زيارة “ملجأ الصدى” غيرت شيئاً في هاروما. لم تعد أيامه مجرد سلسلة من التدريبات القاسية التي لا نهاية لها. أصبح لديه الآن صورة في ذهنه، صورة الأطفال الذين يضحكون والزهرة المتوهجة التي أعطتها له الفتاة الصغيرة. أصبح لديه سبب للقتال، حتى لو كان سبباً هشاً وصغيراً. كان يقاتل من أجل فكرة أن السلام ممكن، حتى في قلب هذا الجحيم.
أصبحت تدريباته أكثر تركيزاً. لم يعد يرى السكين مجرد أداة للقتل، بل أداة للبقاء على قيد الحياة، أداة لحماية ذلك البصيص من الأمل. بدأت آنيا تلاحظ هذا التغيير. كان لا يزال خائفاً، ولا يزال متردداً، لكن كان هناك تصميم جديد في عينيه. بدأت تعلمه استراتيجيات أكثر تعقيداً: كيفية استخدام البيئة لصالحه، وكيفية قراءة حركات خصمه، وكيفية توجيه ضربة سريعة وحاسمة.
“التردد هو عدوك الأكبر”، كانت تقول له مراراً وتكراراً. “في المعركة، جزء من الثانية يمكن أن يحدد الفرق بين الحياة والموت. عندما تقرر الهجوم، يجب أن تهاجم بكل ما لديك. لا مجال للشك”.
كان هاروما يستمع ويحاول أن يستوعب. لكن بين فهم المبدأ وتطبيقه كانت هناك هوة سحيقة. عقله، الذي تربى على قيم السلام والتعاطف، كان لا يزال يقاوم. فكرة إنهاء حياة كائن آخر عمداً، حتى لو كان وحشاً، كانت لا تزال أمراً بغيضاً بالنسبة له.
جاء الاختبار الحقيقي بعد بضعة أسابيع. كانت آنيا قد قررت أن الوقت قد حان ليقوم هاروما بأول عملية صيد حقيقية له. لم تعد مجرد مسألة بقاء على قيد الحياة، بل كانت مهمة محددة: تعقب منبوذ وقتله وحصد روحه. كان هذا هو السبيل الوحيد ليصبح أقوى، والسبيل الوحيد ليصبح مفيداً لآنيا.
قادته إلى منطقة معروفة بوجود المنبوذين الانفراديين. كانت عبارة عن متاهة من الأخاديد الضيقة والوديان الصخرية. “سأكون قريبة”، قالت له. “لكن هذه معركتك أنت. لا تتدخل إلا إذا كنت على وشك الموت. أثبت لي أنك لم تكن مضيعة لوقتي”.
تركته مرة أخرى، وشعر هاروما بنفس موجة البرد التي شعر بها في المرة الأولى. لكن هذه المرة، كان الخوف ممزوجاً بشعور غريب من التصميم. كان عليه أن يفعل هذا. من أجل البقاء، ومن أجل حماية ذلك الأمل الصغير الذي وجده.
بدأ يتحرك ببطء وحذر عبر الأخاديد، مستخدماً كل ما تعلمه من آنيا. كان يستمع إلى الريح، ويراقب الظلال، ويبحث عن أي أثر لوجود المنبوذين. بعد حوالي نصف ساعة، وجد ما كان يبحث عنه: آثار أقدام غريبة في الغبار الأحمر، وآثار خدوش على جدار صخري.
تبع الآثار بحذر، وقلبه يخفق بعنف. قادته الآثار إلى كهف صغير، أظلم من الكهف الذي كان يعيش فيه مع آنيا. سمع صوتاً من الداخل، صوت أنين منخفض ومؤلم. لم يكن صوت وحش غاضب، بل كان صوت كائن يتألم.
تردد هاروما. هل يجب أن يدخل؟ هل هذا فخ؟ تذكر كلمات آنيا عن التردد. أخذ نفساً عميقاً، وأمسك بسكينه بقوة، ودخل إلى الظلام.
عندما تكيفت عيناه مع الظلام، رأى منبوذاً ملقى على الأرض في زاوية الكهف. كان أكبر من ذلك الذي قتله بالصدفة، لكنه كان مصاباً بجروح بالغة. كان هناك جرح كبير في ساقه، وكان دمه الأسود يلطخ الأرض من حوله. كان يرتجف، وينظر إلى هاروما بعينين حمراوين مليئتين بالألم والخوف، وليس بالعدوانية.
