الفصل الأول: لا فرص ثانية
كان اليوم هو موعد حملة التجنيد السنوية العاشرة للنخبة، وجميع طلاب الصفوف النهائية في مدرسة منجم الليثيوم المتوسطة قد اجتمعوا في الصالة الرياضية، ينتظرون وصول أفراد النخبة ومعهم الدواء الذي سيحدد مصيرهم.
كان أفراد النخبة هم أصنام أمة التنين الذهبي، بشرًا خارقين ذوي قدرات سحرية وُلدت من "الحقنة الإلهية" التي سيحصل عليها الطلاب اليوم.
لم يسبق لأبناء عمّال المناجم أن رأوا أحدًا منهم من قبل، إلا إذا عَدَدْتَ العمدة الذي كان يُلقي خطاباتٍ بضع مرات في السنة. ولذلك، فإن الحماس لوجودهم هنا في مدرستهم كان كل ما يتحدث عنه الطلاب منذ شهور.
لكن يمكن تخيّل خيبة أملهم حين لم يكن القادمون نجوماً مشهورين، بل مجموعة من أفراد النخبة العسكريين لأداء الحقن.
ومع أن هؤلاء لم يكونوا المغنين أو ممثلي الأفلام الذين يعرفهم الجميع، إلا أنه لم يكن سرًا أن هذه النخبة العسكرية هم المنقذون الذين يحمون الأمة من جيوش الأعداء والتهديد الدائم للوحوش السحرية. التلفاز في المقهى والمعلمون في المدرسة كانوا دائمًا يؤكدون ذلك.
ورغم أنهم لم يروا فرد نخبة شخصيًا من قبل، إلا أنهم رأوا وحوشًا سحرية مرارًا. كانت هناك فئران أرضية مختبئة في أنحاء بلدة التعدين، وكان المزارعون في الجوار يربّون خنازير وحشية منذ أجيال.
لكن حتى وقت قريب، لم يكن يُبقي هذه الوحوش عند حدّها سوى قوة التكنولوجيا والسحر المقدس لرهبان وكاهنات الكنيسة الكبار.
غير أن الوحوش الأقوى، حين تظهر، لم يكن أمامك إلا أن تختبئ… أو تموت.
هكذا كانت حياة البشر في أمة التنين الذهبي، بل وحياة معظم البشر في هذا العالم.
جلس "كارل" متوترًا على مقعده، ينتظر الممرضة لتأتي وتعطيه حقنة المصل.
كان هذا اليوم هو الأهم في حياة أي طالب شاب، اليوم الذي سيُحقن فيه بمصل "إيقاظ المانا"، المعروف أكثر باسم "المصل الإلهي"، ليكتشف ما إذا كان سينال قدرات تغيّر حياته، أو سيبقى مجرد عامل بسيط في بلدة مناجم الليثيوم بقية عمره.
كان هذا أيضًا آخر أيام "كارل" في المدرسة الحكومية، قبل أن يبدأ العمل بدوام كامل، أو يغادر هذا البلدة المتهالكة إذا حالفه الحظ. فإذا كان متوافقًا مع المصل، فسوف يُرسل الليلة نفسها إلى "الأكاديمية الإلهية الذهبية" ليتدرّب على مهاراته الجديدة كمدافع عن أمة التنين الذهبي.
كانوا قد جلسوا بالفعل ساعة كاملة يستمعون إلى خطابات المدير، وهو يذكّرهم بواجبهم تجاه الأمة، ومجد أفراد النخبة، وأهمية هذه الفرصة الممنوحة لهم. فهم في النهاية مجرد أبناء عمّال مناجم بسطاء، فقراء إلى حدّ التراب، ومن غير المرجح أن يصبحوا شيئًا آخر.
أغمض "كارل" عينيه بينما كانت الممرضة تدفع عربة عليها حقيبة مفتوحة إلى جانبه، وفجأة اندفع ألمٌ مروّع في ذراعه، ثم انطفأ وعيه للحظة. انتشرت المعاناة في كل خلية بجسده، وكأنه يُمزّق من الداخل، فيما غصّت رئتاه بالدم، حتى شعر وكأنه يغرق وهو جالس على الكرسي المعدني في قاعة مدرسته.
هذا خطأ… الحقنة من المفترض أن تؤلم فقط عند دخول الإبرة، لا بهذا الشكل.
