الفصل الثالث: جحيم الصحراء
كان حدس تشين تشوان في محله؛ فذلك الرجل على متن الطائرة لم يكن سوى "إروين رومل"، الذي سيُعرف لاحقاً بلقب "ثعلب الصحراء". رغم أنه في تلك اللحظة، لم يكن قد حاز ذلك اللقب بعد.
كان رومل يجلس في المقعد الخلفي، يحدق في التضاريس القاحلة أدناه ويقارنها بخريطته بملامح يكسوها القلق. هو وحده من كان يعلم الحقيقة المرة؛ فبينما كانت قواته تطارد البريطانيين شرقاً، كان الموقف في غاية الخطورة.
الحقيقة أن ما كان يجري ليس إلا "استعراضاً عسكرياً" بارعاً. لم يمتلك رومل سوى فرقة مدرعة خفيفة واحدة، وحتى الدبابات الـ 150 المفترضة لم يكن منها سوى أقل من 60 دبابة ومئة مركبة. لهذا السبب، لم يعلق "الفوهرر" آمالاً كبيرة عليه، وكان كل مراده أن يصمد رومل في طرابلس ويمنع انهيار الحليف الإيطالي.
لكن رومل، المقامر بطبعه، لم يقبل بدور الدفاع. خطط بجرأة لسحق عدو يفوقه عدداً بعدة أضعاف مستخدماً الخديعة. أمر جنوده بصناعة مئات الدبابات الوهمية من الخشب والكرتون وتركيبها على سيارات "فولكس فاجن"، ثم جعلها تجوب شوارع طرابلس في حلقات مفرغة. كان يثق أن الجواسيس البريطانيين س ينقلون هذا المشهد المهيب لقيادتهم، موهمين إياهم بأنه يمتلك جيشاً عرمرماً.
انطلت الخدعة على الجميع، حتى الإيطاليين أنفسهم الذين اندفعوا بحماس خلفه. ولعشرة أيام، ظل البريطانيون يتراجعون رعباً من "قوة" لا وجود لها، مستعيدين مساحات شاسعة من الأراضي دون خسائر.
لكن الخطر كان يطل برأسه؛ فقد بدأ البريطانيون يشكون في الأمر، وبدأت هجماتهم الاستطلاعية تزداد شراسة. كان رومل يدرك ما سيحدث لو انكشف زيف دباباته الكرتونية. فجأة، صرخ الطيار: "جنرال! انظر هناك!"
اتجهت أنظار رومل حيث أشار الطيار، ليرى كميناً بريطانياً محكماً خلف الكثبان الرملية: عشرات الدبابات ومئات الجنود ينتظرون القوات الألمانية المتقدمة الغافلة. "تباً!" لعن رومل بحدة، "عد فوراً وحذرهم!"
التفتت الطائرة وسط وابل من نيران الرشاشات، وأطلقت قنابل الإشارة التحذيرية فوق القوات الألمانية. "اشتباك وشيك!".. "استعدوا للمعركة!".. ترددت الأوامر كالنار في الهشيم.
انقبض قلب تشين تشوان، وتسارعت أنفاسه بجنون. لم يكد يستوعب المعركة الأولى حتى وجد نفسه أمام جحيم جديد. ظن في البداية أنه في مأمن بعيداً عن الجبهة، لكن صرخة دوت حطمت آماله: "الدبابات تحتاج غطاءً من المشاة.. الكتيبة الثالثة، تقدموا!"
أدرك بمرارة أن وحدته هي المعنية. غصّ بريقه وهو يرى رفاقه يتقدمون بوجوه صخرية صامتة. نزع البندقية عن كتفه وتحسس الرصاص، ليكتشف حقيقة مرعبة: هو لا يعرف حتى كيف يطلق النار!
"اهدأ!".. كانت نبرة الرقيب "الخباز" (أوتو) هادئة ومطمئنة وهو يربت على كتفه: "سننتصر قريباً، تخصص هؤلاء الأوغاد هو الفرار!" تعالت ضحكات الجنود، لكن تشين تشوان ظل عاجزاً عن الابتسام، يشعر بحلقه يشتعل جفافاً.
اصطفت الكتيبة الثالثة خلف عشرين دبابة حقيقية هذه المرة. هدير المحركات ورائحة البنزين الساخن المنبعث من العوادم جعلا معدته تتقلب غثياناً. راودته فكرة الفرار، لكنه تراجع فوراً؛ كان يعلم أن "الخباز" اللطيف سيوجه رصاصة لظهره دون تردد لو فعلها. ففي قوانين الجيش الألماني، لا مكان للمترددين.
"استعدوا!".. دوت طقطقة الرصاص في حجرات اللهب للبندقيات. انطلقت الدبابات ببطء في البداية، يتبعها الجنود مشياً. ومع انفجار أول قذيفة بريطانية قريباً منهم، زاد المعدل، وتحول السير إلى ركض محموم لمواكبة الحديد الزاحف.
شعر تشين تشوان أن قدميه قد صُبتا من رصاص، وتخلف عن الركب. لولا نظرات الوعيد القاتلة التي كان يرمقه بها الرقيب "أوتو" من حين لآخر، لسقط مغشياً عليه.
"ووش..." سقطت قذائف أخرى، وأصابت إحداها دبابة بدقة متناهية. توقف الوحش الحديدي فوراً وتصاعد منه دخان أسود كثيف، قبل أن تلتهمه ألسنة اللهب. حاول الطاقم الخروج، لكن النار كانت أسرع. صرخاتهم الممزقة ملأت الفضاء وهم يتخبطون في جحيمهم الخاص.
تجاوز الجنود الألمان الحطام المشتعل ببرود تام، وكأنهم لم يروا شيئاً.
"يجب أن نساعدهم!"صرخ تشين تشوان بذهول.
"استمر في التحرك!"أمره "الخباز" بصرامة قاسية، "اتركهم للمسعفين!"
مسعفون؟!