[ دموع في الظلام ]
اندفع هان كأن الأرض تلفظه من جوفها، قدماه تضربان أرض المصنع الملطّخة بالدم والحديد، وعيناه لا تريان سوى والده المحاصر بين أنياب الوحوش.
كل شيءٍ حوله بدا ساكنًا، إلا دقّات قلبه التي كانت تصرخ داخله كطبول حربٍ بلا قائد.
ومن بين الماكينات المتصاعدة أبخرتها، خرج بيلجران، جسده يقطر عرقًا وغبارًا، عيناه اتسعتا حين لمح ظلّ ابنه يندفع في قلب الجحيم.
ارتجف صوته في صدره، لكن الخوف حوّله إلى صرخةٍ ممزقة اخترقت ضجيج المصنع كالسيف:
"توقّف أيها الأحمق!؟!"
ترددت كلماته في الهواء كصفعةٍ من نار، صدى ثقيل تساقط في رأس هان، أيقظه من غفلته كما لو غُرزت خناجر في وعيه.
تجمّد في منتصف اندفاعه، وتباطأت خطواته حتى صار كمن يجرّ أقدامه وسط وحلٍ من الذنب.
بينه وبين والده كانت المسافة قصيرة… لكنها صارت فجأة أطول من أن تُقطع.
نظراتهما التقت في لحظةٍ واحدة، لحظةٍ انكسر فيها شيء عميق في صدر هان؛ لم يكن الخوف من الموت، بل الخوف من أن يعيش بعده.
ارتجف جسده، أحسّ بالضعف يزحف في أطرافه، وبالهواء يضيق في رئتيه.
كأن تلك الكلمات وحدها نزعت منه كل شجاعةٍ زائفة، وتركته أمام الحقيقة العارية:
أنه لا يستطيع إنقاذ والده… ولا حتى نفسه.
تعثّر في خطاه، ووقف ساكنًا وسط دخانٍ كثيفٍ يفصل بينه وبين الرجل الذي ربّاه.
كل شيءٍ في داخله أراد أن يركض، أن يصرخ، أن يتحدى العالم، لكن جسده لم يُطعْه… وكأن أوامر أبيه كانت أقوى من الحياة نفسها.
بمجرد أن تباطأت خطواته، التفتت الوحوش نحوه كما لو استشعرت رائحته ... رائحة التردّد والخوف.
من بين تلك الكائنات المتحشّدة عند والده، انطلق أحدها نحو هان، مزلزلاً الأرض بخطاه الثقيلة، وزئيره يخترق ضجيج الماكينات كإعلانٍ عن موتٍ قادم.
كان صدى صوت بيلجران ... يتردّد داخل رأسه كجرسٍ مكسورٍ لا يصمت.
الكلمات تحولت إلى أغلالٍ تشدّ قلبه للخلف، تمنعه من التقدّم وتدفعه نحو الجنون.
عقله مشلول، ودماؤه تغلي بالعجز؛ يريد أن يركض نحو والده، أن يمزّق بأظافره لحم تلك الوحوش، لكن جسده الضعيف يخذله… كأن العالم نفسه يسخر منه.
وفي أعماقه ارتفع صوت آخر، خافت لكنه حادّ كالنصل:
'إن متَّ هنا، من سيعتني بامي؟… يجب أن ينجو أحدنا.'
الفكرة كانت كطعنةٍ باردةٍ في صدره، الحقيقة الملعونة التي أيقظتها صرخة والده في لحظةٍ من الصراخ.
رفع بصره للحظة، رأى وحشًا ضخمًا يشقّ طريقه نحوه، عيناه تشتعلان بجنونٍ بدائي، وسيفان من العظام يمتدان من ذراعيه بدل الأصابع.
لم يمهله الوقت للتفكير... ذراعه اليمنى تأرجحت في الهواء، تشقّه كالعاصفة.
شعر هان بالريح قبل أن يشعر بالألم، ثم وجد جسده يُقذف كدميةٍ من القماش، ارتطم بالأرض وارتدّ مرتين قبل أن يتدحرج بعيدًا.
كلّ ارتطامٍ كان يُخرج من صدره أنينًا مكتومًا، حتى استقرّ أخيرًا على ظهره، يرى السماء الرمادية من الفتحة في السقف المنهار والدخان المتصاعد يعلوا الي السماء، وقلبه يهمس بارتجاف:
'هل كانت هذه نهايتي'
مستلقٍ على الأرض بين اليقظة وفقدان الوعي، كان هان يحدّق بالوحش الذي يقترب منه، عينيه تلتقط كل تفصيلة من تلك النظرة الشيطانية، فكّه يسيل منه دماء ضحيته السابقة، جثّة مزقتها أسنان هذا الجحيم المعدني.
