لم يعد الكهف مجرد ملجأ، بل أصبح غرفة عمليات. لم تعد أيامهما مجرد تدريب، بل أصبحت استعداداً. الهدف الذي وضعاه، هدف تغيير العالم، كان كوكبة بعيدة في سماء حمراء، وللوصول إليها، كان عليهما أن يخطوا خطوة أولى. كانا بحاجة إلى مهمة، ليست مجرد صيد عشوائي، بل عمل محسوب يخدم قضيتهما.

جاءت الفرصة من مصدر غير متوقع. أثناء إحدى دوريات الاستطلاع، نصبا كميناً لمحارب وحيد يرتدي شارة “التجار الرحل”. كان ضعيفاً ومنهكاً، وبعد معركة قصيرة وغير متكافئة، استسلم. بدلاً من قتله على الفور، استخدمت آنيا خبرتها في الترهيب والاستجواب. تحدث الرجل، بصوت يرتجف من الخوف، عن قافلة قادمة. لم تكن قافلة عادية تحمل البضائع والأسلحة، بل كانت تحمل شحنة ثمينة: أرواح جديدة. مبتدئون تم أسرهم قبل أن يفهموا طبيعة هذا العالم، ليتم بيعهم كعبيد أو كمصدر طاقة خام لفصيل “جماعة الكايبا” المتعطش للقوة.

بعد أن أخذت منه كل المعلومات، نظرت آنيا إلى هاروما، تاركة له قرار مصير الرجل. نظر هاروما إلى التاجر المرتجف، ورأى فيه الخوف، وليس الشر. “دعه يذهب”، قال هاروما. “لكن خذ روحه كدفعة أولى”. لم يكن هذا لطفاً، بل كان قراراً استراتيجياً. لقد أخذوا ما يريدون، ولم تكن روح هذا الرجل الضعيف تستحق عناء القتل. امتصت آنيا جزءاً من طاقة الرجل، مما تركه ضعيفاً لكنه على قيد الحياة، ثم أطلقت سراحه مع تحذير صارم بعدم العودة إلى هذه المنطقة.

عادوا إلى الكهف، والمعلومات الجديدة ترسم مساراً واضحاً أمامهما. هذه هي المهمة التي كانوا ينتظرونها. إنها تخدم كل أهدافهم: تحرير الأبرياء، وإضعاف أعدائهم اقتصادياً، والحصول على الموارد التي هم في أمس الحاجة إليها، والأهم من ذلك، إرسال رسالة.

“لا يمكننا مواجهتهم مباشرة”، قال هاروما وهو يرسم خريطة بدائية في الغبار الأحمر على أرضية الكهف. “سيكونون مدججين بالسلاح ويتوقعون هجوماً. لكن طريقهم يمر عبر ممر “أسنان الأفعى”، وهو ممر ضيق به منحدرات غير مستقرة على كلا الجانبين”.

نظرت آنيا إلى الخريطة، وأدركت ما كان يفكر فيه. “انهيار صخري”.

“بالضبط”، أكد هاروما. “يمكننا إحداث انهيار صخري في مقدمة القافلة ومؤخرتها. هذا سيحبسهم، ويثير الفوضى، ويفصل الحراس عن بعضهم البعض. في خضم هذه الفوضى، يمكننا الهجوم”.

كانت الخطة جريئة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها كانت أفضل من هجوم مباشر. أمضيا اليوم التالي في التحضير. قاما بتحديد نقاط الضعف في المنحدرات، ووضعا صخوراً كبيرة في أماكن استراتيجية، جاهزة للدفع عند اللحظة المناسبة. كانت هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها هاروما عقله كسلاح أساسي، وشعر بنوع مختلف من القوة، قوة التخطيط والتحكم.

عندما حان الوقت، كانا يكمنان على قمة المنحدر، يراقبان القافلة وهي تقترب. كانت تتكون من ثلاث عربات تجرها وحوش تشبه السحالي الضخمة، ويحيط بها حوالي عشرة حراس مدججين بالسلاح. في العربة الأخيرة، رأى هاروما قفصاً كبيراً، ورأى من خلال قضبانه وجوهاً خائفة ومرتبكة. كانت تلك هي الأرواح الجديدة. شعر بغصة في حلقه، وتصلب تصميمه.

بإشارة من آنيا، دفعا الصخور الرئيسية. لثوانٍ، لم يحدث شيء. ثم، وبقعقعة مدوية، بدأت المنحدرات تنهار. تساقطت الصخور والغبار على طرفي القافلة، مما أدى إلى سد الممر وإثارة حالة من الذعر. صرخت الوحوش، وحاول الحراس يائسين فهم ما يحدث.

