1 - [رماد المدينة الجانبية]

[رماد المدينة الجانبية]

كان كلّ شيءٍ ساكنًا… ثم بدأ النبض.

نبضٌ خافت، كأن العالم نفسُه يتنفّس من أعماق لا تُرى.

تحت سماءٍ من الدم، وُلد الضوء الأول.

لم تكن هناك أرض، ولا سماء.

فقط سائلٌ أحمر يغلي، تتصاعد منه أبخرةٌ تلتفّ على شكل شرايينَ ضخمةٍ تمتد إلى اللانهاية.

في وسط ذلك البحر اللزج، ارتفع جسدٌ عملاق، تتخلله مئات العيون المفتوحة، وكلّ عينٍ كانت تبكي دمًا أسودَ يقطر على وجوهٍ بشريةٍ غارقةٍ في اللحم.

تلك الوجوه كانت تصرخ، تتحرك، تختنق، ثم تختفي في الجسد مجددًا.

ومن بين كلّ تلك الوجوه… رأى وجهه هو.

وجه “هان” يحدّق فيه من داخل الوحش.

.

شعر كأن قلبه يُسحب خارج صدره بخيوطٍ من العروق.

“ما هذا...؟ هل هذا أنا؟”

لم يجبه أحد، لكن همسًا انساب من عمق البحر الأحمر، صوتًا كأنّه يخرج من لحمٍ حيّ:

«حين تبتلعك الدماء... تذكّر .»

«..ين تبت...عك الدماء... تذكّر .»

«... تذكّر .»

الهمس صار صراخًا، الصراخ صار عواءً، ثم انفجر الضوء الأحمر من قلب الجسد العملاق، وأمطرت السماء دمًا حيًّا يتلوّى كالثعابين.

وفي لحظةٍ خاطفة، قبل أن يبتلعه كلّ شيء… رأى عينًا واحدة تحدّق فيه من بين مئات العيون، لم تكن كغيرها.

كانت هادئة… كأنها تعرفه، كانت عينه.

ثم سمعها تهمس بصوتٍ واحدٍ منفصل عن الضوضاء:

«تذكّر، يا من لم تُستيقظ بعد.»

ثم انطفأ كلّ شيء.

_________

في القرن الخامس والعشرين، تخيّل البشر أنهم بلغوا قمة التطور، لكنهم في الحقيقة كانوا يقفون على حافة الانهيار.

ذاك الزمن عُرف بـ عصر القوة، حين امتلك الناس كل ما يمكن قياسه بالأرقام، لكنهم فقدوا كل ما لا يمكن حسابه.

العالم كان هشًّا، يتماسك بالكاد، كزجاجةٍ مشققة لا تنتظر سوى لمسةٍ أخيرة لتتحطم.

في هذا العالم وُجد شاب يُدعى هانسن شيكلي. او كما يناديه الجميع هان.

شابٌ عادي، لا يمتلك موهبةً تذكر، ولا تاريخًا يُروى.

في أي قصة أخرى، كان سيُقتل في الخلفية قبل أن يحفظ أحد اسمه.

لكن هانسن لم يكن يحب القصص أصلًا.

كان يسخر من الحكايات التي يبدأ فيها الأبطال من العدم وينتهون أسيادًا لكل شيء.

أي منطقٍ يسمح بذلك؟ كيف يمكن لضعيفٍ أن يتجاوز من يملكون السلطة والمعرفة؟

الجواب دائمًا هو نفسه: نظام غش، فرصة غامضة، أو صدفة غير مبررة.

كان يراها جميعًا أعذارًا أنيقة لتغطية اللامنطق.

هانسن كان يضحك من تلك الحكايات، بمرارةٍ لا تخفى.

لم يكن يؤمن بالصدف، ولا بالنبوءات، ولا بأي يد خفية تحرّك الأحداث... فالعالم في نظره مكانٌ بلا معنى، والنجاة فيه ليست بطولة، بل خطأ إحصائي نادر.