للحظة، رأى هاروما في هذا المخلوق ليس وحشاً، بل كائناً يحتضر. شعر بموجة من الشفقة تجتاحه. هل يمكنه حقاً أن يقتل كائناً في مثل هذه الحالة؟ كان هذا أشبه بالإجهاز على جريح، وليس قتالاً عادلاً.
رفع المنبوذ رأسه ببطء، وأصدر صوتاً يشبه الأنين. لم يحاول الهجوم. كان ضعيفاً جداً. كان مجرد مستلقٍ هناك، ينتظر الموت.
وقف هاروما أمامه، والسكين في يده، وعقله في حالة صراع. كان صوته القديم، صوت هاروما الطالب، يصرخ في رأسه: “لا تفعلها! هذا خطأ! إنه يتألم. لا يمكنك أن تقتله بدم بارد”. لكن صوت آنيا كان يتردد في أذنيه أيضاً: “الضعف سيقتلك. الشفقة ترف لا يمكنك تحمله هنا”.
نظر إلى المنبوذ، ورأى انعكاس نفسه في عينيه الدامعتين. رأى الخوف، والألم، والوحدة. ربما كان هذا المنبوذ في يوم من الأيام شخصاً مثله، روحاً جديدة وصلت إلى هذا العالم، لكنها لم تجد مرشداً، ولم تجد أملاً. ربما استسلم لليأس، وفقد عقله، وتحول إلى هذا الشيء المكسور.
أغمض هاروما عينيه. كان يعلم ما يجب عليه فعله. لم يكن هذا من أجل القوة، أو من أجل حصد الروح. كان هذا عملاً من أعمال الرحمة، الطريقة الوحيدة لإنهاء معاناة هذا الكائن. كان أيضاً الطريقة الوحيدة ليثبت لنفسه ولآنيا أنه قادر على اتخاذ قرار صعب، قادر على فعل ما هو ضروري.
فتح عينيه، وكانتا صافيتين الآن، خاليتين من التردد. تقدم خطوة إلى الأمام، وانحنى فوق المنبوذ. “أنا آسف”، همس بصوت خافت، لم يكن متأكداً مما إذا كان المخلوق يفهمه أم لا.
لم يقاوم المنبوذ. لقد أغمض عينيه ببساطة. رفع هاروما السكين، وللحظة وجيزة، رأى انعكاس وجهه على النصل اللامع. ثم، بحركة سريعة وحاسمة، أنزل السكين في قلب المخلوق.
كانت هناك رعشة خفيفة، ثم سكن جسد المنبوذ تماماً. صمت الألم. صمتت المعاناة. سحب هاروما السكين، وشعر بثقل لا يطاق يهبط على روحه. لم يكن ثقل القتل، بل كان ثقل المسؤولية. لقد اتخذ قراراً واعياً بإنهاء حياة، وشعر بكل تبعات هذا القرار.
ظهرت كرة الضوء الأبيض في صدر المخلوق، أكبر وأكثر إشراقاً من المرة الأولى. مد يده المرتجفة وحصدها. عندما امتصتها يده، شعر بدفقة من الطاقة أقوى بكثير من ذي قبل. شعر بجروحه الطفيفة تلتئم، وبقوة جديدة تتدفق في عروقه. لكن هذه القوة كانت ممزوجة بحزن عميق.
خرج من الكهف إلى الضوء الأحمر، وشعر وكأنه قد تقدم في العمر عشر سنوات. كانت آنيا تنتظره، ووجهها كالعادة لا يظهر أي تعابير. نظرت إليه، ثم إلى السكين الملطخ بالدماء في يده.
“لقد فعلتها”، قالت ببساطة.
أومأ هاروما برأسه، غير قادر على الكلام. لم يكن هناك ما يقال. لم يكن فخوراً بما فعله، لكنه لم يكن نادماً أيضاً. لقد كان ضرورياً. لقد كان هذا هو ثمن البقاء على قيد الحياة، ثمن حماية الأمل. لقد حمل على كتفيه ثقل روح أخرى، وكان يعلم أن هذا الثقل سيظل معه إلى الأبد، تذكيراً دائماً بما أصبح عليه في هذا العالم. الدموي