[ آخر انفاس المصنع ]
بعيدًا عنه ببضعة أمتار.
كان يقف الوحش الذي ضربه سابقًا، هائلًا، كأن الظلام نفسه تجسّد في شكل شيطان مشوه.
جسده يتصبب دماءً قديمة وحديثة، وعروق عنقه متورمة كأفعى غاضبة، وفمه مفتوح على مصراعيه، يرسل زفيرًا حادًا كصوت المعادن الممزقة، كأن الأرض ترتجف من تحرّكاته.
عيناه الحمراوتان، محتقنتان بالدماء، كانت تنظر مباشرة إلى هان، وكأنهما ترى إلى أعماق روحه.
كل نبضة في صدر الوحش كانت تُرسل موجة تهديد كأنها تقول: سأبتلعك حيًّا، سأمزقك حتى آخر ذرة من لحمك، لن ينجو منك شيء.
أسنانه الطويلة والملطخة بالدم تتلألأ تحت ضوء فتحة السقف، كل ناب كالسيف، كل عضّة محتملة كحكم إعدام لا مفر منه.
الوحش لم يتحرك بعد، لكنه كان كائنًا جاهزًا للانقضاض، يعبّر عن نية قتل صافية، متوحشة، لا تتراجع، كالبركان الذي يغلي في صمت قبل الانفجار.
الهواء حوله كان يثقل، يضغط على صدر هان، يجعل كل نفس صعبًا، كأن الخوف نفسه يتسرب إلى جسده ليجمّده.
'إذا… هذه النهاية…' همس هان لنفسه، صوته يختنق بين الحسرة والدم والدمار.
'آسف يا أمي… لقد ذهبنا أنا وأبي وتركناك…' صرخ داخله شعور بالذنب ينهش قلبه كوحش آخر، أكثر قسوة من هذا الذي أمامه.
أغلق هان عينيه، ينتظر الصدمة، اللحظة التي سينقض عليه فيها هذا الكابوس المتحرك، منتظرًا أن يُمزق صدره، بينما كل شيء حوله يتحول إلى دوامة من الرعب والدماء والدمار.
تمنى هان أن يكون الألم الذي سيأتي خفيفًا، إلا إذا اختار الوحش أن يستمتع بفريسته حتى آخر لحظة.
لحظة تلبّدت فيها كل صرخاته الداخلية، ثم لحظة أخرى، وفجأة اخترق الصمت صوت قطع مرعب، قادم من أمامه مباشرة، كأن السماء نفسها انشقّت على الأرض.
رفع هان رأسه، وفتح عيناه على اتساعهما، والصدمة تجمدت في عروقه؛ هناك، بعيدًا عنه، كان الوحش ملقى على الأرض، رأسه مفصول عن جسده، الدم يتجمّد على الأرض كالزجاج الأحمر.
نظره التفت حوله بسرعة، وكأن عقله يحاول تفسير المستحيل، حتى استقر على ظلٍ واقفٍ بجانب جثة الوحش.
كانت تحمل بين يديها خنجرين، أحدهما يقطر دم الوحش، لكنها لم تكن مجرد انسانة عادية…
شيئًا في وقفتها، في هدوئها، في كل حركة، جعل الهواء يتغير من حولها، وكأن العالم كله توقف للحظة واحدة.
الهالة التي تحيط بها كانت غريبة، رائعة، ومرعبة في آنٍ واحد، جمالها لا يمكن تجاهله، حضور مخيف يمنعان عيان من ان ترف، عينان حادّتان تجلسان على كل شيء حولها، وبرودة شديدة انبعث من عينيها.
شعرها الأحمر اللامع يلمع كخناجر قاتلة من النار تحت أضواء المصنع المتكسرة، وعيناها البنيتان الصغيرتان تشعّان برودة قاتلة، كجليدٍ يبتلع كل حرارة، ووجهها الخالي من الملامح والعواطف جعل هان يتجمد في مكانه.
نظرتها انتقلت إليه للحظة، قصيرة لكنها كافية لتزرع الرهبة في قلبه، ثم حوّلت تركيزها نحو الداخل، نحو جحافل الوحوش المتوحشة، وكأنها تحدق في العالم كله بعينٍ واحدة صارمة، باردة، لا تعرف الرحمة.
ثم انطلقت، حركة واحدة، سريعة، مذهلة، كنسمة تتحول إلى إعصار. كل خطوة، كل قفزة، كل حركة كانت محسوبة بدقة قاتلة، تزرع الرعب في كل كائنٍ يقف أمامها.
هان لم يستطع متابعة سرعتها.
عينيه بالكاد تلتقط حركاتها، لكنه شاهد ما يكفي ليعرف.
رؤوس الوحوش تتطاير في الهواء وتسقط على الأرض دون أن يرى أحد من قام بقطعها.
واحدة… اثنتان… ثلاث… ثوانٍ…
كل ثانية كانت تمثل موتًا جماعيًا.
عويل الوحوش يملأ المكان، أصواتها تشبه صرخات كائناتٍ خسرت السيطرة على الجحيم الذي كانت تظنه لها.
