[ حين انشقت الارض ]
في الصباح، ذهب هان إلى عمله برفقة والده بيلجران كالمعتاد.
يومٌ آخر، لا يختلف في شيءٍ عن سابقه؛ نفس الشاحنات الصدئة، نفس رائحة الحديد المحترق، ونفس أصوات الطحن التي تلتهم كل ما تبقى من صبر البشر.
ثلاث سنواتٍ مضت، والمشهد ذاته يُعاد بلا تغيير.
الآلات تئنّ، العرق يتصبب، والرجال يتحركون كظلالٍ فقدت أجسادها منذ زمن.
"أشعر أن اليوم جميل!"
قال أحد العمال بجانبه بابتسامةٍ ساذجة، فالتفت إليه هان بصمتٍ ثقيل، ثم أعاد نظره إلى أكوام القمامة أمامه.
ما الجميل في أكوامٍ من العفن؟ في أصواتٍ تذكّرك بأنك مجرد ترسٍ صغير في آلةٍ أكبر منك؟
فكّر هان، لكنه لم يقل شيئًا.
كان يؤمن أن الصمت هو الجدار الأخير بينه وبين الحمقى... وبين مصائبهم التي لا تنتهي.
لكن تلك الكلمة “جميل” ظلّت ترنّ في رأسه بثقلٍ غريب. كأن اليوم يبتسم قبل أن يعضّ.
هبّت رياحٌ حارّة من إحدى الماكينات، محمّلة برائحة معدنية خانقة.
كانت الرياح تفوح منها رائحة معدنية تشبه الدم… نفس النبض الذي سمعه في حلمه، عاد يطرق صدره من جديد.
شعر هان بأن الهواء نفسه يحمل نذير كارثةٍ قادمة،
لكن ذاكرته ما زالت طازجة بالضربات التي تلقّاها بالأمس، فأجبر نفسه على تجاهل كل شعورٍ داخله، وأكمل في جمع القمامة ووضعها في الأكياس السوداء دون تردّد.
ثم سُمع الصوت...
صوتٌ غريبٌ، عميقٌ، كأنه خرج من جوف الأرض، يمتدّ عبر كل أركان المصنع، يختلط بأزيز الآلات، ويتحوّل شيئًا فشيئًا إلى صراخٍ معدنيٍّ شيطانيٍّ يخرق الآذان.
توقفت الأيدي عن الحركة.
العمال تبادلوا النظرات، قبل أن يدوّي صريرٌ حادّ من تحت أقدامهم.
ما إن تعافى العمال من الصدمة، حتى بدأت الأرض تنبض تحت أقدامهم كقلبٍ مختنقٍ بالحياة.
ومن داخل الشقّ الكبير، خرجت فروعٌ دقيقة، داكنة اللون، تتلوّى كأنها تبحث عن الهواء... ثم راحت تتسلّق إلى الأعلى بسرعةٍ مريبة.
تنامت الأغصان في لحظات، وتفتّحت عليها أوراقٌ سوداء كالرماد.
وفي قلب الفوضى، بدأت الكتلة تنمو وتتشابك حتى تحوّلت إلى شجرةٍ عملاقةٍ اخترقت سقف المصنع،
ارتفعت جذوعها إلى السماء، تلتفّ حول نفسها كعروقٍ سوداءَ تبحث عن قلبٍ تنبض فيه.
يزيد ارتفاعها عن مئة متر، تُلقي ظلًّا خانقًا على كل شيءٍ تحتها.
تجمّد العمال في أماكنهم، وجوههم شاحبة، أعينهم تائهة بين الخوف والذهول.
صرخ أحدهم بصوتٍ مبحوح: "شجرةُ فوضى!"
وردّ آخر مرتجفًا: "لماذا... لماذا لم تحذرنا الحكومة؟!"
وقبل أن يكتمل السؤال، انبعث من الأرض أمام الشجرة وميضٌ أزرق باهت، تكوّن على هيئة دائرةٍ متّسعة، كنافذةٍ مفتوحةٍ إلى فراغٍ سماويٍّ لا يُدرَك عمقه.
كانوا قد سمعوا عن “بوابات الفوضى” في نشرات الأخبار… لكن لا أحد ظنّ أن أول واحدة ستُفتح هنا.
ومن داخل الدائرة، بدأت تتشكّل أشكالٌ بلورية تتوهّج بضوءٍ غامقٍ، أشبه بنورٍ أسودَ يحمل كراهيةً خالصة.
ثم انفجرت البلّورات إلى شظايا، ومنها خرجت مخلوقاتٌ متعرّجة الجسد، تلمع على رؤوسها قرونٌ حديديةٌ حلزونية، وفي أفواهها نابان طويلان يمتدان حتى عنقها.
كانت عيونها مضيئةً بلونٍ قرمزيٍّ قاتم، ونظراتها تفيض بنيّةٍ واحدة القتل... وسفك الدماء.
انقضّت الوحوش من كلِّ اتجاه، تدفّقت كطوفانٍ أسودَ يبتلع كل ما يصادفه من أجسادٍ بشرية.