للحظةٍ قصيرة، خُيّل له أنه ما زال يرى الدم.

نبضٌ خافت تردّد في أذنه، كأن شيئًا في صدره يحاول أن يتذكّر...

ثم تلاشى الإحساس، وتركه في صمت المصنع الرمادي.

'هذا مجرد حلم...'

"أنتَ، أيها الحقير... لماذا تجلس هكذا؟"

صوتٌ حادّ اخترق صمت المصنع، تلاه صفيرٌ قصير ثم صوت ارتطامٍ لاهب:

"سيشش!"

انغرس السوط في ظهر الفتى، تاركًا أثرًا أحمر متعرجًا على جلده الشاحب.

وقف الرجل النحيف صاحب السوط، قامته لا تتجاوز الخمسة أقدام، وملامحه متيبسة كقطعةٍ من الطين اليابس.

وعلى جلده بقعٌ حمراء قديمة، ويعلوا وجهه ابتسامةٌ باردة تُشبه شقًّا في صخر.

رفع نظره نحو الفتى الجالس على الأرضية السوداء الخشنة، مطويًّا على نفسه كمن يحاول أن يختفي من الوجود.

لم يتردد صاحب المصنع في رفع يده مجددًا، وأهوى بالسوط مرارًا، والهواء يمتلئ بصوت الجلد وهو يمزق الصمت.

"طاااخ!"

"سيش!"

انبطح الفتى على الأرض، ولفّ ذراعيه حول رأسه، رافعًا ساقيه للأمام ليتلقى السوط بدلاً من وجهه.

لكن الرجل لم يتوقف، بل زادت قسوته مع كل حركةٍ بطيئة من جسدٍ ينهار ببطء.

قطع صاحب المصنع حبل افكار هان، وتذكره لحلم الصباح المرعب والغريب.

'مجدداً... نفس الألم، نفس الرائحة، نفس النظرات الخاوية.'

وفجأة، اندفع جسدٌ ضخم من بين العمال، وألقى بنفسه فوق الفتى، ليحميه بجسده العريض.

صوته خرج مرتجفًا:

"سيد جيل، أرجوك... توقف!"

تجمّد صاحب المصنع لحظة، ثم رفع حاجبه بابتسامةٍ مائلة وقال بسخرية:

"ها هو الحقير الكبير."

رفع الرجل الضخم رأسه، وجهه يقطر عرقًا وخوفًا:

"أرجوك، سامح ولدي... لقد أخطأ، لن يتكرر هذا أبدًا."

جيل نظر إليه كما ينظر أحدهم إلى شيءٍ مكسورٍ فقد قيمته.

كان الرجل الضخم راكعًا، ومع ذلك لم يكن أقصر من جيل كثيرًا، لكن الفارق الحقيقي لم يكن في الطول... بل في السيطرة.

"ولدك هذا من سمح له بالجلوس وترك العمل؟"

"لقد أخطأ يا سيدي، أرجوك... هذه المرة فقط."

ابتسم جيل ابتسامةً خافتة، تمرّ كجرحٍ صغير في وجهٍ بارد:

"بيلجران، أنت عامل مجتهد، وأقدر ذلك. لكن ابنك الصغير تسبب لي ببعض الخسائر... وأنت تعرف أن الخسارة لا تُغفر هنا."

توقف قليلًا، ثم أضاف بنغمةٍ هادئة تقطر احتقارًا:

"لكنني رجل لطيف كما تعلم، لذا... لن آخذ منه سوى أجرته لهذا اليوم."

ثم استدار مبتعدًا، يلوّح بالسوط بخفةٍ مَرِحة، كأنه خرج لتوّه من لعبةٍ ظفر فيها بالجائزة الكبرى.

'لا جديد... مجرد يومٍ آخر يمرّ تحت سوطٍ مالك المصنع اللعين.'

نظر هان إلى والده بوجهٍ باردٍ خالٍ من أي ملامح، عيناه الداكنتان ساكنتان كقطعتين من الفحم، وشَعره الأسود الفحمي ينسدل على جانب عينه اليمنى، يخفي نصف تعبيره الباهت.

