عادا إلى الكهف في صمت. لم يكن صمتاً عدائياً أو متوتراً كعادتهم، بل كان صمتاً ثقيلاً، مشبعاً بما حدث في ذلك اليوم. جلس هاروما في زاويته، والسكين الممسوح من الدماء بجانبه. كان يحدق في الفراغ، وعيناه تريان مرة أخرى مشهد المنبوذ وهو يسقط، وشعور الروح وهي تذوب في يده. القوة التي شعر بها كانت حقيقية، لكن الشعور بالذنب كان حقيقياً أيضاً، ثقلاً بارداً استقر في أعماق صدره.
كانت آنيا تراقبه من الجانب الآخر للكهف. كانت تتوقع منه أن ينهار، أن يبكي، أو أن يصرخ. لكنه لم يفعل. كان هادئاً بشكل مخيف، وهذا الهدوء أقلقها أكثر من أي رد فعل آخر. رأت في عينيه نفس الفراغ الذي رأته في عيون عدد لا يحصى من المحاربين قبل أن ينكسروا أو يتحولوا إلى وحوش بأنفسهم. رأت انعكاساً لنسخة أصغر سناً من نفسها.
كسرت هي الصمت أولاً، وكان صوتها أهدأ من المعتاد. “هذا الشعور… لا يختفي أبداً”.
رفع هاروما رأسه ونظر إليها، متفاجئاً من نبرتها. لم تكن هناك سخرية أو قسوة في صوتها، بل مجرد حقيقة مُرة.
“أنت فقط تتعلم كيف تتعايش معه”، تابعت، وعيناها تحدقان في لهب المصباح الزيتي الراقص. “تتعلم كيف تضعه في صندوق في زاوية عقلك، وتغلق عليه. لكنه يظل هناك دائماً، يذكرك بالثمن”.
“هل… هل كان الأمر هكذا بالنسبة لكِ في المرة الأولى؟” سأل هاروما بصوت خافت، بالكاد مسموع.
صمتت آنيا للحظة طويلة، وبدا لهاروما أنها لن تجيب. ظن أنه قد تجاوز حداً غير مرئي. لكنها تحدثت أخيراً، وعيناها لا تزالان مثبتتين على اللهب.
“لم أكن مثلك”، قالت. “لم يكن لدي مرشد. لم يكن لدي أحد ليخبرني بالقوانين. لقد وصلت إلى هنا، تماماً مثلك، مرتبكة وخائفة. لكنني لم أكن وحدي”.
انحنت إلى الأمام قليلاً، وألقى الضوء الراقص ظلالاً على وجهها، مما أبرز الندبة فوق حاجبها. “كان معي أخي الصغير، يوتا. كنا قد متنا معاً في حريق. عندما استيقظنا هنا، كنا كل ما يملكه كل منا. كان هو كل عالمي، وكنت أنا كل عالمه”.
كان هاروما يستمع باهتمام، متفاجئاً من هذا الكشف غير المتوقع. لم يتخيل أبداً أن لآنيا عائلة، أو أنها كانت تهتم بأي شخص.
“كان يوتا لطيفاً، مثلك تماماً”، تابعت آنيا، وظهرت ابتسامة باهتة وحزينة على شفتيها للحظة قبل أن تختفي. “كان يكره هذا المكان. كان يبكي كل ليلة، ويسألني متى سنعود إلى المنزل. كنت أعده بأننا سنجد طريقة. كنت أكذب عليه، وأكذب على نفسي”.
“كنا نهرب ونختبئ، نعيش على الفتات، ونتجنب الجميع. لكن في هذا العالم، لا يمكنك الاختباء إلى الأبد. في أحد الأيام، حاصرنا مجموعة من صيادي الأرواح. لم يكونوا منبوذين، بل كانوا بشراً، تماماً مثلنا. لكن أعينهم كانت فارغة، مليئة بالجشع”.
أخذت نفساً عميقاً، وبدا صوتها متوتراً قليلاً. “قاتلت. لم أكن أعرف كيف، لكنني قاتلت كحيوانة محاصرة تحمي صغيرها. تمكنت من جرح أحدهم، لكنهم كانوا كثيرين جداً، وأقوياء جداً. أمسكوا بيوتا…”
توقفت عن الكلام، وابتلع هاروما ريقه، وشعر بقلبه يعتصر ألماً من أجلها. رأى يديها تشتدان على ركبتيها حتى ابيضت مفاصلها.