ومع انطفاء وعيه، أدرك "كارل" أنه على الأرجح أحد ذلك الواحد من بين مئة، من يواجهون التفاعل القاتل النادر الذي يفرز المدافعين عن الأمة من عامة الشعب.
لكن بعد بضع ثوانٍ، عاد تنفّسه طبيعيًا، وبدأ الألم يتلاشى، وارتعشت عيناه لتفتحا مجددًا. وبعد ثوانٍ أخرى، استعاد وعيه رغم أن الألم ما زال ينهش خلاياه. كانت عينا الممرضة القرمزيتان، وهما أثر جانبي لحقنها بالمصل، تحدّقان فيه مباشرة مع ابتسامة خفيفة على وجهها.
ـ "ها أنت ذا. ظننت أننا فقدناك لوهلة. هذا فأل حسن، عدم وجود وفيات هنا يعني أن بينكم واحدًا قويًا."
ابتعدت المرأة قليلًا، وأخذ "كارل" يتأمل زيّها العسكري الأخضر المكوي بعناية، مع تنورة ضيّقة وحذاء بكعب. بدا مألوفًا لكنه غريب في الوقت ذاته. هل فقد بعض ذكرياته بعد الحقنة؟ أم أن في عينيه خللًا؟ لا، بالتأكيد هناك خلل في بصره، فالعالم ما زال ضبابيًا إن لم يركّز على شيء محدد.
ارتجف حين عاد الصداع يفتك برأسه، وانطلقت موجة جديدة من الألم في جسده، لكن المرأة ذات العينين الحمراوين لم تُبدِ أي قلق، بل تقدّمت إلى فتاة ممتلئة الجسم بالقرب منه، وأخرجت إبرة كبيرة مملوءة بسائل ذهبي متوهج من الحقيبة. من دون كلمة واحدة غرستها في ذراع الفتاة، التي أغمي عليها فورًا، ثم استعادت وعيها ببطء.
نظر "كارل" سريعًا إلى يديه، فرأى السمرة البرونزية المعتادة، لكن آثار الجروح والجلد المتشقق من طفولته التي قضاها يعمل في المناجم بعد المدرسة كانت قد اختفت تقريبًا، وحلّ مكانها أثر أحمر عميق يشبه ثلاثة خدوش طويلة تمتد على طول ساعده.
وبينما يحدّق بصمت في العلامة على ذراعه، بدت أكثر وضوحًا وواقعية، كأن اللحم قد تمزّق للتو، رغم أن جلده كان ناعمًا وسليمًا تحت أصابعه.
بعد دقائق، خيّم الصمت على أصوات الأطفال المذعورين، فرفع "كارل" رأسه نحو مقدمة القاعة، حيث كان ضابط بزيّ عسكري رسمي واقفًا خلف منبر، ينتظر انتهاء العملية.
انضمت إليه المرأة ذات العينين الحمراوين مع ستة رجال يرتدون معاطف بيضاء، ثم بدأ الضابط يتحدث:
ـ "شكرًا لكم جميعًا على تعاونكم. لقد انتهت تجربة الاختيار لهذا العام، ومن لم تظهر لديه العلامة يمكنه العودة إلى صفوفه كالمعتاد.
أما البقية، فهنيئًا لكم. لقد تم اختياركم كعباقرة الجيل الجديد لأمة التنين الذهبي. أنتم المباركون الذين سيقودوننا إلى النصر على أعدائنا، بفضل القوى الخارقة التي منحكم إياها المصل الإلهي."
اندفع الجنود إلى القاعة، وكان عددهم ضعف عدد الأطفال، فبدأ "كارل" يشعر بالذعر. عقله لم يستوعب بعد حقيقة كونه من المحظوظين، أولئك المتوافقين مع القوى المصطنعة، الذين سيصبحون سحرة، أو محاربين عظماء قادرين على شقّ الجبال، أو حتى معالجين أسطوريين قادرين على إحياء الموتى.
في البداية قاوم الأطفال فكرة أن الجنود سيأخذونهم بالقوة، خاصة أولئك الذين فشلوا في الاختيار. لكن المشكلة أن معظمهم بالكاد يستطيعون الوقوف بعد الحقن، فاضطروا للمساعدة. أما "كارل"، فقد كان مرتبكًا أكثر من أن يسأل عمّا يحدث في جسده، خوفًا من أن يكتشفوا أن شيئًا ما قد أخطأ مع المصل ويتخلّصوا منه.
أو الأسوأ… أن يعيدوه للعمل في المناجم.