كل حركة للوحش كانت تتلف الجو من حوله، الهواء يهتزّ من داخله، وصوت أنفاسه الثقيلة يضغط على صدر هان كحجرٍ يضغط على قلبه.
من بعيد، جاء صوت والده، صارخًا عبر صرخات الكارثة: "تحرك يا بني… لا تستسلم!"
ارتجف هان، وامتزج الغبار والعرق على خده، لكنه اجتهد في الاستجابة، زاحفًا بعينيه نصف مفتوحتين إلى أسفل إحدى الآلات، حيث الفجوة التي كانت تكاد تبتلعه لو لم يكن يعرفها منذ زمن.
زمجر الوحش، صوت أشبه بالبركان، غاضبًا لاختفاء فريسته، ومدّ يده الشيطانية أسفل الآلة الضخمة، محاولًا انتزاع جسد هان الضئيل.
كل ثانية كانت تمر وكأنها أبدية، وكل ارتكاز للأرض كان يرسل رجفة إلى عموده الفقري، ينذر بالموت القادم.
لكن هان تحرّك بسرعة مباغتة.
جسده ينزلق بين أذرع الحديد كما لو كان شبحًا، مبتعدًا عن يد الوحش القاسية.
الزحف، التسلق، التلوّي بين الفجوات، كل حركة محسوبة، كل نفس مسروق من الموت نفسه.
كانت آلات المصنع تتحرك من حوله، تهزّ الأرض، تصمّ الآذان، لكنها أصبحت حلفاءً لجسده النحيف.
شكلت تلك الآلات طريقًا للهروب من فم الجحيم الذي يزأر خلفه بلا هوادة.
سمع صراخ والده يتخلل الصخب، صراخ ملأ الجو باليأس والأمل، وهو يقاتل الموت بكل ما تبقى من قوته البشرية العارية.
انفجر في صدر هان شعورٌ لم يعرفه من قبل — مزيج من الندم، العجز، والخوف القاتل.
دموعه لم تكن دموع طفل يشتكي، بل تدفقت كأنه يحمل كل ألم العالم في عينيه، ثقيلة، حارقة، محملة بكل هزيمة ممكنة، تنساب على وجهه وهي تختلط بالغبار والعرق، كأن الأرض نفسها تمتصه في صمتٍ قاتل.
شعر بالوحدة المطلقة، بالضياع بين الألم والخوف،
عرف في قلبه أن مصير والده قد تم حسمه بالفعل، وأن لا مهرب له من الحقيقة المرة.
كان يعلم أنه يفعل الشيء الصحيح ... ترك والده خلفه ليبقى شيء على الأقل حيًا لأمه ... لكن الضمير لم يهدأ، كأن سكينًا حادّة تُحرّك كل ثانية في داخله، تعذّبه على كل خطوة يخطوها.
'لماذا! لماذا! لماذا!'
صدى هذه الكلمات هزّ قلبه كما لو كان الأرض تهتز تحت قدميه.
امتلئت الأرض السوداء بعويل هان، عويل لا يشبه صراخ طفل، بل نحيب رجلٍ أحرقه الألم وفقد كل شيء.
يزحف بين الآلات الضخمة، يمر بجثث البشر الممزقة، وعيونه تلتقط أنياب الموت وهي تفترس الجثث بلا رحمة.
تمنى أن يخرج من تحت الحديد ليجد والده واقفًا أمامه، ابتسامته تُنير الظلام وتبث الطمأنينة، لكن الحقيقة قاتمة، والواقع بلا شفقة.
استمر هان يتحرك بجسده المثقل بالآلام، كل عضلة منه تهتف بالضعف والعجز، حتى بلغ آلة بالقرب من البوابة الداخلية للمصنع.
كانت جحافل الوحوش لم تصل بعد، لا تزال تلتهم من خلفه، تاركة له فسحةً ضئيلة من النجاة.
خطّط بخطوات متعثرة للهروب، لعله يستدعي من يمكن أن ينقذ ما تبقى من مأساة.
زحف أخيرًا من أسفل آخر آلة، ورفع رأسه، يتنفس الصعداء، يمسح العرق والدم والدموع عن جبينه.
لكن ما رآه أمامه جعل قلبه يتوقف، وعيناه تتسعان بصدمة تقطع الصدر.
أمام هان كان شيء لم يكن مستعدًا لرؤيته، شيءٌ أعمق من الرعب، أكثر صمتًا من الموت نفسه.