“لقد قتلوه أمامي”، همست، وكان صوتها مليئاً ببرود جليدي كان أشد رعباً من أي صرخة. “قتلوه من أجل روحه الصغيرة والضعيفة. لم تكن تساوي شيئاً، لكنهم أخذوها على أي حال. رأيت الضوء يغادر عينيه، ورأيتهم يحصدون روحه ويضحكون”.
ساد صمت مطبق في الكهف، لم يقطعه سوى طقطقة لهب المصباح. لم يجرؤ هاروما على التنفس. لقد فهم الآن. فهم مصدر قسوتها، ومصدر برودها. لقد ولدت تلك المحاربة القاسية في تلك اللحظة المروعة.
“في تلك اللحظة”، قالت آنيا، ورفعت عينيها أخيراً لتلتقي بعينيه. كانتا تحترقان بحدة باردة. “مات شيء بداخلي. ماتت الفتاة الخائفة التي كانت تحلم بالعودة إلى المنزل. وكل ما تبقى هو الكراهية. هربت في ذلك اليوم، لا أعرف كيف. لكنني أقسمت قسماً. أقسمت أنني لن أكون ضعيفة مرة أخرى أبداً. أقسمت أنني سأصبح قوية لدرجة أن لا أحد يستطيع أن يأخذ مني أي شيء مرة أخرى. أقسمت أنني سأجمع كل الأرواح التي أستطيع، ليس من أجل الخلود، بل من أجل القوة. القوة للانتقام”.
“قتلي الأول لم يكن تردداً أو رحمة. لقد كان انتقاماً. تعقبت أحد الرجال الذين قتلوا يوتا، وانتظرت حتى كان وحيداً. لم أقتله بسرعة. لقد جعلته يتألم. وعندما حصدت روحه، لم أشعر بالذنب. شعرت بالرضا. شعرت بالعدالة”.
أشاحت بوجهها بعيداً، وكأنها تخجل من الاعتراف بذلك الجزء من نفسها أمامه. “لهذا السبب أنا قاسية عليك. لأنني أرى يوتا فيك. أرى نفس اللطف، نفس التردد الذي سيقتلك. لا أريد أن أرى ذلك يحدث مرة أخرى. هذا العالم لا يرحم اللطفاء يا هاروما. إنه يلتهمهم”.
لأول مرة، نادته باسمه. لم تعد تناديه بـ “أنت” أو “أيها الفتى”. لقد كان تحولاً صغيراً، لكنه كان يعني الكثير. لقد فتحت له جزءاً من روحها، جزءاً مظلماً ومؤلماً، وفي المقابل، رأته كشخص، وليس مجرد مبتدئ عديم الفائدة.
لم يعرف هاروما ماذا يقول. لم تكن هناك كلمات يمكن أن تواسي مثل هذا الألم. لذا فعل الشيء الوحيد الذي يمكنه فعله. نهض، وجلس بجانبها، ليس قريباً جداً، ولكن قريباً بما يكفي ليعلمها أنها ليست وحدها.
“أنا لست هو”، قال بهدوء. “أنا لست أخاكِ. لكنني أفهم. شكراً لكِ… لإنقاذي”.
لم ترد آنيا، لكنها لم تبتعد أيضاً. بقيا جالسين في صمت، كل منهما غارق في ذكرياته المؤلمة. لكن الصمت لم يعد ثقيلاً. كان صمتاً مشتركاً، صمت تفاهُم. في ذلك الكهف المظلم، تحت سماء حمراء لا تتغير، تشكل رابط هش بين روحين جريحتين. لم يكن صداقة، ولم يكن حباً. لقد كان شيئاً أكثر بدائية: اعترافاً متبادلاً بالمعاناة، ووعداً صامتاً بالبقاء على قيد الحياة معاً في هذا الجحيم. لقد وجد هاروما مرشدته، وربما، وجدت آنيا سبباً جديداً للقتال، ليس فقط من أجل الانتقام، ولكن ربما من أجل الخلاص.