بحسب ما تعلموه في الصفوف، كان من المفترض أن يكون بطلًا عظيمًا الآن، لا مراهقًا ضعيف البنية يتألم وغير قادر حتى على النهوض من كرسيه.
اقترب منه جندي وقال: ـ "تبدو مشوشًا قليلًا يا فتى. دعنا نحملك، وستكون بخير بعد بضعة أيام من النوم. فقط لا تنسَ أن تحلّ الواجب قبل وصولنا."
وهكذا وجد نفسه يُحمل إلى عربة قطار فاخرة، ويوضع في غرفة خاصة بها مكتب وزرّ اتصال على الجدار مكتوب فوقه "خدمة الغرف".
لكن لسوء حظه، بمجرد أن لامس رأسه الوسادة، غرق في نوم عميق.
لا يعرف كم من الوقت مضى، لكن حين استيقظ، وجد على المكتب كومة من الأوراق وكتابًا صغيرًا بانتظاره.
كان عنوان الكتاب: [إذًا، لقد أيقظت قواك]، وغلافه الكرتوني المرسوم بمرح أوضح أنه موجّه للأطفال.
صحيح أنه لم يكن كبيرًا في السن، فهو سيبلغ الرابعة عشرة هذا العام، لكن كونه آخر من بلغ سن البلوغ في صفه جعل جسده يبدو أصغر من أقرانه. لم يكن يميّزه سوى وجه وسيم، لكن حتى ذلك جلب له بعض المشاجرات.
إلا أن الأمر سيتغيّر الآن بفضل المصل الإلهي.
فتح الكتاب ببطء ليرى ما بداخله:
[إذًا، لقد أيقظت قواك. مبروك، ومرحبًا بك في الطبقة العليا من المجتمع، النخبة الخمسة بالمئة الذين وُجدوا متوافقين مع مصل الإيقاظ، الذي سيفعّل قريبًا القوى السحرية الكامنة في دمائكم، الموروثة منذ تأسيس أمتنا على يد التنين الذهبي الخالد نفسه.
رغم أنكم تعلمتم ذلك في الصفوف، إلا أن هناك أمورًا لم تعرفوها بعد. أولًا، لن تكتمل قواكم حتى تستخدموا المهارة الأولى المرتبطة بتخصصكم. فقط اتبعوا التعليمات في هذا الكتاب، وستكتشفون طريقة الإيقاظ الأساسية لقدراتكم.
وبعد إتمام تلك المهمة البسيطة، يمكنكم البدء بالواجب.]
قرأ "كارل" الصفحة الأولى ثلاث مرات قبل أن يقلب الصفحة. تلتها قائمة بعلامات مختلفة مرتبطة بالفئات المستيقظة، وكانت معظمها واضحة. شظايا جليد، نيران، سيوف، دروع، مخالب، أقواس، وحتى مروحة مزخرفة، جميعها مع شرح وأرقام صفحات تقود إلى طرق الإيقاظ الخاصة بها.
لكن لم يكن هناك شيء يشبه آثار المخالب.
فاتجه إلى واجب المنزل باحثًا عن إجابة، لكنه كان أكثر فائدة من لا شيء، إذ انصب كله على قدرات الطالب: مدى قوتها، وصفها، زمن التفعيل، السرعة، استهلاك الطاقة، الآثار الجانبية. باختصار، لم يستطع تعبئته بأي شيء.
كانت العلامات الأخرى واضحة تمامًا لما تمثله من قدرات. حتى الهالة الحمراء حول فأسين كانت بالنسبة إلى "كارل" دليلًا على "مقاتل هائج"، أما المخالب فلم تكن منطقية.
وجد علامة مشابهة لقدم حيوان تشير إلى نوع من الشامان أو الكهنة المرتبطين بالطبيعة، لكنها لم تكن بسيطة ومربكة كعلامته. هل من المفترض أن يكون مجرد كيس ملاكمة للوحوش؟ هذا لا يبدو صحيحًا أبدًا، فالكتاب أكد أن العلامات تمثل قوى خارقة.
وبعد ساعات من المحاولات، لم يجد إجابة واضحة لما يجب أن يفعله. عندها قرر استدعاء أحد الجنود للحصول على توضيحات قبل أن يصل القطار إلى وجهته.
.................................
.................
........
في النهاية اتمنى تكونوا استمتعتوا بالفصل
واتمنى لو في خطا في الترجمة توضحولي في التعليقات واتمنى تشجعوني وتدعموني عشان اكمل القصه
⚡ANORAK