”، ومكان “حيث ينام البحر”، ومكان “حيث تلمس السماء الأرض”. إنها ألغاز، وليست خريطة”.

كان هذا هو أول خيط أمل حقيقي لهم. لم تعد مهمتهم مجرد انتظار النهاية، بل أصبحت سباقاً للعثور على هذه الأحجار الأثرية قبل أن يتمكن الصدع من استهلاك العالم. كانت مهمة مستحيلة تقريباً، تعتمد على ألغاز عمرها آلاف السنين.

“إذن، هذا هو طريقنا”، قال هاروما، وصوته يكتسب قوة جديدة. “سوف ننقسم. يجب أن يبقى البعض هنا للحفاظ على السلام الهش الذي بنيناه، ومراقبة إينابا. والبعض الآخر يجب أن يذهب للبحث عن هذه الأحجار”.

كان القرار واضحاً. كان ريو وجارو ضروريين للحفاظ على استقرار العاصمة. كانت مهارات ريو الإدارية وقوة جارو العسكرية هي العمود الفقري للنظام الجديد. أما آنيا، فكانت شبكتها الاستخباراتية هي أفضل أداة لديهم لفك رموز الألغاز وتحديد المواقع المحتملة للأحجار.

“أنا وآنيا سنذهب”، قال هاروما. ثم نظر إلى سيرا. “وأنتِ ستأتين معنا. أنتِ الوحيدة التي قد تتعرفين على هذه الأماكن، أو تشعرين بوجود الأحجار”.

لم يعترض أحد. حتى جارو فهم منطق القرار، على الرغم من أنه لم يعجبه. كان هذا هو السبيل الوحيد.

في الأيام التالية، بدأ مجلس الظل عمله السري. بينما كان المجلس العام يتعامل مع السياسة وإعادة الإعمار، كان هاروما وآنيا وسيرا يستعدون لرحلتهم. جمعوا كل ما لديهم من معرفة وخرائط ونصوص قديمة. كانت آنيا تستخدم جواسيسها لجمع الأساطير المحلية والقصص الشعبية من جميع أنحاء القارة، بحثاً عن أي إشارة إلى “أماكن القوة القديمة”.

كانت رحلة محفوفة بالمخاطر. لم يكونوا يبحثون عن كنز، بل كانوا يبحثون عن معجزة. وكانوا يعلمون أنهم ليسوا وحدهم في هذا البحث. إذا كان الصدع كياناً واعياً، فمن المؤكد أنه سيعرف ما الذي يبحثون عنه، وسيحاول إيقافهم.

في ليلة رحيلهم، وقف هاروما وآنيا وسيرا على أسوار العاصمة، وهم ينظرون إلى الأراضي الشاسعة والمظلمة أمامهم. كانوا ثلاثة أشخاص غير متوقعين، مرتبطين بمصير مشترك.

“هل أنت مستعد لهذا؟” سألت آنيا هاروما.

نظر هاروما إلى السماء الصافية، ثم إلى رفيقيه الجديدين. “لا”، قال بصدق. “لكن ليس لدينا خيار آخر”.

انطلق الثلاثة في رحلتهم، تاركين وراءهم مدينة نائمة، وحكومة هشة، وعالماً على حافة الهاوية. لقد انتهت حرب السيوف، وبدأت حرب الأسرار. وكانت خريطة طريقهم مصنوعة من الرماد والأساطير.

2026/02/08 · 13 مشاهدة · 938 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026