الفصل الرابع: صراع الفولاذ
اندفع تشين تشوان مع زملائه وسط سحب الغبار وعوادم المحركات الخانقة حتى وصلوا إلى سفوح التلال. فجأة، تباطأت الدبابات الألمانية وتوقفت القوات. استرق تشين تشوان النظر بفضول، ليتجمد الدم في عروقه؛ فقد اصطف على التلة المقابلة سرب من الدبابات البريطانية.
في البداية، لم يشعر بالخوف الحقيقي؛ فـعقله الذي اعتاد على سلام العصر الحديث جعل رد فعله الأول يبدو كأنه حادث سير عابر، حيث يتوقع أن يطلق كل طرف بوقه وينصرف لحاله. لكن الحقيقة المرة صفعته: هذه ساحة معركة، وتلك وحوش حديدية معادية تفوقهم عدداً وقوة.
وقبل أن يستوعب الموقف، انفجر الجحيم. أزيز الرصاص، دوي المدافع، وشظايا تتطاير في كل اتجاه. كان وقع الرصاص على دروع الدبابات يصدر صوتاً جافاً يشبه فرقعة حبات الفاصوليا في مقلاة ساخنة. صرخ "الخباز" (أوتو) بأوامر حازمة: "أطلقوا النار بكل ما لديكم! استخدموا الدبابات كغطاء!"
لكن تشين تشوان لم يفكر في القتال؛ كل ما كان يهمه هو تقليص جسده خلف كتلة الحديد الضخمة، داعياً أن ينتهي هذا الكابوس سريعاً. غير أن الحرب لا تنتهي إلا بهزيمة ساحقة لأحد الطرفين.
فجأة، أخرج جندي ألماني رأسه من وراء الساتر، لتخترق رصاصة وجهه ويسقط أمام تشين تشوان مباشرة. مزقت الرصاصة أسفل أنفه، وتدفق الدم كالنبع المغلي. لم يمت فوراً، بل ظل يتشنج بألم صامت، يحاول الصراخ بلا جدوى، بينما كانت قدماه تضربان الأرض بيأس حتى سكنت حركته تماماً. لم يتمكن تشين تشوان من حبس صرخته؛ كانت صرخة لتفريغ الرعب الذي كاد يفقده صوابه.
دوى انفجار هائل، واجتاحت موجة حرارية المكان.. لقد دُمرت الدبابة التي كان يحتمي خلفها!
في تلك اللحظة، لم يتبقَّ من القوة الألمانية إلا قلة من الدبابات الصامدة وسط جحيم الصحراء. كان المشهد يجسد مأساة تقنية لم يدركها الجنود إلا بدمائهم؛ فرغم أن دباباتهم من طراز "بانزر 3" كانت تبرز مدافعها من عيار 50 ملم بزهو، إلا أنها وقفت عاجزة تماماً أمام الوحوش البريطانية "ماتيلدا" .
كان تشين تشوان يراقب بذهول قذائف دباباتهم وهي تصطدم بجبهة "الماتيلدا" ثم ترتد عنها كأنها كرات من ورق، فقد كان درعها الأمامي الذي يصل سمكه إلى 78 ملم بمثابة جدار فولاذي لا يقهر. وفي المقابل، كان مدفع الماتيلدا البريطاني — رغم صغر عياره — يمزق الدروع الألمانية الهشة التي لم يتجاوز سمكها 47 ملم بسهولة مرعبة.
لقد خلق هذا التباين موقفاً كارثياً؛ فالدبابات البريطانية كانت تتقدم كأنها في نزهة، تخترق كل ما يقف في طريقها، بينما وجد الألمان أنفسهم في فخ من الفولاذ يسهل سحقه، ولا يمكنه الرد.
"تراجعوا!".. وصل الأمر إلى مسامع تشين تشوان، فنهض يركض بجنون. صرخ "الخباز" خلفه محاولاً توجيهه، لكنه لم يكترث. كان يريد فقط الهروب من هذا العالم الذي لا ينتمي إليه.
كان محظوظاً رغم جهله؛ فالدبابات البريطانية على التلة واجهت صعوبة في التصويب عليه بسبب "زاوية الانخفاض" الحادة أثناء نزولها، وإلا لكان جسده قد تحول إلى منخل للرصاص. لكن زملائه في الخلف لم يحالفهم الحظ، فقد تحول انسحابهم إلى مذبحة تحت نيران الرشاشات البريطانية.
"تباً!" لعن رومل وهو يراقب الموقف من طائرته، "أين غطاء المدافع المضادة للدبابات؟!" جاءه الرد المحبط عبر الراديو: "يا جنرال، مدافع (Pak 36) لا يمكنها اختراق جلود هذه الوحوش البريطانية! نحن عاجزون تماماً!"
كانت مدافع "Pak 36" الألمانية بالكاد تخترق 50 ملم من الدروع، وهو ما لا يكفي لمواجهة الـ 78 ملم لدرع الماتيلدا. شعر رومل بالهزيمة تقترب؛ فإذا انكسر الخط هنا، ستُطارد قواته حتى طرابلس وتُسحق تماماً. صرخ في اللاسلكي: "أمرهم بالصمود! الموت ولا التراجع!"
لكن كيف يصمدون أمام جدار من الفولاذ لا يقهر؟ كان تشين تشوان يركض والموت يلاحقه، والانفجارات تطيح به أرضاً مرة تلو الأخرى. كانت الدبابة "ماتيلدا" بطيئة، وهذا وحده ما أنقذه من السحق تحت جنزيرها.
نظر إلى الخلف وشعر بمرارة وخجل؛ زملائه الذين سخروا منه كانوا يبذلون أرواحهم بيأس، يحاولون مهاجمة الدبابات بالقنابل اليدوية والمتفجرات اليدوية في محاولات انتحارية. كانت الدبابات البريطانية تتقدم كالجدار المنيع، يتبعها جنود بخوذاتهم المسطحة يخرجون من خلفها ليحصدوا الأرواح بدم بارد.
في غمرة هذا اليأس، لمعت فكرة في ذهن تشين تشوان. تذكر تاريخ الحرب جيداً.. كيف يُعقل أن ينهزم "فيلق أفريقيا" الآن وهو الذي وصل تاريخياً إلى حدود مصر؟ هل يفتقر الألمان حقاً للسلاح المناسب؟
لا.. السلاح موجود، لكنهم — في هذه اللحظة من التاريخ — لم يدركوا بعد القوة الكامنة في ذلك السلاح "غير المخصص للدبابات".