أومأ برأسه بصمت، ثم وقف على قدميه، التقط كيسًا أسودَ مهترئًا، واتجه نحو أقرب كومة قمامة، وبدأ في إكمال عمله كأن شيئًا لم يحدث.

كان عمله بسيطًا... أو بالأحرى مملاً إلى حدّ القسوة.

فرز النفايات إلى ما يمكن إعادة تدويره، وما لا فائدة منه فيُلقى إلى ماكينة الطحن لتسحقه بلا تردد.

'من الغريب أنني أحفظ صوت الماكينة أكثر مما أحفظ صوتي.'

'حتى الرائحة لم تعد تزعجني... ربما اعتادتني مثلما اعتدتُها.'

منذ كان في الثانية عشرة من عمره، عمل هان في هذا المصنع، بجانب والده الذي قضى فيه عشر سنواتٍ كاملة.

عالمهما كان يختصر في هذا المكان... العرق، الصدأ، والقمامة.

وسرعان ما حلّ المساء، غطّى الظلام أضواء المصنع الخافتة، وأنهى هان عمله كعادته.

'الجميل في العيش وسط القمامة... أنك لا تخاف من السقوط أكثر.'

كانت أسرة هان تعيش في المدينة الجانبية، مدينة الفقراء والعمال، البعيدة تمامًا عن عالم الأغنياء وأسوارهم العالية.

امتلأت تلك المدينة بكل ما هو مرفوض في العالم الآخر؛ مصانع الأدخنة السوداء، النفايات، والمخلفات التي لا تقترب منها المدن اللامعة.

ومن بينها ايضا مصنع جيل لجمع القمامة وإعادة تدويرها، أكبر شاهدٍ على ما يُسمى بالعدالة في هذا العصر.

منذ ثلاثمئة عام، عاش البشر على كوكب الأرض في سلامٍ نسبي، وكانت حياتهم أبسط، أقل ضوضاءً، وأقرب إلى التوازن.

لكن ذلك كان زمنًا آخر، زمنًا دفنته التغيّرات الكبرى كما تُدفن الذكريات في مقابر من الصدأ والغبار.

'الإنسان كائنٌ يجيد التكيف... حتى مع الجحيم.'

'يقولون إننا نعتاد كل شيء، حتى الظلم، إن تكرّر بما فيه الكفاية.'

اختفت مفاهيم المساواة والسعادة العامة منذ زمنٍ بعيد، واستُبدلت بمفاهيم جديدة أكثر قسوة.

فئةٌ تتألّم لتعيش، وأخرى تنعم دون أن تشعر بغيرها.

العالم لم يعد يبحث عن العدل، بل عن التوازن، مهما كان الثمن.

انتظر! ومن قال إن الضعف عيب؟

لقد صار جزءًا من المعادلة.

فكما يحتاج الجسد إلى عضلاتٍ تحرّكه، يحتاج أيضًا إلى خلايا ضعيفة ليتذكّر أنه حيّ.

هكذا صارت البشرية تنجو... لا بالقوة وحدها، بل بالقبول الصامت بأن لكل قوّةٍ ظلًّا أضعف منها يحمل عنها الألم.

بعد عدّة دقائق، وصل هان ووالده إلى المنزل.

كان المجمع السكني الذي يعيشان فيه عبارة عن مبنى دائري ضخم من عشرة طوابق، في كل طابقٍ مئات الغرف الصغيرة المتلاصقة.

كانت تلك المجمعات هي ما يُسمّيه الناس منازل الفقراء، جدرانٌ رمادية باردة، تُشبه سجونًا تعبت من انتظار الانهيار.

كل غرفةٍ كانت عالمًا صغيرًا لعائلةٍ تنتظر دورها في الموت البطيء.

دخل هان برفقة والده إلى غرفتهم الضيقة، ونظرا حولهما باحثين عن سيدة المنزل.

