أن ما ستقرأه الآن ليس روايةً كغيرها، فكل كلمةٍ فيها كُتبت بدمٍ لا بحبر، وكل سطرٍ يحمل سرًّا كان يجب أن يُدفن إلى الأبد.
صدقني
قد تندم على فتح هذه الصفحات،
لكن بعد أن تبدأ، لن تستطيع التوقف.
لا زلت
تحمل مسؤوليتك
لقد كان العالم قبل زمن بعيد على شفا الهاوية. في القرن الخامس والعشرين، بعد عقود من اختفاء التكنولوجيا وانهيار حضارات عظيمة، صارت البشرية تواجه واقعًا لم يكن أحد يتخيله. المدن التي كانت تعج بالحياة صارت أطلالًا صامتة، شوارعها مغطاة بالرماد والحطام، والأنهار والغابات تحولت إلى مساحات مظلمة، كأن الأرض نفسها تبكي ما حل بها. كل شيء يروي قصة انهيار طويل، وصمت يملأ كل زاوية من زوايا العالم.
ثم ظهرت البوابات، بوابات غامضة تتوهج باللون الأزرق النيلي تشبه عين وحش، كأنها أنفاس السماء في عالم محطم. وما خرج منها كان أكثر مما يستطيع العقل تحمله: وحوش ضخمة، عيونها تلمع برعبٍ لا يُضاهى، قوى جسدية تفوق كل قياس بشري، تصدر منها أصوات تقشعر لها الأبدان، وحركات تجعل الأرض تهتز تحت أقدامها. لم يكن هناك مكان آمن، لا مدينة ولا قرية، وحتى الملاجئ التي حاول البشر بناؤها كانت مجرد جزر صغيرة وسط محيط من الدمار والفوضى. خمسون سنة مرت منذ بداية الكارثة، وخلالها تعلم البشر أن البقاء أصبح معركة يومية، وأن الفناء قد يطرق بابهم في أي لحظة.
في خضم كل هذا، حدث شيء لم يكن أحد يتوقعه: ظهور قوى غامضة تُعرف بالذيفا. كانت هذه القوى بمثابة لمحة أمل، شعلة صغيرة وسط الظلام، تمنح بعض البشر القدرة على مواجهة ما كان مستحيلاً. الذيفا لم يكن مجرد قوة، بل بوابة لفهم الكابوس، عالم لم يجرؤ أحد على تخيله، حيث تتداخل حدود الواقع والخيال، وتصبح المستحيلات ممكنة.
الكابوس لم يكن مكانًا فحسب، بل كيانًا حيًا، يتنفس الرعب. هناك، تتحطم قوانين الطبيعة، وتتكاثر الوحوش بلا نهاية. الأشجار تتحرك ككائنات حية، الجبال تصدر أصواتًا تشبه الصرخات، والأنهار تعكس وجوهًا لأشباح الماضي. كل خطوة خارج الحصن تحمل معها احتمال الفناء، وكل بوابة تقود إلى تحدٍ أكبر من الذي قبلها. الملاجئ، التي كانت من قبل حصونًا منيعة، صارت الآن معاقل ضعيفة، لا تستطيع حمايتك من الخطر الذي يتربص بك في الظل.
الوحوش هنا ليست مجرد مخلوقات، بل تجسيد للرعب ذاته. بعضها يمتلك أجنحة ضخمة تحجب السماء، وبعضها الآخر له قوى تجعل الصخور تنهار تحت ضرباته. أصواتهم، خطواتهم، حتى أنفاسهم، كلها جزء من معادلة البقاء، وكل لقاء معهم اختبار للروح قبل الجسد. الطبيعة نفسها تبدو متواطئة مع الكابوس؛ العواصف تتغير فجأة، السماء تمطر ألوانًا غير مألوفة، والأرض تتشقق في أماكن عشوائية، وكأن العالم كله يحاول ابتلاع كل من يجرؤ على العيش فيه.
(عالم الكابوس)
ولكن وسط كل هذا الرعب، كانت هناك لمحة أمل. الذيفا من يمنحه القوة ليقاوم، ليرى ما لا يراه الآخرون، ويمر عبر البوابات حيث لا يجرؤ أي إنسان آخر على الاقتراب. كل بوابة، كل تحدٍ، كل لحظة خارج الملاجئ، تصبح معركة بين الشجاعة والخوف، بين الحياة والفناء. البشر لم يعودوا كما كانوا؛ كل يوم هو اختبار، كل خطوة هي حافة بين البقاء والانقراض.
وهكذا وُلد عصر جديد، عصر الكابوس، عصر تتقاطع فيه الرعب مع الأمل، والغموض مع اليقين بأن كل لحظة قد تكون الأخيرة. عالم لا يرحم، لكنه يحمل في قلبه، بين أطلاله، لمحة صغيرة من الضوء، تحدٍ للبشرية لتثبت أنها لم تمت بعد، وأن إرادتها قادرة على مواجهة ما يبدو مستحيلًا.
هذا هو العالم الذي أصبح فيه البقاء معجزة يومية، حيث كل خطوة وكل قرار قد يكتب نهاية جديدة للبشرية، وعصر لا يعرف الرحمة أبدًا، لكنه يحمل أيضًا إمكانية للبقاء، ولو كلمحة صغيرة، في قلب الظلام.
((سبحان الله والحمد لله ولا الا الله والله اكبر))