“الآن!” صرخت آنيا.

انطلقت كالسهم، وسيفاها المعقوفان يلمعان في الضوء الأحمر. تحركت بين الحراس المذعورين، وكانت شفراتها ترقص رقصة مميتة. كانت تضرب وتتحرك، ولا تمنحهم فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم.

كان دور هاروما مختلفاً. بينما كانت آنيا تشغل أقوى الحراس، ركض هو مباشرة نحو العربة الخلفية. اعترضه حارسان، لكنهما كانا مرتبكين وأقل خبرة. تذكر هاروما تدريبه. لم يهاجم بتهور. صد الضربة الأولى، وتفادى الثانية، واستخدم زخم خصمه ليدور حوله ويوجه طعنة سريعة في فجوة درعه. سقط الحارس الأول.

التفت الحارس الثاني لمواجهته، لكن هاروما لم يمنحه الوقت. ضغط على الهجوم، مستخدماً كل ما تعلمه عن المبارزة. اصطدمت السيوف، وتطاير الشرر. لم يكن قتالاً سهلاً. شعر هاروما بألم حارق في ذراعه عندما تمكن خصمه من جرحه. لكنه تجاهل الألم، وركز على إيقاع القتال. رأى فتحة، واندفع إلى الأمام، وسيفه يخترق دفاع الحارس.

وصل إلى القفص، ورأى عيون الأسرى الواسعة والخائفة. كانوا حوالي خمسة، شباب وشابات، يرتدون ملابس غريبة من عوالم مختلفة، تماماً كما كان هو عندما وصل. “نحن هنا لمساعدتكم!” صرخ وهو يحاول كسر قفل القفص.

كان القفل قوياً. ضربه بسيفه مراراً وتكراراً، لكنه لم ينكسر. في تلك اللحظة، ظهر حارس آخر من وسط الغبار، وكان يتجه نحوه. لم يكن هناك وقت. نظر هاروما إلى الأسرى، ثم إلى الحارس المقترب. “ابتعدوا عن الباب!” صرخ.

جمع كل القوة الروحية التي يمكن أن يستدعيها، ووجهها إلى سيفه. لم تكن تقنية تعلمها، بل كانت حركة يائسة مدفوعة بالحاجة. ضرب القفل بكل قوته، وشعر بالسيف يهتز في يده. هذه المرة، تحطم القفل.

فتح الباب وصرخ: “اركضوا! اتبعوا هذا الوادي غرباً! لا تتوقفوا!” بدأ الأسرى يخرجون بتردد، ثم انطلقوا راكضين للنجاة بحياتهم.

التفت هاروما لمواجهة الحارس الأخير، لكنه لم يكن هناك. كانت آنيا تقف خلف المكان الذي كان فيه الحارس، وسيفاها يقطران دماً. لقد قضت على بقية الحراس.

وقفا للحظات في وسط الفوضى، يلهثان. كانت المعركة قد انتهت. نجحا في ذلك. نظروا في اتجاه الغرب، ورأوا الأشكال البعيدة للأرواح المحررة وهي تختفي في الأفق. لم يقولوا شيئاً، لكن نظرة مشتركة مرت بينهما. كانت نظرة تفاهُم واحترام متبادل.

“هذه كانت البداية فقط”، قالت آنيا، وهي تمسح الدم عن شفراتها.

“أعلم”، أجاب هاروما، وهو يشعر بالألم في ذراعه، لكنه يشعر أيضاً بنوع جديد من الرضا. لم يكن الرضا الدموي الذي شعرت به آنيا في أول عملية قتل لها، بل كان الرضا الهادئ لشخص فعل الشيء الصحيح.

جمعوا المؤن والأسلحة من العربات، ثم اختفوا في الأخاديد الصخرية قبل أن تصل أي تعزيزات. في تلك الليلة، لم تكن هناك كوابيس. لأول مرة، نام هاروما نوماً عميقاً، نوماً بطَلٍ صغير في عالم يحتاج إلى أبطال أكثر من أي شيء آخر. لقد أحدثوا موجة صغيرة في محيط الدماء، وكانوا يعلمون أن هذه الموجة ستجذب انتباه أسماك القرش الكبيرة. لكنهم لم يعودوا خائفين. لقد وجدوا طريقهم، وكانوا مستعدين لمواجهة العاصفة القادمة.

2026/02/07 · 14 مشاهدة · 907 كلمة
FOF
نادي الروايات - 2026