"مرحبًا يا عزيزاي، لقد أعددت العشاء وكنت بانتظاركما."

ابتسم بيلجران وقال بصوتٍ متعب:

"أهلًا بكِ، إلينا... نحن جائعان حقًا."

نظرت إليهم إلينا، بعينيها المرهقتين اللتين لم تفقدا دفء الأمومة بعد. وما إن رأت الجروح على جسد هان، حتى اتسعت عيناها خوفًا.

"ماذا حصل، بُني؟ ما كل هذه الكدمات؟"

"لا شيء يا أمي، مجرد آثار من سوط ذلك اللعين."

عضّت إلينا شفتيها، ثم وضعت يديها على رأسه وضمّته إلى صدرها.

"أنا آسفة يا صغيري، لا ينبغي لطفلٍ مثلك أن يتحمّل ما يتحمّله البالغون."

ابتسم هان ابتسامة خفيفة شابها سخرية:

"ولكنني لم أعد طفلًا يا أمي."

قرصته برفق في أذنه وقالت بحنانٍ مكسوّ بالصرامة:

"وستظل طفلًا مهما كبرت، أيها الأحمق، بالنسبة لأمك."

"حسنًا، لن أجادلك... لكن أذني تؤلمني فعلًا، صدقيني ضربات جيل كانت أرحم من هذا."

ضحك الثلاثة للحظةٍ قصيرة، كأنهم سرقوا ثانيةً من عالمٍ لا يسمح بالفرح.

ثم وضعت إلينا العشاء على الأرض الباردة، وجلسوا جميعًا حوله.

كان العشاء فخمًا بمقاييس الفقراء: لحم بقري مشوي، قطع خبزٍ يابسة، بضع بيضات، وبعض الصودا السوداء.

نعمةٌ جاءت من عمل إلينا في مطعمٍ للأغنياء، حيث كان راتبها هو بقايا طعامهم.

جلسوا يتناولون الطعام بصمت، إلا أن نظرات الزوجين التقتا فوق المائدة، نظراتٌ فيها قلقٌ ثقيل.

شعر هان بهما، فمسح فمه بطرف ثوبه، ونظر إليهما باستغراب.

"ماذا؟"

تنهد بيلجران ببطء وقال:

"بُني... الشهر القادم ستخضع لاختبار الاستيقاظ، هل أنت مستعد؟ ربما... لا تعود منه."

رفع هان رأسه، نظراته كانت هادئة على نحوٍ غريب.

"وكأن لي خيارٌ يا أبي. القانون لا يمنحنا حق الرفض. لكن..."

توقف لحظة، ثم تابع بصوتٍ منخفضٍ يشبه الحلم المكبوت:

"هذه فرصتنا الأخيرة لمغادرة المدينة الجانبية والعيش بين الأغنياء."

قبض قبضتيه بقوةٍ حتى ارتجف الهواء حوله.

"فقط إن نجحت، سأستطيع تحدي المستويات وكسب المال. عندها ستحمينا الحكومة، ونحصل على منزلٍ في المدينة الرئيسية. كل ما عليّ فعله هو أن أصبح... مستيقظًا."

تنهّدت إلينا، ونظرت إليه بعينين غارقتين في الخوف.

"وماذا لو لم تعد من المستوى الأول، يا بني؟"

ابتسم هان بخفوتٍ لا يخلو من مرارة.

"حينها، سأرتاح من اللعين جيل."

سقط الصمت على المائدة كغبارٍ كثيف، واستمروا في تناول طعامهم بصمتٍ ثقيل.

لم يتحدث أحد، وكأن الكلمات نفسها تخاف مما سيأتي. فبعد كل شيء... لا أحد في المدينة الجانبية يرسل ابنه إلى اختبار الاستيقاظ إلا وهو يعلم أنه يرسله إلى الموت.

لكن بعضهم، رغم ذلك... ينتظر النتيجة.

2026/01/07 · 52 مشاهدة · 1519 كلمة
Jacob
نادي الروايات - 2026