في لحظة، تغيّر كل شيء من حولها. الكائنات التي كانت تفترس بلا رحمة صارت الآن فريسة سهلة.
كانت تجري خلفها بلا توقف، عاجزة عن لمسها أو التصدّي لها، بينما هي تتحرك وسط الفوضى بهدوء مطلق، بلا أي تردد أو خوف.
كل خطوة لها، كل حركة، كل ضربة، كانت مصحوبة بهالة من الغموض والجمال.
هان وقف مكانه، عينيه تتسعان، قلبه يختنق من الرهبة والدهشة معًا.
لم يكن يعرف إلى أين ينظر أولًا، هل على الوحوش الممزقة، أم على هذه الفتاة التي تبدو وكأنها تتحرك بين الواقع والخرافة في آنٍ واحد؟!
كان عاجزاً عن النظر أو التحرك، محاصرًا بمزيجٍ من الإعجاب والخوف، غير قادر علي تصديق ما يراه أمامه.
لم يمضِ سوى لحظات قليلة بعد أن سقطت آخر وحوش المصنع، وكان صمت رهيب يغطي المكان، تُمزقه فقط أنفاس هان المتقطعة وزحف جسده المنهك فوق الأرض الملطّخة بالدماء والجثث.
تجاهل هان كل ما حوله المستيقظة الواقفة بخنجرين يقطران الدم، والجثث المبعثرة، والضجيج الصامت الذي تركته الوحوش في أعقابها.
كل اهتمامه كان جسد والده، كل أمله الصغير يتمثل في أن يجد بيلجران حيًا، حتى لو كان محاصرًا، حتى لو كان قد تمزق بالفعل.
زحف بجسده النصف مشلول، كل حركة مؤلمة كأنها تذكرة من الجحيم الذي عاشه.
عرقه ودمه امتزجا بالغبار الأسود، عيونه مملوءة بالجنون والندم، ينبض قلبه بحزنٍ لا يحتمل.
وصل إلى قدم المستيقظة، وقفت هناك بلا حراك، نظرتها الباردة كالجليد تخترق المكان، لكنها لم تكن مهمة الآن.
لم يهتم هان بقوتها ولا بغموضها، لم يكن هناك شيء في العالم يهمه سوى جسد والده أمامه، كل خطوة نحو جسد والده الممزق كانت كصراع مع الزمن والموت، وكل ثانية تمر تُثقل روحه أكثر.
تجاوز قدميها دون أن يرفع بصره...
وواصل الزحف بعناد نحو الهدف الوحيد الذي يهمه جسد والده الضخم، فاقد إحدى ذراعيه، وقد تمزقت أحشاؤه على أيدي الوحوش، ولكنه، حتى في هذا المشهد الرهيب، كان كل شيء بالنسبة له.
اقترب هان من جسد والده الزاحف بين الدم والركام، كل حركة منه متعثرة، جسده نصف مشلول، وعيناه تغليان بالدموع والندم.
كل خطوة كانت كأنها تغرسه أكثر في وحل العجز، قلبه يصرخ داخله بلا توقف، صدى صرخة والده التي ما زالت تتردد في رأسه...
مدّ يده، يلمس الأرض حول الجسد، ثم تحسس باصابعه جسد والده...
كان يبحث عن حرارة الحياة، عن أي علامة تدل على أنه لم يُقتل بعد. لكنه لم يجد سوى الصمت القاتل، والدم المتجمد على اليدين والملابس.
شعر هان بشيء يتذبذب في داخله، شعور غريب بين الأمل واليأس، بين الرغبة في الصراخ والانهيار الكامل.
كل جزء من جسده يصرخ من العجز، وكل نفس يتنفسه يتألم.
رفع رأسه، تحدق عيونه الباكية في جسد والده، كل دمعة منه ثقيلة كحجر، تحرق وجهه وتختلط بالغبار والعرق.
كان يريد أن يصرخ باسم والده، أن يسحب جسده من بين الموت، لكن لا صوت خرج، فقط قلبه ينبض جنونًا، والظلام يلتهم ما تبقى من الصمود.
لحظة واحدة، قلبه توقّف، رأسه يسبح بين الواقع والوهم.
"ابي!؟... هل تسمعني؟..."
همس في داخله، صوته محطم، لا يجرؤ على نطق السؤال بصوت مرتفع، خائفًا من أن يسمع الحقيقة.
ظلّ هان يحدق، يزحف نحو جسد والده، يلمسه مرة أخرى، كل ألياف جسده تصرخ بالضعف، وكل روحه معلّقة بين الحياة والموت. لكنه لم يجد جوابًا، لم يجد حركة حقيقية، لم يجد حياة واضحة.
كان كل شيء حوله ساكنًا، المصنع، الدم، الجثث، وحتى الهواء كان كئيبًا وثقيلًا، وكأن العالم كله توقف عن التنفس.
ووسط هذا الصمت المرعب، ظل سؤال واحد يختنق في قلبه ويعصر رأسه...
هل بيلجران حيّ؟ أم أن الظلام ابتلعه بالفعل؟