الفصل الثاني: العبء

"بوم!"

دوى انفجار هائل بالقرب من تشين تشوان، لتعصف به موجة حرارية محملة بالرمال كأنها مدّ جارف، رافقها أزيز الشظايا المتطايرة فوق رأسه.

قذيفة؟!

تسمّر تشين تشوان في مكانه والذهول يعلو وجهه... كيف يمكن أن تكون هناك قذائف حقيقية هنا؟!

شخص ببصره، فلم يرَ القذائف فحسب، بل أبصر دبابات ومدافع رشاشة، ومجموعات من الجنود بزي الجيش الألماني (الفيرماخت) يصبون نيران أسلحتهم نحو الجانب الآخر، الذي كان يرد بوابل لا ينقطع من الرصاص والقذائف.

أدرك تشين تشوان في تلك اللحظة أن كل ما يراه حقيقي تماماً؛ فصفير القذائف، وتناثر الدماء عند اصطدام الرصاص بالأجساد، وصراخ الجنود المحتضرين، والأطراف المبتورة المتناثرة بعد كل انفجار... كل ذلك لا يمكن أن يكون مجرد حلم. لكنه لم يستوعب كيف حدث هذا؛ فمنذ لحظات فقط كان في غواصة ألمانية، ممسكاً بـ "وسام الفوهرر"... لحظة، الوسام!

"ذخيرة! فليك! أحضر تلك اللعينة بسرعة..." صرخ جندي ألماني خلف مدفعه الرشاش في وجه تشين تشوان.

انتبه تشين تشوان أن الرامي يقصده بالنداء، وتأكد من ذلك حين رأى صناديق الذخيرة قابعة بجانبه.

إذن، اسمي هنا هو "فليك"؟

لم يجد متسعاً من الوقت للتفكير، فمد يديه المرتجفتين والتقط صندوق الذخيرة. وبعد خطوات قليلة، لملم خلالها شتات نفسه تحت نظرات الارتياب من الرامي، أدرك تشين تشوان غريزياً أن عليه البقاء منخفضاً؛ فهذه أبسط القواعد للبقاء حياً في جحيم كهذا.

لعن في سره وهو يزحف منحنياً... كان يكره الجندية، ويمقت الحروب، لكن القدر لم يمنحه خياراً. والآن، لا هدف له سوى البقاء على قيد الحياة.

دوى صوت الرشاش في أذنيه، فميّزه فوراً؛ إنه "MG34" الألماني الشهير. وبحكم خبرته التاريخية، تذكر مواصفاته بدقة؛ فهو سلاح متعدد الأغراض، يعمل بأحزمة ذخيرة سعة 50 أو 200 طلقة، أو مخازن أسطوانية. لكنها المرة الأولى التي يراه فيها يبصق النار فعلياً، حاصداً أرواح الأعداء واحداً تلو الآخر.

تدريجياً، خفت ضجيج المعركة. رفع الرامي رأسه مستطلعاً، ثم قال جملة بثت الارتياح في صدر تشين تشوان: "حسناً، لقد انسحب العدو!"

عندها، انهار تشين تشوان على الأرض كبالون أفرغ من هوائه، يلهث بعنف. حاول فك رباط خوذته الذي خنقه، لكن يداه المرتجفتان خانتاه، فاستسلم لتعبه.

"ما بك يا فليك؟" سأل الرامي وهو يسحب سلاحه، "بدوت كأخي المصاب بالتوحد قبل قليل. لا تخبرني أنك ذعرت! لقد كانت مجرد مناوشة بسيطة..."

"وهل كان فليك طبيعياً يوماً ما؟" اقترب جندي آخر، وجهه مسودّ بسخام البارود، وركل تشين تشوان بخفة: "لو حدث ذلك لكانت معجزة!" انفجر الجنود ضاحكين.

تجاهل تشين تشوان سخريتهم؛ فكل ما أراده هو التقاط أنفاسه وفهم ما يجري، لكن أمنيته تلاشت سريعاً. "تحركوا!" صرخ ضابط بصرامة، ثم وجه نظره لتشين تشوان: "فليك، انهض الآن وإلا تركتك هنا جثة هامدة!"

لم يشك تشين تشوان في جدية التهديد؛ فإعدام الجنود المتقاعسين لم يكن غريباً على تقاليد الجيش الألماني. نهض مسرعاً رغم ارتجاف ساقيه، مما أثار موجة أخرى من الضحك بين رفاقه.

سار مع الفريق، محاولاً ترتيب أفكاره. استنتج أمرين: أولاً: هو الآن في صحراء ليبيا، ووحدته تطارد البريطانيين. لقد أصبح جندياً في "الفرقة الخامسة الخفيفة". وتذكر أن رومل وصل إلى هنا لإنقاذ الإيطاليين من الانهيار. كان عزاؤه الوحيد أن الجيش الألماني في هذه المرحلة لا يزال يسطر الانتصارات.

ثانياً: هذا الجندي المدعو "فليك" — أي هو نفسه — كان منبوذاً ولقبه "العبء الثقيل"، ويبدو أن السبب هو افتقاره للروح القتالية، تماماً مثل شخصية تشين تشوان الحقيقية. لهذا كانت مهمته تقتصر على نقل الذخيرة، وهو أمر لم يزعجه كثيراً؛ فهذا يعني أنه لن يضطر لاستخدام بندقية "K98K" لقتل أحد، وسيكون بعيداً عن فوهات بنادق الأعداء.

"يا عديم الفائدة!" صاح "غروس" الرامي، الملقب بـ "الدب الكبير" لضخامته، وهو يهز مطهرته الفارغة: "هل معك ماء؟" "لا، لم يتبق شيء!" هز تشين تشوان قارورته الفارغة بيأس.

"تباً!" لعن غروس، "وحدة الإمداد بطيئة كالسلاحف. لن نموت في المعركة، بل سنقضي عطشاً!" "اخرس يا مقرف!" قاطعه الضابط بحدة، "بهذا المعدل ستعيش حتى وصول الإمدادات لأنك توفر لعابك!"

تبادل الجنود الابتسامات. كان الضابط هو الرقيب "أوتو"، قائد فصيلتهم، ويلقبونه بـ "الخباز" لأنه كان يمتهن هذه الحرفة قبل الحرب.

"سيدي..." سأل تشين تشوان بعد مسافة من السير: "ألا يمكننا الراحة قليلاً؟" ابتسم "الخباز" وأشار بيده إلى طائرة تحلق في الأفق البعيد: "اسأله هو!"

لم يفهم تشين تشوان في البداية، ثم لمعت الفكرة في رأسه: "ثعلب الصحراء" رومل! لقد كان معروفاً بإشرافه على القوات من طائرته الخاصة. هل يعقل أن يكون رومل نفسه هو من يراقبهم الآن؟

2026/04/13 · 1 مشاهدة · 676 كلمة
LAAFOU00
نادي الروايات - 2026