[ عملية إنقاذ فاشلة ]
ظهر رجل فجأة بين الجثث المتناثرة على أرضية المصنع، خلف المستيقظة الغامضة، عيناه تتفحّصان المكان بسرعة، يزن الموقف بعين فاحصة.
ابتسم برفق، مخاطبًا السيدة المنقذة بنبرة ساخرة
"مرحبًا أيّتها السريعة… لقد أذهلتني سرعتك مجددًا."
أجابت هيلين بهدوء بارد، صوتها خالٍ من العاطفة تقريبًا، لكنه حمل لمحة من الاشمئزاز
"رغم ذلك، تأخرنا قليلًا."
ألقى الرجل نظرة سريعة حوله، ثم لمح شيئًا يتحرك على بُعد عدة أمتار. عينيه اتسعت بالدهشة والقلق
"ما هذا، هيلين… هناك ناجٍ!"
أومأت هيلين برأسها بهدوء، عينيها مركّزتان على ما يتحرك في الأفق.
"نعم… ويبدو أنّه يبحث عن أحد."
ارتسمت لمحة من الدهشة على وجه الشاب الاشقر، وعاد بنظره إلى جسد هان الزاحف ببطء على الأرض، متجهًا نحو جثة بيلجران.
لحظة… تلتها أخرى، كأن الوقت توقف للحظة قصيرة قبل أن يوشك المشهد على الانفجار.
"آآآه…!"
صرخ هان، ثم تلاها صرخة أخرى، أعلى، أعنف، تتردد في أرجاء المصنع بين الجثث الممزقة والوحوش المقعورة الرؤوس، كأن صوته يحاول أن يشقّ طريقه في قلب هذه الكارثة.
ظلت هيلين ببرودها المعتاد ولم يتحرك جفنها ولو للحظة، عينيها تتابعان المشهد بصمت، بينما وقف الرجل الآخر بجانبها، وجهه مشحون بالأسف، عاجزًا عن فعل شيء.
لكن هان لم يتوقف.
كانت صرخاته تتصاعد، تتحول إلى عويل ينهش الأجواء، يرنّ في أذن كل شيء حوله، كما لو أن الألم نفسه وجد طريقه للخروج عبر فمه.
كل صرخة كانت تحمل في طياتها الخذلان، الغضب، والحزن الأعظم لفقدان والده.
امسك هان رأسه بكلتا يديه، وجهه متصلب بالعاطفة الصارخة، جسده يرتجف من شدة الألم. كل جزء منه يصرخ رفضًا لحقيقة موت والده.
كل نبضة قلب تردد صدى الخسارة...
وكل نفس يلتقطه كان يذكره بعجزه عن فعل اي شيء...
كانت صرخاته أكثر من مجرد حزن، كانت انفجارًا من الحزن الخام، صرخة فتى فقد ملاذه، صرخة اشبه بصراخ الذئاب الجريحة.
كانت أيام هان في المدينة الجانبية جحيمًا مستمرًا منذ ولادته قبل خمسة عشر عامًا، مليئة بالفقر والبرد والظلام.
لكن وسط هذا الجحيم، كانت هناك لحظات دفء خفية، لم تُنسَ، تربطه بوالديه… لحظات صغيرة، ضحكات سريعة، لمسات حانية، كلام من القلب يلوّن حياة صعبة بالحب والحنان.
لم يظن قط أنه سيعيش من دونهم، لم يتخيل أن حياته يمكن أن تتفتت إلى هذا الحد. بالأمس فقط، كانوا يتحدثون عن خوفهم عليه، عن قلقهم من ألا يعود حيًا من اختبار الاستيقاظ…
واليوم، تحطمت كل تلك الأمانيات.
تعالت صرخاته، عالية وممزقة، حتى بدا أن المكان كله يهتز بها. فجأة، توقفت كل الأصوات الأخرى عند حدها، وسقط رأس هان ثقيلًا على جذع والده، في ذراعه السليمة، ساكنًا بلا حراك.
وقف الرجل بجانب هيلين، عيناه تترقبان جسد هان الذي لم يتحرك.
"هل… هل مات؟" تساءل، صوته ممتلئ بالقلق.
هيلين هزّت رأسها ببرود، لكن مع لمحة من التركيز:
"لا… لم يمت. فقد الوعي فقط. لكنه يحتاج إلى المعالجة فورًا."
توقفت للحظة، عينيها تتفحّصان المكان بسرعة.
"أين البقية؟"
فجأة، بدأت ظلال تتحرك عند بوابة المصنع.
رجال ونساء يرتدون دروعًا متنوعة، أسلحة قاتلة في أيديهم تشع وهجًا مرعبًا.
حركت هيلين رأسها خلفها، صوتها صارم وواضح:
"هاربر، المعالج… عالج هذا الفتى الآن!"
كانت ردة فعله سريعه ، اندفع هاربر من بين المجموعة، ووصل إلى حيث يرقد هان. وضع يده على هان، وغلفه بنور أبيض متوهج يميل إلى الأخضر الفاتح.
بدأت الجروح تلتئم أمام أعين الجميع، اللحم والعظام الممزقة تعود إلى حالتها الطبيعية، مشهد كان ليخيف أي بشري في المدينة الجانبية من قوة التحول السحرية لعملية العلاج.
هاربر رفع رأسه، نبرة صوته محترمة
"سيدة هيلين… هذا هو الناجي الوحيد، صحيح؟"
هزّت هيلين رأسها بثبات.
"نعم… لا يوجد آخرون. لا تقلق، الحكومة ستتولى الباقي."
تبادلت المجموعة نظرات متثاقلة، ثم همّت بالانسحاب.
لم يكن لهم نصيب في مأساة اليوم، مجرد شهود على الدمار.
لكن هيلين توقفت فجأة، عينيها تتجهان نحو أحد أفراد مجموعتها:
"ابقَ أنت، جورج. ستحتاجك الحكومة لتطهير الشجرة وربط البوابة."
جورج ارتعش على الفور، صوته يتلعثم، محمّل بالكسل والدهشة
"إيي… أنا؟ لماذا أنا بالذات؟"
هيلين وقفت بلا أي تعبير، عينيها الثابتتان تخترقان المكان، لا حرارة، لا رهبة، مجرد هدوء قاتل.
الأعضاء الآخرون تبادلوا نظرات مكتومة، وضحكات خافتة تسللت بينهم
"أظن أن جورج سيأخذ قسطًا طويلًا من الراحة قبل أن يتحرك."
"هو دائمًا هكذا… كسول حتى في أحلك اللحظات."
جورج حاول الوقوف، تسلّل العرق إلى جبينه، جلس مرة ووقف مرة أخرى، كما لو كان يفاوض الأرض على السماح له بالتحرك.
هيلين رفعت رأسها بخفة، صوتها البارد يصل إلى الجميع
"ستحتاجك الحكومة في عملية التطهير لتسريع العمل."
جورج أومأ متثاقلًا، وكأن الجاذبية ازدادت فجأة على كتفيه، ثم استدار ببطء، خطواته الكسولة تترك أثرًا كوميديًا بين جدية الرهبة والمأساة، بينما تتراجع المجموعة خلفه، تاركة المصنع المليء بالدمار خلفها، ومشهد المذبحة محفورًا في ذاكرتهم المليئة بذكريات مماثلة.