لم يُتح لأحدٍ أن يصرخ، فالهواء امتلأ بأصوات التمزيق، واللحم المبتور، والعظام التي تتحطّم تحت أنيابٍ معدنيةٍ لا تعرف الشبع.
كانت رائحة الدم الحارّ تمتزج برائحة الزيت والحديد، لتخلق مزيجًا خانقًا من الموت لا يمكن نسيانه.
صرخ أحد العمال قبل أن يُسحب من ساقيه ويختفي داخل فم المخلوق، تارِكًا خلفه صدى صراخٍ يتلاشى مع هدير الماكينات.
الحراس أخرجوا أسلحتهم النارية في محاولةٍ يائسة،
وانطلقت الطلقات كأمطارٍ معدنية، لكن الرصاص ارتدّ عن أجساد الوحوش كما لو اصطدم بالفراغ نفسه.
لم تترك الطلقات خدشًا واحدًا على جلودهم الحديدية.
"بوابة!.. إنها بوابة!.. اهربوا، أيها الأغبياء!"
صرخ أحد الحراس وهو يركض مذعورًا، كفأرٍ أعمى وجد نفسه في فم نمرٍ جائع.
في تلك اللحظة، توقفت الجحافل دفعةً واحدة، كأن أمرًا غامضًا صدر في أعماقها.
سُمع هديرٌ عميقٌ من الشجرة السوداء، وشرعت مادةٌ حمراء لزجة بالتقطّر من جذعها، تغلي وتتبخر قبل أن تلمس الأرض.
ارتفعت رؤوس الوحوش نحو الشجرة، ثم عادت بعيونٍ اشتعلت بلونٍ دمويٍّ قاتم، وارتفعت أصواتها في نغمةٍ واحدةٍ أشبه بالهوس.
ثم... انقضّت من جديد.
هذه المرة أسرع، أعنف، وكأنها تخشى أن تهرب فريستها منها.
تمزّق اللحم، تحطّمت العظام، وامتلأ المصنع بصوت الموت... لا شيء غيره
بعيدًا عن مركز المصنع، كان هان واقفًا في صدمةٍ صامتة قرب البوابة الداخلية.
لم يفهم ما يراه، فقط أدرك أن شيئًا أكبر من الحريق والانفجار يحدث... كأن الأرض لفظت ما في جوفها من كراهية.
على بُعد عشرات الأمتار منه، كان مفتاح الهروب يلوّح له، لكن شيئًا آخر في صدره منعه من التحرك نحوه.
"أبي..."
همس بالكلمة كمن يستدعي روحه من الأعماق، ثم اندفع فجأة إلى الداخل، عكس اتجاه الجميع، نحو عمق المصنع، حيث الشجرة السوداء والبوابة التي انبثقت منها الكارثة.
ركض بكل ما يملك من قوة بين الماكينات العملاقة،
يتسلّل بين الظلال والدخان، متجنبًا أنظار الوحوش التي تمزّق كل شيء حولها.
كان هدفه واحدًا: ماكينة الطحن الرئيسية، حيث يعرف أن والده ما يزال هناك.
وبالفعل...
حين وصل، رأى بيلجران، والده، يقف وسط الجحيم.
كان جسده العريض يتصبّب عرقًا، ويده القوية تقبض على رشاشٍ ثقيل، يطلق النار بلا توقف.
كانت الطلقات ترتدّ عن جلود الوحوش كالرماد، لكن حين أصابت أحدها في عينه، سقط يصرخ بجنون.
عرف هان في تلك اللحظة أن الوحوش ليست منيعة... فقط قاسية.
بيلجران لم يكن مقاتلًا، بل عاملَ قمامةٍ بسيطًا عاش عمره بين الحديد والعرق،
لكنّه اجتاز اختبار "الاستيقاظ" في شبابه، وعاد حياً رغم عدم استيقاظه.
تعلّم حينها شيئًا من فنون القتال في أكاديمية المستيقظين في الفترة التأهيلية.
اندفع أحد الوحوش نحوه.
كان ضخمٌ كجدارٍ من الحديد الأسود، وابتلع ذراعه التي تحمل السلاح في لحظةٍ واحدة، فانفجر الدم من كتفه كشلالٍ أحمر.
صرخ بيلجران، صوتٌ غليظ اختلط بالأزيز والضجيج، ثم تدافع نحوه وحشٌ آخر، تلاه ثالث... حتى ابتلعوه وسط صدى الطلقات المتقطعة.
ومن على بعد أمتار، زحف هان أسفل إحدى الماكينات، عيناه متسعتان، تشاهدان ما لا يمكن للعقل أن يصدّقه.
رأى ذراع والده تُقتلع من مكانها، وجسده تلتهمه الوحوش.
أبي...!
زحف هان بكل ما تبقّى من قوته.
أخرج جسده من الفجوة أسفل الماكينة، ثم اندفع راكضًا.
قدماه تضربان الأرض بارتباكٍ جنونيّ.
عيناه لا تريان شيئًا سوى جسد والده الملطّخ بالدماء، ولا يسمع سوى دقّات قلبه، تتسارع كطبولٍ تدقّ في جنازة العالم المظلم.
اندفع نحو الوحوش... دون سلاح، دون عقل، كأن شيئًا أعمق من الخوف قد استيقظ فيه.